"الحقيقة العلمية بالنسبة لي تُدعى "إيفان"، ابني الذي يعيش في منزلي، فأنا ليس لي اهتمامات علمية أخرى، سوى حالته التي أعايشها كل يوم"، هكذا اختتمت الممثلة وعارضة الأزياء الأمريكية جيني مكارثي حديثها مع الإعلامية الشهيرة أوبرا وينفري، ردًّا على مقتطفات قرأتها "وينفري" من تقرير صادر عن "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" يؤكد أن "اللقاحات تحمي الرضع والأطفال والبالغين من الأذى والموت المبكر الناجم عن الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات".

خلال اللقاء الذي تم بثه عام 2007، زعمت "مكارثي" -صاحبة كتاب "بصوت أعلى من الكلمات: رحلة أُم للشفاء من التوحد" (Louder Than Words: A Mother's Journey in Healing Autism)، والتي استضافتها "وينفري" باعتبارها ناشطة في مجال مناهضة التطعيمات- إصابة صغيرها بمرض التوحُّد بسبب تناوله لقاح MMR المضاد لمرض الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية.

وهي الاتهامات التي حذرت منها دراسة حملت عنوان "حركة مناهضة التلقيح: ردة في الطب الحديث"، مشددةً على أن "أصواتًا مثل جيني مكارثي أثبتت أنها مؤثرة في قدرتها على بث الخوف والريبة لدى أولياء أمور الأطفال، وذلك عندما يتم تقديمهم كخبراء في علاج مرض التوحد، وأنه يجب مكافحة فكرة الشيطنة الخاطئة للتطعيمات من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الإعلام".

ويحتوي لقاح MMR المعروف باللقاح الثلاثي ضد الحصبة والنُّكاف والحصبة الألمانية على فيروسات حيَّة ولكنها ضعيفة جدًّا للنُّكاف والحصبة والحصبة الألمانية، ما يُحفِّز الجهاز المناعي في الجسم على إنتاج أجسام مضادة (Antibodies) لهذه الأمراض، وخلق مقاومة مناعية ضدها.

أرقام صادمة

لكن يبدو أن التحذيرات المؤيدة للتطعيم كانت أقل تأثيرًا من أصوات "شبيهات مكارثي"، ما أعاد الروح إلى أمراض كان العالم قد اعتقد "بالخطأ" أنها باتت إرثًا من الماضي؛ إذ ذكرت منظمة الصحة العالمية أن عدد حالات الإصابة بمرض "الحصبة" المسجلة لدى منظمة الصحة العالمية ارتفع بنسبة 300% في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي (2019)، مقارنةً بالفترة ذاتها في 2018، مُرجِعةً ذلك إلى عدة أسباب، من بينها الظروف الاقتصادية الصعبة، والحروب، والحركات المناهضة للتحصينات، والتي قد تمثل حاجزًا يمنع المواليد الجدد من الحصول على التطعيم اللازم للوقاية من هذا المرض.

وأضافت المنظمة أنه "تم تسجيل 112163 حالة إصابة بالحصبة في 170 دولة على مستوى العالم في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2019، مقارنةً بـ28124 حالة في 163 دولة خلال الفترة نفسها من عام 2018".

وأوضحت المنظمة أن "البيانات تُظهر زيادة مطَّردة في حالات الإصابة بالحصبة في جميع أنحاء العالم، وخاصةً في جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وجورجيا وكازاخستان وقيرغيزستان ومدغشقر وميانمار والفلبين والسودان وتايلاند وأوكرانيا، حيث تسببت في العديد من الوفيات، لا سيما بين الأطفال الصغار".

وأشارت إلى أن قارة أفريقيا سجلت زيادةً في معدلات الإصابة بالحصبة بنسبة 700%، والأمريكتين بنسبة 60%، وأوروبا بنسبة 300%، وإقليم شرق المتوسط بنسبة 100%.

وبعد إنشاء مبادرة القضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في عام 2001، انخفض عدد حالات الإصابات والوفيات، لكن التقدم في القضاء على المرض أخذ يتباطأ في عام 2007، وصاحَب ذلك حدوث ركود في تغطية نفقات التطعيم، بلغ أقصاه في عام 2010، وذلك من جَرَّاء مرور العالم بفترة من الانهيار الاقتصادي.

مضاعفات خطيرة

والحصبة هي مرض خطير ومُعدٍ للغاية، يمكن أن يسبّب مضاعفات مثل التهاب الدماغ (وهو التهاب في أنسجة المخ) والإصابة بنوبات الإسهال الشديد والجفاف والالتهاب الرئوي والتهابات الأذن وفقدان البصر المستديم، كما أن الرضع وصغار الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية وضعف جهاز المناعة (تحديدًا) معرضون للإصابة بمضاعفات الحصبة والموت من جَرَّائها.

ويمكن الوقاية من المرض بأخذ جرعتين من لقاح آمن وناجع مضاد له، لكن معدلات التطعيم بالجرعة الأولى من لقاح الحصبة على مستوى العالم توقفت عند نسبة قدرها 85% منذ عدة سنوات، وهي نسبة تقلّ بكثير عن تلك اللازمة لاتقاء خطر الفاشيات والبالغ قدرها 95%، وتُعرِّض بالتالي الكثير من الناس في العديد من المجتمعات لخطر الإصابة به. أمّا معدلات التغطية بالجرعة الثانية من اللقاح فقد بلغت نسبتها 67%.

تقول فضيلة شعيب- المتحدث الرسمي باسم منظمة الصحة العالمية- في تصريحات لـ"للعلم": في عام 2017، تسببت الحصبة في وفاة حوالي 110 آلاف شخص. وحتى في البلدان ذات الدخل المرتفع، أدت المضاعفات الناجمة عن المرض -والتي قد تصيب نحو ربع الحالات- إلى إصابة مرضى الحصبة بإعاقة مدى الحياة، إذ تؤدي إلى الإصابة بتلف الدماغ والعمى وفقدان السمع.

وتضيف "شعيب" أن "المرض يمكن أن ينتشر حتى في الدول التي لديها برامج تحصين ذات تغطية عالية؛ لأن الحصبة يمكن أن تخلق جيوبًا من الأشخاص المعرضين للإصابة، والذين يميلون إلى أن يوجدوا في تجمعات".

والأكثر من ذلك أن تلك الأرقام لا تعبر عن حقيقة الوضع؛ نظرًا إلى أن الأعداد الفعلية للحالات -التي تم تسجيلها في التقديرات العالمية- أكبر من تلك المبلغ عنها؛ إذ تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أنه يتم الإبلاغ فقط عن أقل من حالة واحدة من كل 10 حالات على مستوى العالم، وفق "شعيب".

مبادرات للمواجهة

وبالرغم من قتامة الصورة، تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن التطعيم ضد الحصبة خلال الفترة ما بين 2000 إلى 2015 حال دون وقوع وفيات يُقدّر عددها بنحو 20.3 مليون وفاة، ما يجعل لقاح الحصبة أحد أفضل اللقاحات التي يمكن الاعتماد عليها في مجال الصحة العامة. كما انخفض معدل الوفيات من جَرَّاء الحصبة على مستوى العالم من 545 ألفًا في عام 2000 إلى 110 آلاف في 2017، بنسبة بلغت 80٪، وفق أرقام منظمة الصحة العالمية لعام 2018.

ويُعَد الفقر والحروب من أهم معوِّقات الحصول على أرقام حقيقية بشأن الإصابة بالحصبة، فضلًا عن صعوبة تطعيم الأطفال الذين يعيشون في مناطق الصراعات، كما هو الحال في سوريا واليمن والصومال وجنوب السودان، وهو ما حاولت العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية التغلُّب عليه من خلال إطلاق "مبادرة مكافحة الحصبة والحصبة الألمانية" في عام 2001، وهي مبادرة يقودها "الصليب الأحمر الأمريكي" و"الأمم المتحدة" و"مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها" و"اليونيسف" و"منظمة الصحة العالمية".

وتسعى المبادرة إلى ضمان عدم إصابة أي طفل بالحصبة، وألا يولد أي طفل وهو مصاب بمتلازمة الحصبة الألمانية الولادية، وخفض الوفيات الناجمة عن الحصبة بنسبة 95%، والقضاء على الحصبة والحصبة الألمانية في خمسة على الأقل من أقاليم المنظمة بحلول عام 2020.

وأطلقت المبادرة حملات لتطعيم 7 ملايين طفل تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و9 سنوات في مدغشقر، كما دشنت منظمة الصحة العالمية واليونيسف، بالتعاون مع السلطات الصحية اليمنية، حملة للتطعيم بلقاح الحصبة والحصبة الألمانية على مستوى اليمن، شملت أكثر من 11.6 مليون طفل (90%) تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و16 عامًا.

من جهتها، تقول زينب صلاح -أستاذ طب الأطفال بكلية الطب جامعة القاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التطعيم ضد الحصبة قرار لا يجب أن تتردد فيه أسرة الطفل بسبب آثاره الصحية الإيجابية، وفي مصر مثلًا، يُعَد برنامج التطعيم ضد الحصبة ناجحًا؛ إذ يحصل المواليد الجدد على التطعيم بشكل إجباري ومجاني على جرعتين عند بلوغ الطفل 12 شهرًا و18 شهرًا، ما ساعد على تراجُع معدلات الإصابة بالمرض تراجُعًا كبيرًا".

وتضيف "صلاح" أن "الإصابة بالمرض (في حالة عدم أخذ التطعيم) قد تؤدي إلى الإصابة بمرض الالتهاب الرئوي، وهو أحد الأخطار الكبيرة التي تهدد حياة الطفل في هذا العمر الصغير، وقد يحدث للطفل المصاب بالحصبة بعض التداعيات الأخرى، مثل إصابته بضمور خلايا المخ، الذي قد تظهر آثاره بعد سنوات من الإصابة، كما أن تعرُّض السيدة الحامل للإصابة بمرض الحصبة قد ينجم عنه تشوهات في الجنين".