على مر السنين، شكّلت المياه الجوفية أحد المصادر الرئيسية للمياه العذبة، بجانب المياه السطحية كالأنهار والبحيرات، خاصةً للبلدان التي لا تجري فيها الأنهار، وتعتمد بشكل رئيسي على الآبار وتحلية مياه البحر، كما هو الحال في دول الخليج العربي.

ومع شح مصادر المياه السطحية، وتزايُد معدلات القحولة التي تهدد 24% من مساحة الكرة الأرضية، أضحت المياه الجوفية أحد أهم الحلول، حتى بالنسبة للدول التي تشق الأنهار والبحيرات العذبة أراضيها، لكن يظل اختيار المكان الأنسب لحفر الآبار يشكل تحديًا كبيرًا، خاصةً في ظل التكاليف المرتفعة لهذه العملية.

وفي محاولة لتحقيق أعلى درجات الاستفادة من مخزون المياه الجوفية، وتحديد المكان الأكثر مناسَبةً لحفر الآبار، نجح فريق بحثي مصري سعودي في تطبيق منهجية بحثية لتنمية الموارد المائية المحدودة وتعظيمها، وخاصةً في المناطق القاحلة.

استهدفت الدراسة المنشورة في دورية (ساينتفك ريبورتس) العلمية، تطوير آليات طرق البحث عن مصادر المياه الجوفية وتتبُّع أماكن وجودها، وتحديد أعماقها وكمياتها بدقة عالية، من أجل تنمية مستدامة لهذا المورد المهم.

من جانبه، قال "محمد الألفي"، الباحث بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة المنصورة المصرية، ومعهد الأمير سلطان لأبحاث البيئة والمياه والصحراء في جامعة الملك سعود السعودية: إن أهمية البحث تكمن في أنه يدرس بالتفصيل الطبقات الجيولوجية لأحد خزانات المياه شديدة التعقيد، من حيث كونها طبقات جيرية ومطوية وحبيسة.

والطي هو نوعٌ من التشوهات التكتونية الذي تُطوى خلاله الطبقات الصخرية لتأخذ أشكالًا محدبة، أي يتجه التقوس إلى الأعلى، وأخرى مقعرة، يتجه التقوس فيها إلى الأسفل.

استند فريق البحث لإنجاز مهمته، إلى إحداث تكامل بين الدراسات الهيدرولوجية والجيوفيزيائية ونظم المعلومات المكانية، وطبّق هذه المنهجية على طبقة "أم الرضمة" في المملكة العربية السعودية، التي تتميز بخصائص هيدروجيولوجية ممتازة من حيث غزارة الإنتاج والعمق المعتدل للآبار وسهولة الحفر إلى هذه الطبقة.

و"أم الرضمة" هي طبقة مكونة من الحجر الجيري كثيرة الشقوق والكسور المشبعة بالمياه الجوفية الموجودة تحت ضغط، وفي الوقت نفسه تعاني من حركات أرضية مثل الطي والكسور، وتتميز عن غيرها من الطبقات المماثلة في السعودية بتوافر البيانات الهيدرولوجية والجيوفيزيائية وسجلات الآبار الخاصة بها.

مسارات المياه الجوفية

تمكَّن الفريق البحثي من معرفة مسارات المياه الجوفية المتعرجة عند الدخول في مناطق الطيات، وكذلك تحديد 3 نطاقات منتجة للمياه، أفضلها النطاق الأعلى؛ إذ يتميز بخصائص هيدروليكية ممتازة (نفاذية، وموصلية هيدروليكية عالية، ومعدلات تخزين كبيرة).

يوضح "الألفي" في حديث لـ"للعلم" أنه جرت دراسة مسارات المياه الجوفية داخل هذا الخزان بدقة عالية، وتحديد خواصه الهيدروليكية في النطاقات المختلفة بشكل مفصل، من خلال دمج بيانات سبر الآبار وتجارب الضخ ودراسة جيوكيميائية المياه، وهو ما نال قبول العلماء الدوليين المتخصصين في هذا المجال واستحسانهم.

"عارف لاشين" -الباحث بقسم الجيولوجيا، كلية العلوم بجامعة بنها المصرية، وقسم هندسة البترول بجامعة الملك سعود السعودية- قال: إن دراسة طبقات التربة تمت عبر تكامل التحليلات الهيدرولوجية، مثل دراسة مناسيب المياه الجوفية على كامل مساحة الخزان، بالإضافة إلى تجارب الضخ لعدد من الآبار، ودراسة جيوكيميائية المياه الجوفية مع التحليلات الجيوفيزيائية من خلال سبر الآبار (البتروفيزيائية).

وفي حديث لـ"للعلم" أضاف أن هذا المنهج البحثي مكّن الفريق من معرفة مسارات المياه الجوفية المتعرجة عند الدخول في مناطق الطيات، وكذلك تحديد أفضل النطاقات المنتجة للمياه في الطبقة المائية التي تتميز بخصائص ممتازة ومعدلات تخزين كبيرة للمياه الجوفية.

تقليل تكاليف حفر الآبار

وعن فوائد تطبيق هذا البحث، أشار "الألفي" إلى أنه يمكن تحسين الفهم لأنظمة المياه الجوفية المعقدة المختلفة في المناطق القاحلة، والمساعدة على نمذجتها بدرجة دقة أكبر، ومعرفة مسارات سريان المياه الجوفية داخل الخزانات، واختيار الأكثر مناسَبةً من النطاقات المنتجة للمياه الجوفية من الخزانات.

وأوضح أن هذه المنهجية البحثية لا يقتصر تطبيقها على "أم الرضمة" في السعودية، بل يمكن استنساخ التجربة على طبقات كثيرة مشابهة لتلك الطبقة في شمال سيناء في مصر، وكذلك في مناطق أخرى شبيهة في السعودية والإمارات والبحرين وقطر، والعديد من الدول العربية الأخرى، حيث يمكن لهذه الطريقة أن تحل مشكلة التكلفة العالية لحفر الآبار، قبل أن نكتشف عدم وجود كميات كافية من المياه، أو وجود مياه ذات جودة ضعيفة.

وهو ما اتفق معه "لاشين" بأن نتائج هذا البحث ستؤدي إلى اتخاذ خطوات صحيحة نحو التخطيط والاستثمار لهذا المورد الثمين، واستخدامه بالشكل الأمثل، ناهيك بتقليل تكاليف حفر الآبار، ما يُسهِم في خفض تكاليف استصلاح المناطق الزراعية الجديدة، مع الأخذ في الاعتبار الحفاظ على الموازنة المائية الآمنة للنظام الهيدرولوجي للخزان الجوفي.

تدفق المياه الجوفية

ورأى "أحمد محمد الدسوقي" – دكتوراة في الجيوفيزياء التطبيقية، مدير محمية الدبابية الطبيعية- أن البحث له أهمية كبيرة، إذ يقدم معلومات تفصيلية قيّمة عن علاقة التراكيب الجيولوجية وتأثيراتها على تدفق المياه الجوفية، والحصول على خصائص هيدروليكية دقيقة لخزانات المياه الجوفية المختلفة.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، اعتبر "الدسوقي" أن منهجية البحث يمكن تطبيقها لتعزيز النماذج المحلية القائمة لأنظمة طبقات المياه الجوفية المحصورة والمتسربة، وتحسين الإستراتيجيات لتحديد أكثر المناطق إنتاجية، وبالتالي تقليل تكاليف حفر الآبار الجوفية.

وأوضح أن الفريق البحثي للدراسة استخدم التحليل المائي والجيوفيزيائي بصورة كمية لدراسة الخزان التركيبي للمياه الجوفية شرقي المملكة العربية السعودية، واستعان في ذلك بالبيانات الهيدرولوجية والمائية المتاحة، وكذلك بيانات تسجيلات الآبار لفهم الخصائص الهيدرولوجية والبتروفيزيائية؛ للكشف عن تدفق المياه المحتمل في المنطقة التي شملتها الدراسة.

وتابع: "من خلال الدراسة وضح تأثير نظام الطيات الحاكم للمنطقة على تدفق المياه الجوفية الذي يجبر المياه الجوفية على الانحراف من اتجاه الغرب إلى الشرق إلى اتجاه جنوب غرب –شمال شرق، في نمط متعرج بالقرب من المناطق الساحلية.

وأشار إلى أن هذه الدراسة تقدم نموذجًا يمكن تعميمه وتطبيقه في مناطق خزانات المياه الجوفية التي تحكمها التراكيب الجيولوجية مثل الطيات والفوالق في المناطق المشابهة، وكذلك يمكن تطبيقها للتعرُّف على أنماط تدفُّق المياه والتراكيب الجيولوجية الحاكمة للخزان الجوفي النوبي (Nubian Sandstone Aquifer) الذي يُعَد واحدًا من أكبر مخازن المياه الجوفية في العالم، وتبلغ مساحته حوالي مليوني كيلومتر، ويمتد بدءًا من إثيوبيا مرورًا بالسودان وتشاد وليبيا وانتهاءً بمصر، وذلك لتحسين إستراتيجيات حفر الآبار لاستخدامها في التنمية المستدامة في تلك البلدان.

من جانبها، قالت "منى الصغير"، الباحثة في مجال الجيوفيزياء والاستشعار عن بُعد بجامعة جنوب الوادي بمصر: إن هذا البحث نجح في استخدام التحاليل الهيدروجيوفيزيائية الكمية لدراسة التراكيب الجيولوجية لخزان من الصخور الكربوناتية فى "أم الرضمة" شرقي المملكة العربية السعودية.

وفي تصريحاتها لـ"للعلم"، أضافت أن أهمية النتائج التي توصل إليها العلماء تكمن في توضيح الاتجاهات التى يمكن سريان المياه الجوفية فيها، ووجود سلاسل من الطيات المحدبة التى تؤثر بدورها على سريان المياه الجوفية، بالإضافة إلى اختبار معدلات ضخ المياه لمعرفة الخصائص الهيدرولوجية للخزان.

وأشارت "الصغير" إلى أن الآلية التي استند إليها العلماء لفهم أنظمة المياه الجوفية المعقدة، لا تقتصر إمكانية تطبيقها على مصر والمنطقة العربية وأفريقيا فحسب، لكنها قابلة للتطبيق فى خزان مماثل لخزان منطقة الدراسة بمنطقة جنوب الصين، على حد قولها.