خمس "جزر بلاستيكية" محيطية تتجمع فيها غالبية النفايات البلاستيكية، اثنتان منها في المحيط الهادئ، ومثلهما في المحيط الأطلسي، وواحدة في المحيط الهندي.

ويشير تقرير أصدره "الصندوق العالمي للطبيعة" (WWF) أواخر يونيو الماضي إلى أن البحر المتوسط، الذي يشكل حوضًا مائيًّا شبه مغلق تبلغ مساحته 1% من مجموع مساحات البحار، بات سادس منطقة بحرية تُوجَد فيها النفايات البلاستيكية؛ إذ يتركز فيه 7% من مجموع جزيئات البلاستيك في العالم.

تقول "إيفا أليسي" -مدير برنامج الاستدامة بالصندوق، والباحث الرئيسي في التقرير الذي يُعَد أول تقرير يصدره الصندوق حول البلاستيك في البحر المتوسط- في تصريحات لـ"للعلم": "إن التقرير يكشف ارتفاع كميات نفايات البلاستيك داخل البحر المتوسط إلى 1.25 مليون قطعة لكل كيلومتر مربع تقريبًا". ويأتي إصدار التقرير هذا العام متوافقًا مع وضع برنامج الأمم المتحدة للبيئة قضية البلاستيك ضمن القضايا البيئية الأكثر خطورة.

مصر الحاضر الغائب

يشير التقرير إلى أن البحر المتوسط شبه مغلق، إذ إنه محاط بثلاث قارات، وبنشاط بشري مكثف، ويسكن محيطه 150 مليون نسمة، ينتجون أكبر كميات من النفايات الصلبة، بمتوسط يبلغ من 208 إلى 760 كيلوجرامًا للفرد الواحد، إضافة إلى حجم النفايات التي يخلفها 200 مليون سائح يزورون المتوسط سنويًّا، ويتركون وراءهم مخلفات قمامة بحرية تزيد بنسبة 40% سنويًّا خلال الصيف. وتمثل المواد البلاستيكية 95٪ من النفايات الموجودة في قاع البحر؛ إذ تتخلص خمس دول من معظم المواد البلاستيكية في البحر المتوسط، وهي بالترتيب تركيا (144 طنًّا/ يوميًّا)، وإسبانيا (126)، وإيطاليا (90)، ثم مصر (77)، تليها فرنسا (66).

تناول التقرير الدول الأوروبية الأربع، وحدد نسبة تدوير البلاستيك فيها، لكنه لم يتناول بيانات عن مصر، وذلك بسبب نقص المعلومات، وفق "لمياء إسماعيل محمدين" –الأستاذ المساعد بقسم التلوث البحري في "المعهد القومي لعلوم البحار والمصايد"- في تصريحاتها لـ"للعلم".

تقول "إسماعيل": "إن التقرير يوضح حجم الخطر الذي تعانيه البحار بشكل عام، ما يستوجب حظر استخدام البلاستيك، وهو الإجراء الذي ستلتزم به دول الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030 وفق الإستراتيجية التي أعلنتها المفوضية الأوروبية لتخفيض استعمال الأكياس ومواد التغليف البلاستيكية والاعتماد على مواد التغليف القابلة لإعادة التدوير"، مضيفةً أنه "ينبغي على مصر أن تسلك الطريق ذاتها، لكن حتى الآن لم يتم إعلان إستراتيجية واضحة لذلك".

وفي هذا الصدد، تقول "أليسي": "إن كل ما نعرفه عن مصر أن هناك مبادرة للحد من استخدام الأكياس البلاستيك تنفذها وزارة البيئة بتمويل من الاتحاد الأوروبي بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (CEDARE)".

مبادرات متوالية

وفي المقابل، رصد التقرير مبادرات لدول تعمل على الحد من البلاستيك، ففي 2017 حظرت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة الميكروبيدات (جزيئات بلاستيكية صلبة تتراوح أقطارها عادةً من 0.5 إلى 500 ميكرومتر) في مستحضرات التجميل، وبحلول 2020، ستحظر فرنسا استخدام الميكروبيدات في صناعة الكؤوس والصحون وأدوات المائدة أحادية الاستخدام، كما أضافت كندا الميكروبيدات إلى قائمة المواد السامة، وحظرت رواندا وبنجلاديش استخدام جميع الأكياس البلاستيكية، وفق "أليسي".

وتستهدف إيطاليا، التي تستهلك 2.1 مليون طن بلاستيك سنويًّا، جمع 26% من النفايات البلاستيكية، أما إسبانيا فتستهلك 3.84 ملايين طن بلاستيك سنويًّا، يتم تدوير 38% منها، ولديها قانون بشأن النفايات والتعبئة والتغليف تمشِّيًا مع القواعد المتبعة في الاتحاد الأوروبي، وأما فرنسا، التي تستهلك ما بين 2 إلى 4 ملايين طن من البلاستيك سنويًّا، فتقوم بتدوير 22% فقط من النفايات البلاستيكية، وجرى تسجيلها في عام 2018 في سجل الدول الأسوأ بين دول الاتحاد الأوروبي من حيث الاستفادة من تدوير البلاستيك؛ إذ أظهر المسح أن الربع فقط من عمليات التعبئة والتغليف البلاستيكية هي التي يعاد تدويرها.

ومع ذلك فقد حظرت فرنسا استخدام الأكياس البلاستيكية في المحلات، وستحظر استخدام مسحات القطن في عام 2020. كما وضعت خريطة طريق جديدة للاستفادة من البلاستيك المعاد تدويره بنسبة 100% بحلول عام 2025.

وفى اليونان، التي تمتلئ 80% من شواطئها بقمامة البلاستيك، يبلغ حجم الاستهلاك 0.6 مليون طن من البلاستيك سنويًّا، وتعيد تدوير 20% فقط منه، وتستهدف رفع تلك النسبة إلى 65% بحلول عام 2020.

أما تركيا، فتستهلك 1.24 مليون طن من البلاستيك سنويًّا، يتم تدوير 40٪ من النفايات البلاستيكية، وتستهدف ترشيد استهلاك الأشخاص من الأكياس البلاستيكية لتصبح 90 كيسًا للشخص الواحد بحلول 2019، و40 كيسًا بحلول 2025.

البلاستيك.. رحلة عمر

عرَّف التقرير البلاستيك بأنه مركبات صناعية مصنوعة من مواد أساسها الكربون، ومعظم البلاستيك مشتق من النفط والمواد الأحفورية الأخرى، وقد ظهر من 100 سنة ليُستخدم على نطاق واسع بسبب متانته، وتكمن خطورته في أن معظم منتجاته غير قابلة للتحلل البيولوجي، حتى إن "فلتر" السجائر مثلًا يبقى في البحر مدة 5 سنوات، أما الحقيبة البلاستيكية فتبقى 20 عامًا، والكوب البلاستيك 50 عامًا، وأما خطوط الصيد المصنوعة من البلاستيك فتبقى مدةً تصل إلى 600 عام.

خسائر اقتصادية

وتشير التقديرات إلى أن النفايات البحرية تتسبب في خسائر اقتصادية سنويَّة تبلغ 61.7 مليون يورو في أنشطة قطاع الصيد بالاتحاد الأوروبي، كما أن الشواطئ الملوثة لا تجذب السياح، مما يترتب عليه فقدان الوظائف في هذا القطاع وانخفاض الطلب على المأكولات البحرية بسبب القلق من جودة الأسماك، حتى إن مدينة "نيس" الفرنسية تنفق حوالي مليوني يورو كل عام لضمان نظافة الشواطئ.

وأشار التقرير إلى أن أوروبا تُعَد ثاني أكبر منتج للبلاستيك في العالم بعد الصين، وأن إجمالي نفاياتها البلاستيكية 27 مليون طن، يتم إرسال 31% منها فقط لإعادة التدوير، في حين يتم التخلص من 27% من تلك النفايات في المناطق البرية، وينتهي المطاف بنصف كمية النفايات البلاستيكية في إيطاليا وفرنسا وإسبانيا إلى التخلُّص منها في اليابسة، ويتم حرق الباقي لاستخدامها في الطاقة.

وتُلقي أوروبا ما بين 150 الى 500 ألف طن من الماكروبلاستيك (وهي التي يزيد حجمها عن 20 مم)، ومن 70 إلى 130 ألف طن من الميكروبلاستيك (وهي قطع البلاستيك يتراوح حجمها بين مليمترين وخمسة مليمترات).

مخاطر التلوث

كما رصد التقرير الآثار السلبية للبلاستيك على الكائنات البحرية، مشيرًا إلى أن هناك 344 نوعًا من الكائنات البحرية عُثِر عليها محاصَرةً بين النفايات البلاستيكية في البحر المتوسط​​، وبلغت نسبة الضحايا من الطيور (35٪)، والأسماك (27٪)، واللافقاريات (20%)،) والثدييات البحرية (13٪)، أما السلاحف البحرية فقد مثلت النسبة الباقية، عانت جميعها إصاباتٍ وتشوهات تتعلق بنمو الكائنات وتمنعها التحرُّكَ والهروب، مما يهددها بالموت.

وأوضح أن "معدات الصيد، التي يجري التخلُّص منها في البحر (الخطوط والشباك والفخاخ)، تُلحق أضرارًا بالحياة البرية بمحاصرة الأسماك والحيوانات البحرية الأخرى وقتلها، وتُعرَف هذه الظاهرة باسم "صيد الأشباح"، وأن (الفقمة الناسكة) كانت إحدى ضحاياها.

ويؤكد التقرير أن "نحو 700 نوع بحري مهدد بسبب البلاستيك، 17٪ منها أدرجها "الاتحاد الدولي لحماية الطبيعة" (IUCN) ضمن قائمة "الأنواع المهددة بالانقراض"، وتتضمن "فقمة راهب هاواي"، و"السلحفاة البحرية ضخمة الرأس".

وأضاف أن "الكائنات البحرية تبتلع البلاستيك أحيانًا عن قصد أو غير قصد أو بشكل غير مباشر عن طريق التغذية على الفريسة التي سبق لها تناوُل البلاستيك، منها 60 نوعًا من الأسماك، وثلاثة أنواع من السلاحف البحرية التي تعيش في البحر المتوسط، و9 أنواع من الطيور البحرية و5 أنواع من الثدييات البحرية (حيتان العنبر وأنواع أخرى من الحيتان والدلافين)، حتى إن 90٪ من الطيور البحرية الموجودة في العالم اليوم لديها شظايا من البلاستيك في معدتها، بعد أن كانت النسبة لا تتعدى 5% عام 1960".

السلاحف والبلاستيك

وتُستخدم السلاحف بوصفها مؤشرًا للتلوث بالبلاستيك، وفق دراسة نُشرت عام 2017 بعنوان "السلاحف البحرية ضخمة الرأس: نوع مستهدف لرصد القمامة التي تنتزعها الكائنات البحرية في البحر المتوسط"، إذ تم استخدامها كمؤشر لرصد تأثير النفايات على الكائنات الحية البحرية عندما تم جمع 150 سلحفاة بحرية ضخمة، عُثِر عليها ميتة في الساحل الإيطالي المطل على المتوسط، في المدة بين 2011 و2014، وبعد تشريحها، وُجد أن 85% من العينة تناولت قمامة من البلاستيك الصناعي.

الأمر ذاته أكدته دراسة نُشرت في 2011 حول ابتلاع "السلاحف البحرية ضخمة الرأس" للحطام البحري في البحر الأدرياتيكي. واعتمدت في نتائجها على فحص 54 سلحفاة تم أسرها بالمصادفة، وهي من الأنواع نفسها التي تعيش في المتوسط.

وكشفت الدراسة وجود الحطام البحري في 35.2٪ من السلاحف اشتملت على البلاستيك الناعم والحبال والستايروفوم، كما كشفت وجود 35٪ من النفايات البلاستيكية في السلاحف الصغيرة التي ماتت على الأرجح بسبب ابتلاع الحطام.

من جهتها، تحذر "مي جواد حمادة" -رئيس فريق الإسكندرية لإنقاذ السلاحف البحرية والحياة البرية، وهي جمعية أهلية مصريَّة غير حكومية- في تصريحات لـ"للعلم"، من أن السلاحف أكثر الكائنات تأثرًا بالبلاستيك؛ إذ تأكل الأكياس على أنها "قناديل البحر"، وهى مشكلة تواجه الأنواع الثلاثة التي تعيش في المتوسط (السلحفاة الخضراء وضخمة الرأس وريدلي)، وفق قولها.

وتُجري "حمادة" وفريقها حملات توعية على الشواطئ الشمالية المصريَّة لتقليل استخدام البلاستيك، حمايةً للكائنات البحرية بوجه عام والسلاحف بوجه خاص.

حصار بلاستيكي

التقرير أشار الى أن هناك حوالي 1000 نوع من الكائنات الدقيقة و335 مجموعة من الكائنات الحية المختلفة التي تعيش في البيئة البلاستيكية، موضحًا أن "الأشياء البلاستيكية تبدأ رحلتها عائمة ليتم بعد ذلك استعمارها من الكائنات الحية المختلفة".

ورصد التقرير الحطام البحري الذي ينتقل إلى البحر المتوسط من الأنهار المتصلة به، مثل نهر النيل في مصر، و"إيبرو" بإسبانيا"، و"الرون" بفرنسا، و"بو" في إيطاليا " ونهر "سيحان" في تركيا.

من جهتها، ترى "دانيا شيري" -مسؤول الاتصالات بمنظمة "جرينبيس" في العالم العربي- في تصريحات لـ"للعلم" أن "أزمة النفايات البلاستيكية في البحر المتوسط تحتاج إلى تضافر كل الجهود من الحكومات والمجتمع المدني والأفراد؛ للحد من استخدام البلاستيك ثم التوقف تمامًا عن استخدامه".

وتضيف أن "منظمة جرينبيس أطلقت في عام 2017 حملة "بلا بلاستيك" (BalaPlastic) لرفع الوعي بمخاطر التلوث الذي تخلفه النفايات البلاستيكية، والعمل على تغيير العقليات ومعالجة ثقافة التخلص من منتجات البلاستيك أحادية الاستخدام، ومنها الحقائب البلاستيكية، والتحول إلى البدائل الأخرى الأكثر أمنًا على الصحة وعلى البيئة مثل الأكياس الورقية والأكياس متعددة الاستخدام والأكياس القابلة للتحلل والحقائب المصنوعة من النسيج باعتبارها بدائل مستدامة وصديقة للبيئة".