من بين قاطني عالم البحار والمحيطات، تُعد أسماك القرش من أقوى المفترِسات وأشرسها على الإطلاق، إضافةً إلى أنها من أنجح الحيوانات عبر تاريخ الحياة على الكوكب؛ إذ بدأت حياتها على الأرض منذ أكثر من 400 مليون سنة مضت.

لذا لم يكن غريبًا أن تستهوي أسماك القرش –وفي القلب منها القرش المعروف باسم الميجالدون- خيال مبدعي هوليوود، إلى حد منحه لقب "ميجالدون سيد القروش" في فيلم حمل عنوان "ذا ميج"، في إشارة إلى ضخامته الأسطورية.

ويُعد سمك القرش من نوع الميجالدون أضخم وأشرس أسماك القرش المفترسة التي عاشت على ظهر الكوكب يومًا ما، لكننا لحسن الحظ لم نقابله على الأرض يومًا ما كما ادّعوا في الفيلم، إذ انقرضت قروش الميجالدون الضخمة قبل ظهور الإنسان على الأرض.

وتشير دراسة حديثة نشرتها دورية "هيستوريكال بيولوجي" (Historical Biology)" إلى أن "الميجالدون عاش في الفترة من 15 إلى 3.6 ملايين سنة"، وأنه يشبه سمك القرش الأبيض الكبير ويتجاوز طوله 15 مترًا ويتميز بقوة عض هائلة.

ويمتلك الميجالدون كغيره من القروش سجلًّا أحفوريًّا ثريًّا، لكن صفاته البيولوجية لا تزال غير مفهومة بشكل كامل، إذ إن القروش من الأسماك الغضروفية، ولذا فإن ما يتحفر منها في المقام الأول هو أسنانها وبعض الفقرات، وهو ما يصعِّب مهمة علماء الحفريات من الدارسين لهذه الحيوانات العجيبة.

وكشفت الدراسة الحديثة الكثير عن خبايا فريدة من نوعها بخصوص هذا الكائن المفترس وكيفية نمو صغاره وطبيعة غذائه.

وتوصل الفريق البحثي، بقيادة جامعة ديبول بالولايات المتحدة الأمريكية، إلى دلائل جديدة تسلط الضوء على حجم أسماك قرش الميجالدون المعروفة علميًّا باسم (Otodus Megalodon) عند الولادة، ووضع الإنجاب لديها، إضافة إلى نمط نموها.

وتشير نتائج الدراسة الحديثة إلى أن جنين قرش الميجالدون كان يبلغ طوله نحو مترين عند الولادة، ما يعني أن هذه المفترسات وُلدت ضخمةً بالفعل.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأجنة ربما اعتمدت في نموها على التهام أشقائها من الأجنة الأخرى في رحم الأم، إذ إن هذه الظاهرة شائعة في بعض أسماك القرش التي تعيش اليوم، كما وجد الفريق البحثي أن نمط نمو هذه الأسماك كان ثابتًا إلى حدٍّ ما طوال حياتها، وربما عاشت فترات زمنية تتراوح بين 88 و100 سنة.

يقول كينشو شيمادا -أستاذ علم الأحياء القديمة في جامعة ديبول في شيكاغو، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": المعلومات التي توصلنا إليها ذات تأثير كبير على مختلِف الفرضيات والقضايا البيولوجية التي تم اقتراحها سابقًا لقرش الميجالدون.

يضيف "شيمادا": باعتبارها من أكبر المفترسات التي عاشت على مر التاريخ، فإن فك ألغاز ميجالدون أمرٌ بالغ الأهمية لفهم الدور الذي تؤديه الحيوانات آكلة اللحوم الكبيرة في سياق تطور النظم البيئية البحرية.

وللحصول على تلك النتائج المذهلة اعتمد الباحثون على دراسة "حلقات النمو" في بعض فقرات العمود الفقري –التي يبلغ قطر بعضها نحو 16 سم- لسمكة الميجالدون يبلغ طولها 9 أمتار عاشت خلال حقبة الميوسين في ما يُعرف اليوم بدولة "بلجيكا".

وأوضحت الدراسة أن حفريات تلك السمكة محفوظة اليوم في متحف ستيرنبرج للتاريخ الطبيعي في الولايات المتحدة، وأن تتبُّع حلقات النمو جاء من خلال تقنية التصوير المقطعي بالأشعة المقطعية، ثم عمل العلماء على مقارنة تلك الفقرات بمثيلاتها في أسماك القرش الأبيض الكبير التي تعيش اليوم.

وأشار الباحثون إلى أن حلقات النمو التي جرى تتبُّعها في فقرات أسماك الميجالدون هي مثيلة تلك الموجودة في جذوع الأشجار ويتم منها حساب عمر الشجرة، إذ تمثل كل حلقة عامًا واحدًا من النمو.

وكشفت الأشعة المقطعية لفقرات الميجالدون أنها تحوي 47 حلقة نمو منتظمة التباعد، وهذا يدل على أن تلك السمكة ذات الـ9 أمتار قد ماتت بعمر 47 عامًا، ومن أجل حساب أحجام أجنة الميجالدون عند الولادة، طبَّق الباحثون بعد ذلك معادلة منحنى النمو الرياضي، التي يتم تطبيقها لمعرفة أنماط النمو في أسماك القرش التي تعيش اليوم.

ومن خلال هذه العملية التي يتم فيها العودة إحصائيًّا إلى الوراء تباعًا حتى أول حلقة نمو، اتضح للباحثين أن طول قرش الميجالدون حين ولادته كان نحو مترين، وهو حجم أضخم من أجنة كل أسماك القرش المفترسة التي تعيش اليوم.

وبسؤاله عن طبيعة تغذية ذلك الجنين هائل الحجم أجاب "شيمادا": يُعد إمداد مثل هذه الأجنة العملاقة بالغذاء أمرًا مكلفًا للطاقة، ويمكن أن يكون مستنزفًا للأم بشكل كبير، وهذا يدل على أن صغار الميجالدون كانت تستمد غذائها داخل الرحم من خلال التهام البيض الذي يحوي أشقائها الذين لم يولدوا بعد، إذ إن الأجنة التي تفقس من بيضها أولًا في رحم أمها تسارع بالتهام أشقائها من البويضات التي لم تفقس بعد، وتُسهم هذه الظاهرة في جعل الجنين أكبر حجمًا، مما يجعله أقل عرضةً للافتراس وأكثر شراسةً في الافتراس، وتعد ورقتنا العلمية هذه دليلًا دامغًا على أن هذه الظاهرة الفريدة ليست فقط في أسماك القرش التي تعيش اليوم، بل أيضًا لها دلائل حفرية من الحيوانات المنقرضة.

ويُعد فهم نمط نمو هذه المفترسات الضخمة أمرًا ضروريًّا لفك رموز ديناميكية البيئة في أي إطار زمني جيولوجي، وتساعد على ملء صورة أكثر تفصيلًا لتطور ظروفنا البيئية الحالية، إذ إن هذه الأدلة الجديدة توفر نظرة ثاقبة أكثر وضوحًا حول كيفية تغيُّر النظام البيئي في المستقبل في حالة ما إذا أصبحت بعض المفترسات الضخمة مهيمنة أو انقرضت، وفق "شيمادا".