قبل أكثر من خمسة قرون، وقف السلطان المملوكي الأشرف قايتباي على أطلال منارة الإسكندرية، إحدى عجائب الدنيا المندثرة وأولى منارات العالم، ولعله أدرك فداحة الخسارة، فأمر حينها ببناء قلعة في الموضع نفسه على جزيرة فاروس، في غضون عامين شُيدت قلعة قايتباي المهيبة، واتخذت بشموخٍ مكانتها وسط قلاع البحر المتوسط، وعلى مر العصور تدللت باهتمام حكام مصر وأهلها وزائريها، غير أن ارتفاع مستوى سطح البحر يهدد بغرقها واختفائها من الوجود قبل أن نصل إلى عام ألفين ومئة.

واحد من كل ستة مواقع للتراث الثقافي عالميًّا بات مهددًا في الوقت الحالي بسبب تغيُّر المناخ، وفق منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، ونتيجةً للخطر المتزايد اختارت المنظمة "التراث والمناخ" موضوعًا لعام 2022 ليوم الآثار الدولي، في 18 إبريل الماضي، مؤكدةً حاجتنا المتزايدة إلى رصد تلك التأثيرات من خلال بيانات أكثر دقة.

 الأحجار في مواجهة المناخ

تنصب أحجارنا ومعابدنا المصرية أكتافها بجمال وجلال منذ آلاف السنين في مواجهة الظروف المناخية القاسية، غير أن الاستمرار في تغير أنماط درجات الحرارة والرطوبة وارتفاع مستوى سطح البحر يضع سيناريوهاتٍ مستقبليةً "مثيرةً للقلق"؛ إذ      تتأثر الأحجار بعمليات التمدد والانكماش، في حين يهدد ارتفاع سطح البحر بغرق آثار الساحل الشمالي، وفق إسلام أبو المجد، نائب رئيس الهيئة القومية للاستشعار عن بُعد.

 يمكن لتقنيات الاستشعار عن بُعد والإنذار المبكر أن تضع لنا خريطةً تفصيليةً بالمواقع الأثرية المهددة حتى مئة عام مقبلة، بما يساعد صناع القرار في اتخاذ تدابير التكيُّف اللازمة وفقًا للأولويات والحاجة المُلحة إلى التدخل والحماية، يضيف "أبو المجد" لـ"للعلم".

 أوصت ورقة علمية لباحثين من جامعة مدينة السادات -من بينهم أبو المجد- في يونيو الماضي، بوضع إستراتيجية وطنية منفصلة للتكيف مع تغير المناخ في قطاع الآثار، بعدما أفاد 64% من عينة استبانة أجراها الباحثون (بلغت 111 فردًا من العاملين في القطاع) بأنهم لم يُجروا دراسات حول تأثير تغير المناخ على الآثار.    

وينص الهدف الثاني من أهداف الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ في مصر 2050 على بناء المرونة والقدرة على التكيف مع تغيُّر المناخ، ويتضمن بندًا خاصًّا للحفاظ على معالم التراث التاريخية.

"نحتاج إلى المزيد من الدراسات لفهم التأثيرات وإيجاد حلول للتكيف لكل حالة على حدة، فهناك أثر قد يحتاج إلى بناء سور أو مبنى خرساني لحمايته من الفيضانات، وآخر يتطلب تصميمات عازلة لتخفيف تأثره بالحرارة والأمطار، ونحن بصدد إجراء مشروع لاستخدام الذكاء الاصطناعي وصور الأقمار الصناعية لدراسة السيناريوهات المستقبلية حتى نستطيع التعامل معها"، يقول "أبو المجد".

 أوضحت وزيرة البيئة الدكتورة ياسمين فؤاد على هامش إطلاق الإستراتيجية الوطنية لتغير المناخ خلال قمة الأمم المتحدة للمناخ (كوب 26) في نوفمبر الماضي، أن مصر ستستخدم مجموعة من السياسات والأدوات في تنفيذ أهدافها الإستراتيجية، ومنها: استخدام الخريطة التفاعلية كأداة تخطيط لتحديد المناطق المعرضة لمخاطر تغيُّر المناخ المحتملة، وتنفيذ أنظمة الحماية من الفيضانات وجمع مياه الأمطار والإدارة المتكاملة للمناطق الساحلية في مواجهة آثار التغيرات المناخية.

يلمس مجدي شاكر -كبير الأثريين في وزارة الآثار- الضرر الواقع على المواقع الأثرية، قائلًا: "أغلب آثارنا من الحجر الجيري والرملي، والذي قد يصبح هشًّا وقابلًا للتفتُّت مع كثرة تعرُّضه للحرارة المرتفعة والأمطار، ولدينا آثار تضررت بالفعل، وهناك مدن كاملة معرضة للاختفاء في المستقبل مع ارتفاع مستوى سطح البحر، مثل الإسكندرية".

ورصدت دراسة، نشرتها مجلة البحث العلمي في الآداب في عام 2019، تضرُّر موقع بني حسن الأثري بالمنيا من المياه السطحية نتيجة الفيضانات وعوامل التعرية بفعل الرياح على طول الواجهات الغربية للمقابر وتدهوُرها، وأوصت بإزالة تراكُم الرمال أمام المقابر، وحمايتها من مياه الأمطار، ومعالجة الفجوات والشقوق وترميمها بالطرق العلمية، بما يحافظ على ألوانها الأصلية.

"نتعامل مع الأضرار الآنية من خلال الترميم، لكننا بحاجة إلى نُظُم للتنبؤ بما سيحدث في المستقبل، والتنسيق مع جهات أخرى لإيجاد حلول علمية للحفاظ على ثرواتنا التاريخية، كما نحتاج إلى الموارد المالية لتنفيذ خطط التكيُّف"، يضيف "شاكر" في حديثه لـ"للعلم".

وكانت أكاديمية البحث العلمي قد نظمت الملتقى العلمي الأثري الأول بعنوان "مستقبل الآثار المصرية والتغيرات المناخية" في مايو الماضي، واستعرض أحمد عبد الحميد النمر -عضو المكتب العلمي لوزير الآثار، واستشاري التراث والإحياء العمراني- خلال الملتقى المشاريع التي تنفذها الوزارة للتعامل مع تغيُّر المناخ.

وقال النمر لـ"للعلم": "لدينا في الوقت الراهن مشاريع ترميم وتأهيل تغطي مختلف المحافظات، خاصةً مع التأثيرات الواضحة لتغيُّر المناخ على تلف الجداريات والنقوش، من بينها مشاريع تطوير طريق الكباش، وكنيسة أبو سرجة في مصر القديمة، وآثار العائلة المقدسة، والمعبد اليهودي، ومسجد محمد علي".

 وأوضح: "ينقسم عملنا إلى عدة مراحل، تبدأ بالتوثيق الكامل للقطع الأثرية في قواعد بيانات إلكترونية بمجرد إخراجها من الحفائر والمخازن، ثم الرصد الدوري من قبل المرمِّمين لحالة الآثار والإبلاغ عن أي تلف سواء كان مرتبطًا بتغير المناخ أو بأسباب أخرى، ويدخل بعدها الأثر في مشاريع الترميم والتأهيل".

وأضاف: "نراعي في هذه المشاريع عمل ترميم شامل ومتخصص للتعامل مع التغيرات المناخية وتقوية الأثر لمواجهة عوامل التغيُّر المناخي المختلفة في مصر، كما أهلنا بعض المواقع للاعتماد على الطاقة الشمسية في الإضاءة ووفرنا للسياح وسائل نقل صديقة للبيئة في بعض معابد الأقصر وأسوان، كما أن لدينا أجهزة للرصد الدقيق لأي تغيُّر في درجات الحرارة وتأثير ذلك على الآثار خاصةً العضوية مثل المومياوات، نعمل حاليًّا على نقل التحف الثمينة الموجودة في المخازن وبعض المواقع إلى المتاحف المتطورة حيث التقنيات الحديثة للعزل الحراري والحفاظ على الآثار من مختلِف العوامل المناخية مثل المتحف القومي للحضارة".

المواقع الأكثر تهديدًا

في رسالته للدكتوراة استخدم إسلام كمال -مدرس إدارة مواقع التراث الثقافي بكلية السياحة في جامعة مدينة السادات- تقنيات الاستشعار عن بُعد ونظم المعلومات الجعرافية لتقييم تأثيرات التغيرات المناخية على عدد من المواقع التراثية المصرية.

كشفت النماذج المناخية المستقبلية أن ارتفاع متوسط مستوى سطح البحر إلى مترين بحلول عام ألفين ومئة يهدد بغرق قلعة قايتباي بنسبة 44%، ووفقًا لأكثر السيناريوهات تفاؤلًا فارتفاع متوسط مستوى سطح البحر 32 سم يهدد بغرق نسبة 11% من مساحة القلعة، "ليس لدينا رفاهية الانتظار؛ فإذا غمرت المياه الموقع الأثري ولو بنسبة 1% فإن الضرر قد وقع".. يقول إسلام كمال لـ"للعلم"، وقد شملت دراسته 16 موقعًا أثريًّا في شمال سيناء والإسكندرية ودمياط ومطروح، ومن المواقع الأكثر تعرضًا لخطر الغرق -وفقًا للرسالة- حصن أم مفرج وتل الدهب وموقع الفلوسيات الأثري في شمال سيناء وكهف روميل في مرسى مطروح، بنسب غرق وصلت في بعض المواقع إلى 100% في الفترة من 2065 إلى 2100.

تناولت الدراسة كذلك تقييم تأثير ارتفاع درجات الحرارة في 12 موقعًا آخر في محافظات الأقصر وأسوان والوادي الجديد، ويقول الباحث: "التبايُن المستقبلي في درجات الحرارة العظمى والصغرى هائل، لا سيما في محافظة مثل الأقصر، إذ كشفت السيناريوهات المستقبلية لعام ألفين ومئة أن الفرق سيتراوح بين 15.6 و17.9 درجة بين الليل والنهار، وهو ما سيتسبب في أضرار ميكانيكية للآثار تختلف وفق نوع الحجر وقدرته على مقاومة التلف".

ليس للأحجار أعضاء وأجهزة حيوية، لكن جسدها المصنوع من الحجر الجيري والرملي يمرض نتيجة عمليات التمدد والانكماش؛ إذ تتمدد الجزيئات المعدنية بسبب تسخين السطح خلال النهار وتتقلص مرةً أخرى عندما يبرد خلال الليل، وهو ما يؤدي إلى أن أسطح الأحجار تصبح باردةً ولا يزال عمق الحجر ساخنًا، وينتج عن ذلك تفكُّك الهياكل وانفصال بعض الجسيمات عن بعض.. يوضح "كمال". وهو ما يجعل جميع المعابد المشهورة في الأقصر وأسوان مثل الكرنك وإدفو وكوم امبو وكلابشة وغيرها مهددة.    

بدأت الحكومة المصرية مشروع "تعزيز التكيف مع تغير المناخ في الساحل الشمالي ودلتا النيل" في 2017 بتمويل من صندوق المناخ الأخضر بالتعاون مع البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة يمتد على مدار سبع سنوات، لبناء المقاومة ومواجهة      ارتفاع سطح البحر وزيادة تواتر العواصف عبر إقامة الحواجز الصخرية وغيرها من تدابير التكيُّف والحماية. "نحتاج إلى المزيد من هذه المشاريع؛ حتى لا تتحقق السيناريوهات المناخية الكارثية".. يقول الباحث إسلام كمال.    

وتُعد دلتا النيل من بين أكبر ثلاث مناطق معرضة للخطر في العالم، وفقًا للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، ومن المتوقع أن يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد إلى غمر 20٪ من مساحة أراضي الدلتا بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين.

ووفق أحدث تقرير للأداء السنوي للمشروع في سبتمبر الماضي، "نفذت مشاريع للتكيف بقيمة 3.5 ملايين دولار خلال عام 2020، ومن الإنجازات التي تحققت الانتهاء من الدراسات الميدانية وأعمال التصميم لـ55 كيلومترًا من النقاط الساخنة من إجمالي 69 كيلومترًا مستهدفة ضمن نظام حماية السواحل في دلتا النيل، والانتهاء من أعمال البناء في أول 14 كيلومترًا في كفر الشيخ، وإبرام تعاقدات لتنفيذ نظم الحماية في 50 كيلومترًا أخرى في كفر الشيخ وبورسعيد والدقهلية ودمياط، بالإضافة إلى إبرام تعاقدات مع شركات استشارية لتطوير خطة إدارة متكاملة مقاومة للمناخ تمتد ألف كيلومتر بطول الساحل الشمالي المصري، وتنفيذ برامج توعية للمسؤولين الحكوميين من أجل الإسهام في تنفيذ الخطط، وفق التقرير.    

يصل التهديد إلى الآثار المدفونة التي لم تُكتشف بعد، وهي معرضة بشدة للخطر نتيجة ارتفاع مستوى سطح البحر، وتملُّح التربة، في حين يؤثر ارتفاع درجات الحرارة والأمطار الكثيفة على جودة النقوش والألوان الموجودة على المعابد وتهدد العواصف الرملية بتآكلها.. وفق صابر عثمان، خبير التغير المناخي والمدير السابق لإدارة التكيف مع تغير المناخ بوزارة البيئة.

نحتاج إلى تأصيل علمي للمشكلة من خلال رصد المخاطر وفهمها وتصنيفها وعمل ترميز لوني وفق حجم الخطر، ومن ثم تصميم خريطة تفاعلية لكل الآثار الموجودة في مصر، تتضمن قاعدة بيانات بالمعلومات الخاصة بكل أثر، وطريقة التعامل المُثلى معه، وتوقيت الاستجابة لتوفير الموارد، كما نحتاج إلى التعرُّف على التجارب الدولية المختلفة وماذا يمكن أن نستفيد منها.. يضيف "عثمان".

 تجارب دولية للتكيف

تتفق التوصيات السابقة مع توصيات اليونسكو والمجلس الدولي للآثار والمواقع (الواردة في كتاب التراث الثقافي من التلوث لتغير المناخ -2016) بضرورة زيادة مرونة مواقع التراث عن طريق الحد من مصادر الإجهاد غير المناخية مثل التلوث والأنشطة البشرية، والتوسع في الأبحاث والتدريب على تنفيذ طرق التكيف، وتشمل تصميم المناطق العازلة للحرارة وإقامة السدود لمقاومة ارتفاع مستوى سطح البحر، والملاجئ لحماية المواقع الأثرية من العوامل المناخية المختلفة.

ويتضمن الكتاب فصلًا من أجل تقييم تجربة للتكيُّف في مالطا، حيث أقيم ملجأ عام 2009 لتغطية المعبد المغليثي، وهو من أقدم المباني الحجرية القائمة بذاتها عالميًّا، بعد تعرُّضه لانهيارات خطيرة وتأثُّره بالرياح والشمس والملح، وكشف تقييم لمدى فاعلية الملجأ أنه نجح في حماية المعبد من درجات الحرارة القصوى، وتقلبات الحرارة، ومن هطول الأمطار المباشر، ونجح في تقليل الملح الذي تحمله الرياح، إلا أنه لم يوفر حمايةً كاملةً من جميع عوامل المناخ.

والملاجئ هي إحدى أكثر الطرق فاعليةً للتكيُّف مع تغيُّر المناخ في قطاع الآثار، وتُصنع الملاجئ المفتوحة عادةً من الألواح المعدنية لتوفر حاجزًا ماديًّا أمام المطر وأشعة الشمس المباشرة، وتستند فكرتها إلى أن تغطية موقعٍ ما ستكون دائمًا أفضل من تركه معرضًا للبيئة، وتحتاج إلى تقييم مستمر لحالة المأوى وتدارُك أي أخطاء في التصميم يمكن أن تؤدي إلى تفاقُم الضرر والتعديل بما يتَّسق مع التغير في الظروف المناخية، وفقًا لدراسة أجرتها باحثة بجامعة مدريد المستقلة عام 2017.

كما يجب دراسة الخيارات والبدء في تنفيذ الأكثر مناسبةً لكل موقع على حدة؛ حتى لاتُحرم الأجيال القادمة من زيارة قلعة قايتباي وغيرها من مواقعنا التراثية المذهلة.