كشفت دراسة أجراها فريق من الباحثين الأمريكيين أن فيروس الحصبة أخطر مما يتوقعون، مشددةً على أن الفيروس تَسبَّب في محو ذاكرة الجسم فيما يتعلق بمسببات الأمراض التي أصيب بها من قبل، وذلك بنسبة تتراوح بين 11% و73% من الأجسام المضادة الواقية لدى الأطفال.

والأجسام المضادة هي بروتينات الدم التي تتذكر المواجهات السابقة مع الفيروسات، وتساعد الجسم على تجنُّب تكرار الإصابة بها.

ووفق الدراسة، التي نشرتها دورية "ساينس" (Science)، فإن الأطفال الذين يعانون من غياب هذه الأجسام المضادة، يفقدون جزءًا كبيرًا من دفاعهم المناعي، ويصبحون عُرضةً لفيروسات أصابتهم من قبل وتغلبوا عليها.

يقول "ستيفن أليدج"، أستاذ علم الوراثة في كلية الطب بجامعة هارفارد والخبير بمعهد "هوارد هيوز" الطبي، والباحث المشارك في الدراسة: إن "هؤلاء الصغار لا يفتقدون الحماية تمامًا مثل حديثي الولادة، ولكن بعضهم يكون أقرب إلى ذلك. وهناك أدلة قوية على أن فيروس الحصبة دمر جهازهم المناعي وكأنه أصاب الجهاز المناعي بفقدان الذاكرة، ما يؤكد أهمية التطعيم ضد الحصبة، التي تُعَد أكثر الفيروسات المُعدية".

وقبل تطوير اللقاح المضاد للحصبة في عام 1963، كان المرض يصيب ما بين ثلاثة ملايين وأربعة ملايين حالة سنويًّا في الولايات المتحدة. وقد تراجع هذا العدد في العقود التالية حتى بلغ 55 حالة فقط في عام 2012. ولكن بسبب عدم التطيعم أو قلته، سجلت مراكز السيطرة على الأمراض بالولايات المتحدة 1261 حالة إصابة بالمرض منذ بداية العام الحالي وحتى 7 نوفمبر الماضي.

وتشير الدراسات السابقة إلى أن الحصبة قد تثبط جهاز مناعة المصابين بها لفترة من عامين إلى ثلاثة، مما يعرضهم لخطر الإصابة بأمراض أخرى، وهو ما أكده الباحث المشارك "مايكل مينا" في تقرير مشابه عام 2015.

يستخدم "أليدج" وفريقه البحثي جهاز "فيرسكان" (VirScan) منذ عام 2015 لاكتشاف الفيروسات من خلال تحليل نقطة دم واحدة، وفي أثناء تطويرهم لكفاءة هذا الجهاز، توصلوا إلى معرفة خطورة فيروس الحصبة.

وفي الوقت الذي يقوم فيه جهاز "فيرسكان" بالكشف عن الأجسام المضادة لفيروسات الإيدز والإنفلونزا والهربس ومئات الفيروسات، فإن الكشف عن فيروس الحصبة تطلَّب جهدًا كبيرًا، وفق البيان المصاحب للدراسة، إذ إن كَم الأجسام المضادة للحصبة في الدم يكون قليلًا فلا يمكن لجهاز "فيرسكان" رصده عند قياسها في الأشخاص الذين تم تطعيمهم قبل عقود.

ولهذا تعاون "أليدج" مع "مينا" بجامعة هارفارد و"ريك دي سورت" بالمركز الطبي بجامعة "إيراسموس" لتحليل عينات مأخوذة من أطفال مصابين حديثًا.

يقول "أليدج" في البيان المصاحب للدراسة: يتقلص مجموع الأجسام المضادة الذي تراكم خلال حياة الطفل بعد إصابته بالحصبة، ووفق شدة الإصابة، يفقد الأطفال ما بين 33% إلى 40% من مجموع الأجسام المضادة.

 وقد أُجريت التجربة على قرود "الماكاك"، وتم جمع عينات الدم قبل الإصابة وبعدها لمدة خمسة شهور. وتبيَّن أن القرود فقدت ما بين 40 إلى 60% من الأجسام المضادة التي تحميها من مسببات الأمراض الأخرى.

ويسعى الفريق البحثي حاليًّا لتطوير نُهُج للكشف عن الفيروسات المنتشرة في دم الأشخاص في الوقت الحالي. كما يعمل مع إحدى الشركات لترخيص جهاز "فيرسكان" للاستخدام الأكاديمي.

يقول "أليدج" في تصريحات لـ"للعلم": "إن نتائج الدراسة ترجح إعادة تطعيم الأطفال بتطعيمات أخرى (على سبيل المثال: شلل الأطفال، الجدري المائي، الالتهاب الكبدي، المكورات الرئوية، فيروس الروتا) وذلك بعد شفائهم من الحصبة. وهذا الإجراء من شأنه تخفيف آثارها طويلة المدى، والتعجيل بإعادة اكتساب الذاكرة المناعية.

ويضيف "أليدج" أن "الفيروس قد لا يعرف نوع الخلايا التي يهاجمها، وما إذا كانت تنتج أجسامًا مضادة أم لا. وعمومًا فإن العدوى التي تحدث بمعدلات عالية بعد الإصابة بالحصبة تكون بنفس الأمراض المنتشرة في البيئة المحيطة. فعلى سبيل المثال، ظهرت عدوى الجهاز التنفسي في كلٍّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة بعد انتشار الحصبة. أما في أمريكا الجنوبية، فقد أعقب ظهور الحصبة انتشار النزلات المعوية والدوسنتاريا".

وتعليقًا على إصابة حالات في البرازيل بالحصبة رغم تطعيمها سابقًا ضد المرض، يقول "أليدج": إن أخذ التطعيمات كجرعة واحدة لا يكون فعالًا أحيانًا، ورغم فاعلية برنامج التطعيمات في الوقاية من الحصبة، إلا أن الأمر لا يكون كذلك بالنسبة لنحو 2% أو 3%. ولذلك يجب إعادة تطعيم الأطفال ضد الأمراض الخطيرة بعد الإصابة بالحصبة.