منذ حصول "ستانلي ب. بروسينر" على جائزة نوبل في الطب عام 1997 لاكتشافه أن البريونات (وهي مادة بروتينية) قد تكون أحد العوامل المعدية أو الناقلة للأمراض، ما زالت الدوائر العلمية تهرول من أجل الوصول إلى خطط علاجية لتلك الأمراض البريونية القاتلة.

تحمل دراسة يابانية- مصرية جديدة، نُشرت في مجلة نيتشر بيوميدكال إنجينيرينج، كشفًا علميًّا قد يسهم في التوصل إلى عقار جديد لأمراض الاعتلال الدماغي الإسفنجي القابل للانتقال (TSEs).

توصلت الدراسة التي أُجريت على الفئران وقرود المكاك إلى ابتكار "جزيء شابيرون" (MC)، والذي جرى تصميمه في المختبر عبر تطبيق تقنيات متقدمة ترتكز على أسس الديناميكية الجزيئية مع الأخذ في الاعتبار حسابات الكيمياء الكمومية، وتم ذلك باستخدام "سوفت وير" أُطلق عليه اسم ناجارا NAGARA وصُنع خصيصًا لهذا الغرض. وأشارت الدراسة إلى أن الجزيء المنتَج يمكن أن يساعد على إبطاء تطور المرض.

وتوجد البريونات بشكل طبيعي في أدمغة الثدييات، وهي مسوؤلة عن عدة وظائف في الجسم. وحتى الآن، لم يستطع العلم أن يثبت بشكل دقيق مصدرَ تلك المادة البروتينية الناقلة لمرض الاعتلال الدماغي الإسفنجي- أحد الأمراض التنكسية العصبية المميتة للحيوان والإنسان، والتي تفتقر إلى حلول علاجية قاطعة.

وفقًا للدراسة التي استغرقت عدة سنوات والتي أجراها فريق من 17 باحثًا ينتمون إلى عدد من الجامعات والمعاهد والمراكز البحثية المختلفة في كلٍّ من اليابان ومصر، تحت قيادة مدير المشروع البحثي "كازو كواتا"، الأستاذ بجامعة جيفو اليابانية، فإن الجزيء الذي جرى تصميمه يساعد على استقرار بروتين بريون الخلوي الطبيعي، والذي يؤدي تشوهه إلى وقوع الإصابة بالمرض، كما أنه يزيل البريونات المشوهة في الخلايا المصابة، ويمنع تكوين سلالات مقاومة للعقاقير، ويمنع مباشرة التفاعل بين البريونات والمجاميع الشاذة منها.

"عبد العظيم الهلالي" -محاضر بقسم صحة وسلامة الأغذية، بكلية الطب البيطري، جامعة قناة السويس، وأستاذ مساعد سابقًا بكلية الدراسات العليا للمخدرات وعلوم المعلومات الطبية، جامعة جيفو باليابان، وأحد المشاركين في الدراسة

يقول "عبد العظيم الهلالي" -محاضر بقسم صحة وسلامة الأغذية، بكلية الطب البيطري، جامعة قناة السويس، وأستاذ مساعد سابقًا بكلية الدراسات العليا للمخدرات وعلوم المعلومات الطبية، جامعة جيفو باليابان، وأحد المشاركين في الدراسة- لـ"للعلم": "الجزيء تم تصميمه كمضاد لبعض صور هذا المرض في عدد كبير من الحيوانات، ونتوقع فاعليته في علاج الإنسان أيضًا".

جرت الدراسة على مرحلتين، اعتمدت الأولى على تصميم الجزيء معمليًّا واختبار أفضل مركب له، وفق "الهلالي"، الذي يقول: "استخدمنا أنظمة محاكاة إلكترونية قادرة على عمل عدد ضخم من العمليات الحسابية، كما استخدمنا محاكاة إلكترونية للعمليات الحيوية للوصول إلى أفضل المركبات الكيميائية القادرة نظريًّا على الالتحام بجزيء البريون الطبيعي بالجسم، والوصول به إلى حالة الثبات والاستقرار ومنعه من التحول إلى الصورة المشوهة".

ترى "نرمين عبد الحميد" -أستاذ الكيمياء الحيوية بكلية الصيدلة، جامعة القاهرة- أن قوة هذا البحث تكمن في أنه تعامل مع البريون في شكله الطبيعي الموجود في كل السلالات والأنواع قبل تحوره إلى الشكل المسبب للمرض، وهذا مهم جدًّا. وتضيف أن ذلك يضمن "ألا يقتصر التأثير على نوع معين من البريونات أو فصيل معين من الحيوانات. فالجزيء المركب شابريون يعتمد بالأساس على الارتباط بالبريون الطبيعي والعمل على ثباته كيميائيًّا وعدم تمحوره، وجعله أكثر استقرارًا، بل ومقاومًا للتمحور".

في المرحلة الثانية من الدراسة تمت تجربة الجزيئات المطورة على عدد من الخلايا الجسمية المنماة معمليًّا، والتي تم إحداث عدوى لها مسبقًا بعترات مختلفة من البريون الممرض، والوصول بها إلى حالة تسمى العدوى الدائمة. ووفقًا للهلالي فإن الجزيء المستخدم في هذه الدراسة تمت تجربته على خلايا مريضة منماة معمليًّا وعلى عدد من العترات (أصناف) من البريونات المختلفة، وثبتت فاعليته في التخلص نهائيًّا من العدوى بالخلايا في جميع أصناف المسبب المرضي المستخدمة، وذلك خلال أسابيع قليلة، كما ثبت أنه بعد إيقاف استخدام الجزيء فإن المرض لا يداهم الخلايا مرةً أخرى.

"يعتبر نجاح الجزيء في وقف تطور المرض رغم ظهور الأعراض أمرًا مبشرًا للغاية، فعادةً ما يكون علاج حيوانات التجربة بعد ظهور الأعراض صعبًا للغاية. ويدلل ذلك على أن الجزيء المستخدم قد يُسهم في التوصل إلى عقار فعال فضلًا عن أن جزيء الـMC الذي تم استخدامه قد ثبت أنه غير ضار لأجسام حيوانات التجربة"، وفق "عبد الحميد".

فتش عن البريون

أن أمراض الاعتلال الدماغي -والمعروفة أيضًا باسم الأمراض البريونية- تعتبر أمراضًا خطيرة تؤثرعلى الجهاز العصبي للإنسان والحيوان.

ووفق موقع مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة الأمريكية، فإن الاعتلال الدماغي الإسفنجي القابل للانتقال (TSEs) هي عائلة من الاضطرابات العصبية التَّنكُّسيَّة النادرة التي تتميز بفترات حضانة طويلة.

 ويُعتقد أن العوامل المسببة للمرض هي البريونات، لذا يُعرف المرض أيضًا بمرض بريون، وهو نوع من البروتينات الموجودة بكثافة في الدماغ؛ إذ يؤدي الطي غير الطبيعي لبروتينات البريون إلى تلف في المخ وظهور العلامات والأعراض المميزة للمرض.

ويوضح "الهلالي": "تؤدي هذه الأمراض إلى تدهور القدرات العقلية والجسدية وتغيرات في الشخصية ومشكلات في الحركة"، مضيفًا أنها تتسبب في حدوث عدد كبير من الثقوب والتجاويف الميكروسكوبية في المخ نتيجة تدمير عدد كبير من الأعصاب، مما يجعله يبدو كالإسفنجة، وهو ما يؤدي بدوره إلى اختلالات كبيرة في وظائف المخ ليس لها علاج فعال معروف حتى الآن.

ووفق "الهلالي"، فإنه بخلاف الأنواع الأخرى من المسببات المرضية مثل الفيروسات والبكتيريا فإن البريونات لا تحتوي على أي مادة وراثية، ولا يستطيع جهاز المناعة التعرُّف عليها والتخلص منها، كما أن إجراءات التعقيم العادية مثل الغليان أو استخدام المواد المشعة وغيرها غير مجدية في التخلص منها ولا تمنع انتقال العدوى، ما جعل التخلص منها تحديًا كبيرًا لفترة سمحت بانتقالها بين البشر من خلال الأدوات الجراحية وغيرها.

وتندرج مجموعة من الأمراض التي تصيب الإنسان والحيوان تحت قائمة أمراض البريون، أشهرها على الأطلاق مرض جنون البقر الذي يصيب الماشية. أما أحد أشكال أمراض البريون عند البشر، فهو داء كرويتزفيلد جاكوب، الذي يسبب اضطرابًا تنكسيًّا في الدماغ البشرية، ويؤدي إلى الخرف والموت في نهاية المطاف.

وإذا كان بروتين البريون هو مفتاح السر في الإصابة بالمرض، فقد توصلت دراسة أجراها فريق بحثي في جامعة ولاية أيوا بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2016 إلى أن أيونات النحاس، تسبب اختلالًا في البريونات على المستوى الجزيئي، ثم تنتشر هذه الطفرة إلى بريونات أخرى.

ورغم أن العلاقة بين البريونات والنحاس قد اكتُشفت لأول مرة وفق هذه الدراسة في عام 2009، ولكن فريق جامعة ولاية أيوا أظهر لأول مرة ما يحدث بالتفصيل على المستوى الجزيئي، وكيفية تفاعُل كلٍّ من النحاس والبريون باستخدام تقنية تصوير قويةٍ للغاية، إذ تمكَّن الباحثون من إثبات أن الطي الخطأ يبدأ عندما ترتبط أيونات النحاس بذيل بروتين بريون، وأن هذه الأيونات النحاسية يمكن أن تكون السبب في حدوث ذلك في البريونات المجاورة.

الجزيء الجديد

في البحث الأخير، استند الفريق البحثي إلى أن المسبب المرضي المسمى بريون PrPSC عبارة عن صورة مشوهة في التواءاتها لبروتين طبيعي آخر PrPC موجود في خلايا الجسم، وهو بروتين مُعدٍ ينتقل للحيوان والإنسان بطرق عدة قد تكون وراثية أو علاجية المنشأ مثل نقل الدم، ولكن أهمها هو تناول طعام من مصدر حيواني ملوث.

يقول "الهلالي": "يميز البريونات أنها ما إن تصل إلى الجسم حتى تبدأ في السيطرة على مثيلاتها الطبيعية PrPC وتحويلها إلى الصورة المرضية بكميات كبيرة". ويضيف: تستمر رحلة البريونات عبر الأعصاب الطرفية حتى تصل إلى هدفها في المخ، ومن ثم تتكدس كميات كبيرة منها هناك، ما يؤدي إلى إتلاف أنسجة المخ، وهي الرحلة التي تستغرق من 10 أعوام إلى 30 عامًا تقريبًا. ولكن ما إن تبدأ الأعراض في الظهور حتى تتدهور الحالة في غضون شهور أو بضع سنوات تنتهي بالوفاة.

تمت التجربة على 40 فأرًا مقسمة إلى 4 مجموعات

ووفقًا لـ "الهلالي": تمت التجربة على 40 فأرًا مقسمة إلى 4 مجموعات، جرى حقن 30 منها في المخ مباشرةً بمحلول مخفف من أنسجة مخية لفئران أصيبت مسبقًا بالبريون المُمْرِض من عترة مرض يصيب البشر يُعرف بداء غيرستمان ستراوس GSS.

وبعد 4 أسابيع بدأ حقن الفئران في البطن بالجزيء محور الدراسة، مرة واحدة أسبوعيًّا، وبجرعات مختلفة لكل مجموعة، ثم متابعتها يوميًّا وحساب الفترة حتى ظهور الأعراض والنفوق، وأخذ العينات مباشرةً بعدها؛ لتحليل مستويات تأثُّر المخ.

أظهرت النتائج أن متوسط الفترة منذ بدء العدوى حتى النفوق في الفئران المعالجة قد زاد 3 أسابيع في المتوسط، وهي مدة طويلة نسبيًّا بالنسبة لأعمار الفئران. كما وُجد أن اثنين من الفئران المعالجة قد وصلت الفترة فيها إلى أكثر من 300 يوم، أي ضِعف متوسط أعمار الفئران السليمة تقريبًا.

يشدد "الهلالي" على أن الدراسة أثبتت انخفاض تأثير المرض على أنسجة المخ، مثل انخفاض أعداد التجاويف والثقوب الإسفنجية في قشرة المخ، وكذلك انخفضت نسبة الترسُّبات والتكدُّسات التي تسبِّبها جزيئات البريون المشوَّهة نفسها في أنسجة المخ، وهو ما يثبت فاعلية الدواء في السيطرة على تحوُّل البريون الطبيعي إلى مرضي، وكذلك التخلص من البريونات المرضية نفسها.

من ناحية أخرى، وبالنسبة لقرود المكاك فقد تمت التجربة على 6 قرود مقسمة عشوائيًّا إلى 3 مجموعات تم حقنها في القشرة المخية باستخدام محلول مخفف من مخ قرد مصاب معمليًّا بعترة من البريون المسبب لمرض جنون الأبقار BSE. تقول "عبد الحميد": "إجراء التجربة على القرود يعطي للبحث أهمية أيضًا؛ لأنها نموذج من حيوانات التجربة الأكثر قربًا للإنسان، سواء من الناحية التشريحية أو فيما يتعلق بالوظائف الفسيولوجية للجسم".

ووفق "الهلالي"، فإن المجموعة الأولى تم حقنها وريديًّا مرةً واحدةً أسبوعيًّا بمحلول ملحي فقط، وذلك بعد مرور 10 شهور من العدوى، أما المجموعة الثانية فقد تم حقنها بالجزيء MC محور الدراسة بعد مرور 10 أشهر من العدوى وقبل ظهور الأعراض، أما المجموعة الثالثة فقد بدأت في تلقِّي العلاج بالجزيء نفسه بعد مرور 17 شهرًا من بداية العدوى بعد ظهور أعراض المرض عليها.

ويشرح "الهلالي" أنه في المجموعة الأولى ظهرت الأعراض بعد مرور 17 شهرًا من العدوى، ووصلت ذروتها خلال الشهور الثلاثة التالية، أما المجموعات الأخرى المعالجة فقد تأخر ظهور الأعراض فيها إلى 19 شهرًا ونصف في المتوسط، وكانت الفترة أطول في تلك التي تلقت العلاج مبكرًا، وهو ما يؤكد أهمية الاكتشاف المبكر للمرض.

ويؤكد عبد العظيم الهلالي ضرورة أن تبدأ جهود مماثلة على البشر؛ لأن هذا البحث يفتح الباب لوضع خطط علاجية لهذا المرض، الذي ظل حتى الآن مفتقرًا إلى سبل التداوي، مؤكدًا أن "هذه الدراسة هي مرحلة تمهيدية لبدء التجارب السريرية، وهو بالفعل ما يجري الإعداد له، والعمل على الحصول على الموافقات اللازمة، وتوفير الدعم المادي للدراسة، والتأكد من انخفاض الأعراض الجانبية".