من بين 15 شخصًا من أعمار متباينة أصيبوا بلدغات العقارب في قرى ومراكز محافظة قنا بصعيد مصر في شهر يوليو من عام 2016، لقي الطفل "وحيد محمد" مصرعه، متأثرًا بحدوث اعتلال شديد في عضلة القلب بسبب سم العقرب. وبينما كانت الأمصال المتوافرة في المستشفى فعالةً في إنقاذ الآخرين، لم تفلح وحدها في إنقاذ حياة الطفل "وحيد" الذي لقي حتفه بعد نحو 24 ساعة من الإصابة.

وقد لاحظ فريق بحثي مشترك من كلية الطب بجامعة جنوب الوادي وكلية الطب بجامعة أسيوط المصريتين تكرار مثل هذه الحالة في سنوات تالية؛ إذ يَرِد للمستشفى الجامعي بمحافظة قنا خلال شهور الصيف العديد من الإصابات، فيكون المصل كافيًا لعلاج الشباب والبالغين، بينما لا يسعف بعض حالات الأطفال الذين يلقون حتفهم، ويدون في تقاريرهم الطبية السبب نفسه، وهو الوفاة نتيجة اعتلال شديد في عضلة القلب.

وكأي بحث علمي ينطلق في البداية من مرحلة الملاحظة، كانت هذه الحالات المتكررة دافعًا للفريق البحثي للخوض في التفاصيل المتعلقة بهذه الإصابة، ما قادهم إلى اكتشاف أن اعتلال عضلة القلب يكون مصحوبًا بحالة من الإجهاد التأكسدي، التي جرى تشخيصها من خلال عدد من المؤشرات التي تضمنها بحثهم المنشور في شهر أكتوبر الماضي بدورية توكسيكون "Toxicon" المتخصصة في أبحاث السموم.

والإجهاد التأكسدي، هو حالة من انعدام التوازن بين نظام العوامل المؤكسدة (oxidants) والعوامل المضادة للتأكسد (antioxidants) في الجسم، ويظهر في شكل نقص في العوامل المضادة للأكسدة وزيادة ملحوظة في العوامل المؤكسدة.

مؤشرات اعتلال القلب

 شخص الفريق البحثي في البداية إصابات اعتلال القلب من خلال الأشعة التليفزيونية (الإيكو) ECHO ورسم القلب الكهربائي ((ECG، إضافةً إلى رصد عدد من مؤشرات التشخيص المعملي، وتتضمن وجود نسبة عالية في الدم من بروتينات عضلة القلب، مثل تروبونين آي (troponin I) الذي يُعرف اختصارًا بـ(cTnI)، وتروبونين تي (troponin T) ويُعرف اختصارًا بـ(cTnT).

وتساعد قياسات مستوى التروبونين في الدم على الكشف عن إصابات القلب، إذ إنه عادةً ما يوجد في الدم بكميات صغيرة جدًّا غير قابلة للاكتشاف، ولكن عندما يكون هناك تلف في خلايا عضلة القلب، يتم إطلاقه.

وكذلك وجود إنزيم سيتوبلازم الخلايا الخاصة بالقلب وهو (كيناز الكرياتين)، الذي يُعرف اختصارًا باسم (CPK-MB)، والإنزيم النازع لهيدروجين اللاكتات (Lactate dehydrogenase) ويُعرف اختصارًا بـ(LDH)، وهو إنزيم يوجد في كل الخلايا الحية تقريبًا. وهى تحاليل طبية تُعنى بحساب كمية العوامل البروتينية المساعدة لإتمام تفاعلات الجسم في عضلات الجسم بأنواعها، ومن أهمها عضلة القلب.

وخلال الدراسة التي أُجريت خلال الفترة من مارس 2016 حتى مارس 2018، اكتشف الفريق البحثي وجود هذه المشكلة في عينة تتكون من 45 طفلًا كانت لديهم مؤشرات اعتلال عضلة القلب بعد لدغة العقرب.

يقول "محمد حسني" -أحد أعضاء الفريق البحثي- لـ"للعلم": "بعد تشخيص الحالات جرى تقسيمها إلى حالات شديدة الخطورة (35 حالة)، وحالات أقل خطورة (10 حالات)، ثم جرى تقسيم الحالات شديدة الخطورة إلى حالات نجت من الموت (20 حالة)، وحالات لم تنجُ (15 حالة)، وذلك تمهيدًا للمقارنة بين هذه المجموعات، ومجموعة ضابطة (30 طفلًا من الأصحاء)".

لماذا الإجهاد التأكسدي؟

انطلقت الدراسة بعد ذلك إلى تحليل مؤشرات الإجهاد التأكسدي في الحالات المصابة بسم العقرب، للإجابة عن سؤال: هل توجد علاقة بين اعتلال عضلة القلب في الحالات المصابة، وظهور مؤشرات الإجهاد التأكسدي بشكل واضح في مصل الدم الخاص بهم.

وكانت دراسة كندية نُشرت عام 2000 وأجراها باحثون من معهد علوم القلب والأوعية الدموية، مركز أبحاث مستشفى سانت بونيفاس، قسم علم وظائف الأعضاء، كلية الطب جامعة مانيتوبا، قد أثبتت وجود هذه العلاقة بصفة عامة في أمراض القلب المختلفة، وسعت الدراسة المصرية إلى تأكيد ذلك أو نفيه في حالات اعتلال عضلة القلب بالأطفال الناتجة من الإصابة بلدغ العقرب بصفة خاصة، والتي لم يسبق دراستها من قبل؛ للاستفادة من النتيجة في تقليل وفيات الأطفال بسبب سم العقرب.

كما أثبتت دراسة تونسية أُجريت خلال 13 عامًا (من 1990 حتى 2002) أن سم العقرب يتسبب في إصابة الأطفال بصدمات عصبية واعتلال في القلب قد يؤدي إلى الوفاة.

ومن بين 685 حالة تناولتها الدراسة التي نشرتها المجلة الأمريكية للطب الاستوائي، ""The American journal of tropical medicine and hygiene في أكتوبر من عام 2010، توفي 61 مريضًا (8.9٪).

وفي سعيهم لاختبار هذه العلاقة، بحث الفريق البحثي عن عدد من مؤشرات الإجهاد التأكسدي في مصل الدم الخاص بالمصابين، ومنها العوامل المؤكسدة مثل أكسيد النيتريك (NO)، وثنائي ألدهايد المالون (MDA)، والعوامل المضادة للأكسدة مثل الجلوتاثيون المختزل GSH))، وإنزيم سوبر أكسيد ديسميوتاز ويسمى أيضًا بـ"ديسموتاز الفائق" (Superoxide dismutase)، وعنصر الزنك (Zinc).

يقول "حسني": "كانت النتيجة وجود دلائل إحصائية واضحة في مؤشرات الإجهاد التأكسدي بين المصابين باعتلال عضلة القلب الناتج عن الإصابة بسم العقرب، والمجموعة الضابطة من الأصحاء، وتمثلت هذه المؤشرات في زيادة واضحة في العوامل المؤكسدة ونقص في العوامل المضادة للأكسدة عند المصابين مقارنةً بالمجموعة الضابطة".

أظهرت النتائج ارتفاع معدلات العوامل المؤكسدة لدى المصابين، كأكسيد النيتريك وثنائي ألدهايد المالون (MDA)، وفي المقابل كانت النسبة طبيعية لدى الأصحاء.

ومن ناحية أخرى، أظهرت النتائج انخفاض العوامل المضادة للأكسدة لدى المصابين، كإنزيم الجلوتاثيون المختزل GSH))، وإنزيم سوبر أكسيد ديسميوتاز، ويسمى أيضًا بـ"ديسموتاز الفائق" (Superoxide dismutase)، والزنك، وفي المقابل كانت النسبة طبيعية لدى الأصحاء.

ورصد الفريق البحثي –أيضًا– فارقًا في مؤشرات الإجهاد التأكسدي بين الحالات التي لقت حتفها من جَرَّاء الإصابة بسم العقرب، وتلك التي كُتبت لها النجاة، لكنها لم تكن ذات دلالة إحصائية واضحة.

 ويوضح "حسني" أن ذلك ربما يدفعهم إلى مزيد من البحث لزيادة حجم العينة، ولكنه يؤكد في الوقت ذاته أن الفارق الواضح بين المصابين والأصحاء من الأطفال الذي تم إثباته في هذا البحث، يعطي مؤشرًا على دور الإجهاد التأكسدي في اعتلال عضلة القلب، وهو ما جعلهم يطرحون تساؤلًا في نهاية الدراسة حول إمكانية استخدام "مضادات الأكسدة علاجًا مساعدًا لمكافحة سم العقرب".

أسئلة لم تُحسم

هذا السؤال الذي أثارته الدراسة ترى "إيمان عبد المنعم"، مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية والبيئية بكلية الطب جامعة القاهرة، أنه يحتاج إلى بحث آخر لتقديم الإجابة عنه.

وتقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "البحث يفتح مجالًا جديدًا لاختبار ما إذا كانت مضادات الأكسدة مفيدةً كعلاج مساعد في حالات الأطفال المصابين بلدغات العقارب؛ لأن هذا الأمر محل جدل لم يتم حسمه".

وتوضح أنه "إذا كان البحث قد دَعَم توجهه بدراسة أثبتت وجود علاقة بين اعتلال عضلة القلب والاجهاد التأكسدي، فإن هناك دراسات أخرى نفت وجود تلك العلاقة، والفيصل في ذلك هو مزيد من الدراسات التي تقارن بين حالات شديدة السُّمِّيَّة، بعضها ساعد مضادات الأكسدة على نجاته من الموت، والبعض الآخر لم تُكتَب له النجاة؛ لعدم حصوله على تلك المضادات".

وتضيف: "ونحتاج من هذه الدراسات الإجابة عن أسئلة كثيرة، منها: أي نوع من مضادات الأكسدة يمكن أن يكون مفيدًا كعلاج إضافي، وهل تختلف أنواع مضادات الأكسدة التي يتم منحها للمريض باختلاف نوع العقرب، إذ أُجريت الدراسة على المصابين بنوعين من العقارب المنتشرة في صعيد مصر، وهما بوساسو أوكيتانس Buthus occitanus))، ولورياس كينيكيستراتس"Leiurus quinquestriatus".

ووفق دراسة أعدها باحثون من قسم علوم الحيوان بجامعة طنطا عام 2013 ونشرتها مجلة علم الأحياء الأساسية والتطبيقية "The Journal of Basic & Applied Zoology"، فقد تم حصر 8 أنواع من العقارب في مصر، وتنتمي هذه الأنواع إلى عائلتين من العقارب، هما عائلة بوثيدا Buthidae، وهي الأكثر وفرةً على مستوى العالم، وكذلك في مصر، إذ تضم 80 جنسًا من العقارب وأكثر من 800 نوع.

ورصدت الدراسة سبعة أنواع لهذه العائلة في مصر، هي: أندروكتونس بيكولور "Androctonus bicolor"، أندروكتونس أوستراليس "Androctonus australis"، أندروكتونس أموريكس "Androctonus amoreuxi"، ليوراس كوينكيسترياتس "Leiurus quinquestriatus"، بوثاكس أرنيكولا ""Buthacus arenicola، العقرب العربي ذو الذيل السمين، والمعرف باسم أندروكتونس كراسيكودا "Androctonus crassicauda"، العقرب الأسود الصغير، والمعروف باسم أوسيكيرس إينسي "Orthochirus innesi".

أما العائلة الثانية، فهي سكوربيونيدي "Scorpionidae"، وعُثر على نوع واحد منها هو سكوربيو مورس بالماتس Scorpio maurus palmatus.

وتصنف الأنواع الثمانية بعائلتيها وفقًا لألوانها ودرجة السُّمِّيَّة إلى ثلاثة أنواع، هي: الأصفر والأسود والبرتقالي المتدرج؛ إذ ينتمي عقرب عائلة سكوربيونيدي إلى النوع الأصفر "الأكثر خطورة"، مع نوعين آخرين من عائلة بوثيدا، هي أندروكتونس أوستوراليس، بوثاكس أرنيكولا، أما البرتقالي المتدرج، وهو من الأنواع الخطرة أيضًا، فهو ليوراس كوينكيسترياتس، وتنتمي باقي الأنواع إلى اللون الأسود.

وجمعت الدراسة خلال الفترة من إبريل إلى أكتوبر عام 2012 بمساعدة صيادي العقارب المحترفين 250 عقربًا من خمس مناطق مصرية، إذ عُثر في سيناء على نوعين من اللون الأسود ونوع أصفر، وعلى ثلاثة أنواع من اللون الأصفر في مدينة برج العرب بالاسكندرية وبلطيم بكفر الشيخ، ونوع أسود في مرسى مطروح ، والنوع البرتقالي المتدرج في أسوان.

خطوة على الطريق

الأسئلة التي طرحتها مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية والبيئية بكلية الطب جامعة القاهرة، لا ينكر "عبد الرحيم مكي"، عضو الفريق البحثي، وأستاذ الكيمياء الحيوية بكلية طب أسيوط، حاجتهم إلى الإجابة عنها.

ويقول "مكي" في تصريحات خاصة لـ "للعلم": "ما فعلناه في البحث هو خطوة على طريق طويل، يجب أن يُستكمل بالإجابة عن الأسئلة التي طرحتها مدير المركز القومي للسموم الإكلينيكية والبيئية".

ويضيف: " نحن أجرينا بحثنا على العقارب الموجودة في منطقة الصعيد، ونحتاج إلى دراسات أخرى لتجربة مضادات الأكسدة المختلفة كمساعد في العلاج للخروج برأي قاطع حول أيٍّ منها يمكن أن يساعد في تقليل الوفيات الناتجة عن سم العقرب"، مضيفًا أنه قد يُجري باحثون آخرون في مناطق أخرى بمصر والعالم العربي أبحاثًا على أنواع أخرى من العقارب واختبار مدى ملاءمة مضادات أكسدة أخرى غير التي سنختبرها، فنحن فتحنا بابًا لمزيد من الأبحاث التي يجب أن تُجرى في هذا الإطار.

ويشدد "مكي" على أهمية هذه الأبحاث، لا سيما أن الأمصال وإن كانت تسجل نتائج جيدة في إنقاذ الحياة بالنسبة للكبار والبالغين، إلا أن الوضع يكون أكثر خطورةً مع الأطفال.

وظهرت هذه المشكلة بشكل واضح في صيف هذا العام والعام الماضي بمصر وعدد من الدول العربية؛ إذ نقل موقع "السودان اليوم" الإخباري في مايو من هذا العام إحصائيةً أصدرتها وزارة الصحة السودانية تفيد بوفاة 70 طفلًا بسبب لدغات العقارب في ولاية نهر النيل.

كما سجل في الجزائر عام 2017 أكثر من 45 ألف لدغة بالعقرب تسببت في وفاة 58 شخصًا، نسبة 41 بالمئة منهم أطفال ومراهقون تتراوح أعمارهم بين 5 سنوات و14 سنة، وذلك وفق الموقع الرسمي للإذاعة الجزائرية.