ذكرت دراسةٌ أجراها فريق بحثي من جامعة "كاليفورنيا ريفرسايد" الأمريكية أن  مفهوم السعادة يختلف على مستوى العالم وفقًا للمكان الذي يعيش فيه الفرد.

وتُعد الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) اليوم "الأربعاء"، 9 ديسمبر، تحت عنوان "السعادة حول العالم: نهج مشترك عبر 63 دولة"، من أهم الأبحاث التي أُجريت حول مفهوم السعادة؛ إذ ضمت عينة البحث -التي خضعت لاستطلاع للرأي عبر الإنترنت- أكثر من 15 ألف شخص من 63 دولة يتحدثون 42 لغة.

تقول جويندولين جاردينر، أستاذة علم النفس، والباحثة الرئيسية في الدراسة: "إن معظم الدراسات السابقة ركزت على النموذج الغربي لمفهوم السعادة، الذي يتمحور نسبيًّا حول الذات".

وبناءً على ذلك، فإن التصور السائد للسعادة يتوافق مع وجهة النظر البروتستانتية التاريخية التي تنظر إلى السعادة على أنها تحقيق إنجاز شخصي، وتربط بين السعادة والقدرة على تحقيق نتائج إيجابية.

تضيف "جاردينز" في تصريحات لـ"للعلم": إن مفهوم السعادة المتمحور حول الرؤية الغربية للسعادة ليس واحدًا على مستوى العالم؛ ففي حين أن السعادة مرتبطة بالاستقلال الذاتي في الغرب، فإن السعادة فى الدول الشرقية مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية المتبادلة بين الأفراد".

وتتابع: لقد وُصِفت السعادة في بلدان شرق آسيا على أنها حالةٌ ترتبط فيها الأنا ارتباطًا وثيقًا بالآخرين، بحيث تعتمد السعادة الشخصية على العلاقات الاجتماعية بين الأفراد بعضهم وبعض؛ فعلى سبيل المثال، يربط الكوريون بين "السعادة" و"الأسرة" بصورة دائمة، وتؤكد الأيديولوجيات الشرقية للبوذية والطاوية والكونفوشيوسية على الترابط بين كل فرد وكل شيء، وتعطي الأولوية للتناغم والتوازن بين أفراد المجتمع، وذلك على حساب الإنجازات الفردية.

ولقياس هذا التبايُن، استطلع الباحثون آراء 15368 مشاركًا حول العالم، واستخدم الباحثون مقياسين للسعادة: الأول خاص بمفهوم السعادة الذاتية الذي تم تطويره في الولايات المتحدة، والثاني مقياس السعادة المترابط، وهو اختبار جديد نسبيًّا تم تطويره في اليابان، بحيث يبحث المقياس الشرقي عن كثب في عوامل مثل "الانسجام بين الأشخاص" والمساواة في الإنجاز مع الأقران.

شملت عينة البحث إلى جانب الغربيين -الذين تمت دراستهم تقليديًّا في الولايات المتحدة وكندا وشرق آسيا- الأفارقة والأمريكيين اللاتينيين وشرق الأوسطيين وأناس من جنوب شرق آسيا، وذلك عن طريق اختبار مقياسي السعادة على طلاب في سن الجامعة عن طريق شبكة الإنترنت بلغات البلدان المختلفة.

وتوصل الباحثون إلى أن المقياس الغربي -مقياس السعادة الذاتية- أثبت أنه أكثر موثوقيةً في قياس السعادة في دول أوروبا الغربية، متضمنةً بلجيكا والدنمارك والمملكة المتحدة، وأن البلدان ذات النمو الاقتصادي الأعلى والنمو السكاني الأقل، والمناخات الباردة أكثر ميلًا إلى المقياس الغربي.

تقول "جاردينز": لكن المقياس الغربي لم يكن فعالًا في تحديد السعادة في الدول الشرقية مثل الصين واليابان وفيتنام. بل أكثر من ذلك، فقد كان أداؤه ضعيفًا في بلدان أخرى، وبالتحديد البلدان الأفريقية.

في المقابل، كان المقياس الشرقي، مقياس السعادة المترابط، أكثر موثوقيةً في الدول الآسيوية، متضمنةً اليابان وكوريا الجنوبية.

تضيف "جاردينر": بالرغم من أن النتائج التي توصلتْ إليها الدراسة مثيرةٌ للاهتمام ومدهشة بشكل خاص، إذ يُنظر إلى الولايات المتحدة واليابان باعتبارهما نموذجين لتسليط الضوء على تأثير الاختلافات بين الثقافات على سلوك الإنسان الاجتماعي والمعرفي، إلا أنه يجب إجراء مزيد من الدراسات المستقبلية  في بلدان أخرى وتصميم مقاييس جديدة، لأن أداء كلا المقياسين بدا ضعيفًا في البلدان التي ليس لها تقاليد مسيحية بروتستانتية أو بوذية، بما في ذلك دول إفريقيا والشرق الأوسط.