حذرت دراسة حديثة من أن ظاهرة التذبذب الجنوبي "النينيا" باتت تمثل تهديدًا كبيرًا لمنظومة الغذاء وسلاسل إمداده في قارة أمريكا اللاتينية، وأن تكرار حدوث ذلك النمط المناخي أدى إلى موجات جفاف كبيرة متزامنة في شمال وجنوب غرب أمريكا الجنوبية على مدار الألفية الماضية.

وتكشف نتائج الدراسة التي نشرتها دورية "نيتشر جيوساينس" (Nature Geoscience) أمس "الإثنين"، 30 أغسطس، كثيرًا من المخاطر المستقبلية التي من المحتمل أن تتعرض لها المناطق الزراعية الرئيسية في أمريكا اللاتينية وجنوب الولايات المتحدة الأمريكية.

وعلى عكس ظاهرة "إلنينو" التي تحدث خلال فترات تتراوح بين 4 أعوام إلى 12 عامًا في المحيط الهادي وتؤدي إلى دفء مياهه، وقد تؤدي إلى موجات جفاف وحر لافح في آسيا وشرق أفريقيا وهطول أمطار غزيرة وفيضانات في أمريكا الجنوبية، فإن ظاهرة "النينيا" حدث بارد تكون فيه الرياح التجارية أقوى من المعتاد. 

تدفع هذه الرياح مزيدًا من المياه الدافئة قبالة الساحل الغربي للأمريكتين، ومن ثم يزداد ارتفاع منسوب المياه، ما يؤدي إلى وصول المياه الباردة إلى السطح، ونتيجةً لذلك، تحدث موجات من الجفاف في جنوب الولايات المتحدة، وأمطار غزيرة وفيضانات في شمال غرب المحيط الهادئ وكندا. 

وخلال عام حدوث ظاهرة "النينيا" تكون درجات الحرارة في الشتاء أكثر دفئًا من المعتاد في الجنوب وأبرد من المعتاد في الشمال، ويمكن أن تؤدي ظاهرة "النينيا" أيضًا إلى موسم أعاصير أكثر شدة.

حدد الباحثون منطقتين رئيسيتين قد يتعرضان بصورة أكبر من غيرهما للمخاطر الناجمة عن ظاهرة "النينيا"، وهما شبه جزيرة كاليفورنيا وصحراء بتاجونيا في وسط تشيلي.

يعتقد مؤلفو الدراسة أنه بناءً على تحليل سجلات المناخ القديم، وإعداد نموذج تنبؤ بالتأثيرات المستقبلية، فإن المناطق ذات الأهمية الحاسمة لنظام الغذاء الحديث معرضة لخطر كبير في مواجهة موجات جفاف كبيرة تحدث بشكل متزامن، نتيجةً للتباين في ظاهرة "النينيا".

تشير الدلائل الجيولوجية من الألفية الماضية إلى أن موجات الجفاف الشديدة متعددة العقود ربما حدثت في وقت واحد في كاليفورنيا وباتاجونيا مرةً واحدةً على الأقل، لكن العلماء لم يتمكنوا من التأكد من كون موجات الجفاف الحادة حدثًا مناخيًّا شائعًا في أمريكا الجنوبية أم لا.

يقول "ناثان شتايجر"، الباحث في "مرصد لامونتدوهرتي" في جامعة كولومبيا الأمريكية، والمؤلف الرئيسي في الدراسة: إن حالات الجفاف الكبرى هي الأسوأ من بين جميع أنواع الجفاف؛ لأنها شديدة وتستمر مدةً طويلة (عقدًا أو أكثر). 

وفي حين أنه من المعروف منذ فترة طويلة أن موجات الجفاف الحادة قد حدثت في أمريكا الشمالية، إلا أنه لم يكن من الواضح ما إذا كانت موجات الجفاف الكبرى شائعة في أمريكا الجنوبية، وما إذا كانت موجات الجفاف الضخمة المتزامنة في أمريكا الشمالية والجنوبية قد حدثت بشكل متكرر، وما الذي قد يتسبب في حدوثها في وقت واحد.

يضيف "شتايجر" في تصريحات لـ"للعلم": وجدنا أنه على مدى الـ1000 عام الماضية، حدثت موجات جفاف كبيرة في كلٍّ من أمريكا الشمالية والجنوبية في الوقت نفسه، ووجدنا أن حدوثها في وقت واحد ناتجٌ عن التغيرات في المحيط الهادئ، خاصةً ظاهرة "النينيا" القوية والمتكررة، التي تخلق موجات جوية تدفع بالعواصف قليلًا نحو القطبين الشمالي والجنوبي وبعيدًا عن المناطق الجافة نسبيًّا في أمريكا الشمالية والجنوبية.

في النموذج المناخي المقترح، أعاد المؤلفون بناء تردد حدوث موجات الجفاف الحاد وتوقيتاتها الزمنية، وتوصلوا إلى أنه على مدى الألفية الماضية، حدثت موجات جفاف حادة حوالي 9 مرات في جنوب غرب أمريكا الشمالية و12 مرةً في جنوب غرب أمريكا الجنوبية، واستمرت في المتوسط مُددًا تراوحت بين 31.8 سنة و21.2 سنة.

وتوضح الدراسة أن "سبعة من هذه الأحداث وقعت في وقت واحد في كلتا المنطقتين نتيجة درجات حرارة سطح البحر الباردة نسبيًّا في شرق المحيط الهادئ المرتبطة بأحداث ظاهرة النينيا".

يقول "شتايجر": تمثل نتائجنا صيحة تحذير من أن المناطق الزراعية في كلٍّ من أمريكا الشمالية والجنوبية يمكن أن تتعرض للتدمير بسبب الجفاف الشديد في توقيت واحد.