خلال القرن العشرين، لاحظ العلماء أن البشر اكتسبوا طولًا أكبر من المعتاد، ووصلوا إلى مرحلة النضج الجنسي في سن مبكرة، وأن متوسط ​الطول زاد بحوالي 11 سم في معظم البلدان الأوروبية، وبلغ 20 سم في بلدان أخرى.

وفي حين اقترح العلماء منذ فترة طويلة أن هذه الظاهرة يمكن أن تكون مرتبطةً بوصول الغذاء إلى النساء الحوامل والأطفال بصورة أكثر، لكن حتى الآن، لم تُفهم كيفية استشعار الجسم لحالته التغذوية وتحويل هذه المعلومات إلى نمو ونضج جنسي.

ولتفسير تلك الظاهرة، اكتشف فريق من الباحثين بجامعة كامبريدج البريطانية الدور الذي يؤديه مُستقبِل في الدماغ يُدعى "الميلانوكورتين 3" (MC3R)، في تنظيم الحالة الغذائية للجسم، والتحكم في توقيت البلوغ ومعدل النمو لدى الأطفال، وزيادة كتلة العضلات الهزيلة، وفق دراسة نشرتها دورية "نيتشر" (Nature).

وكان معروفًا بالفعل أن الإشارات تصل إلى الدماغ للإشارة إلى الحالة الغذائية للجسم، مثل هرمون اللبتين الذي يُنتَج في الخلايا الدهنية، وكذلك هرمون الأنسولين الذي يُنتَج استجابةً لزيادة مستويات السكر في الدم، وفي منطقة بالدماغ تُسمى "الوِطَاء" أو "تحت المهاد"، تعمل هذه الهرمونات على مجموعة صغيرة من الخلايا العصبية التي تنتج إشارات تسمى "الميلانوكورتين".

وتعمل إشارات "الميلانوكورتين" على مجموعة متنوعة من المستقبِلات، اثنان منها موجودان في الدماغ، أحدهما هو مُستقبِل "الميلانوكورتين 4" (MC4R)، الذي يُنظّم الشهية، كما أن نقص هذا المستقبل يؤدي إلى السمنة، ومع ذلك، فإن نظام "الميلانوكورتين 4" لا يتحكم في تأثير التغذية على النمو وتوقيت البلوغ.

الآن، اكتشف الباحثون دورًا جديدًا لأحد مُستقبِلات "الميلانوكورتين" الأخرى في الدماغ، وهو "الميلانوكورتين 3" (MC3R)، ووجدوا أنه استجابةً للإشارات الغذائية، يتحكم نظام هذا المُستقبِل في إفراز الهرمونات الرئيسية التي تُنظّم النمو والنضج الجنسي.

يقول ستيفن أورايلي، مدير وحدة الأمراض الأيضية في مركز البحوث الطبية بجامعة كامبريدج، وكبير مؤلفي الدراسة: يُظهر هذا الاكتشاف كيف يمكن للدماغ أن يشعر بالمغذيات، ويفسر ذلك اتخاذ قرارات اللاوعي التي تؤثر على النمو، إن تحديد المسار في الدماغ حيث تتحول التغذية إلى نمو وبلوغ، يفسر ظاهرة عالمية تتمثل في زيادة الطول والوصول إلى مرحلة البلوغ مبكرًا، التي حيرت العلماء لمدة قرن.

وعن أهمية النتائج يقول "أورايلي" في تصريحات لـ"للعلم": ما توصلنا إليه يقود إلى إجراءات عملية فورية يمكن أن تُتّخذ لاختبار الأطفال الذين يعانون من تأخيرات خطيرة في النمو والبلوغ بسبب طفرات في مُستقبِل الميلانوكورتين 3.

للوصول إلى نتائج الدراسة، راجع الفريق عينات حوالي نصف مليون متطوع في "البنك الحيوي بالمملكة المتحدة"؛ للبحث عن أشخاص لديهم طفرات جينية تحدث بشكل طبيعي وتعطل وظيفة (MC3R).

وحددوا بضعة آلاف من الأشخاص الذين حملوا طفرات مختلفة في الجين (MC3R)، ووجدوا أن هؤلاء الأشخاص كانوا أقصر في المتوسط، ​ودخلوا سن البلوغ متأخرين عن أولئك الذين ليس لديهم تلك الطفرة.

ووجد الباحثون أن 812 امرأةً لديهن الطفرة ذاتها في واحدة من نسختين من جين (MC3R)، وأن تلك الطفرة قلّلت جزئيًّا من قدرة المستقبِل على العمل، وعلى الرغم من هذا التأثير الخفي، فإن النساء اللاتي يحملن الطفرة كُنّ في المتوسط أكبر بـ​​4.7 شهور عند سن البلوغ، مقارنةً بأندادهن ممن ليس لديهن تلك الطفرة.

وكان الأشخاص الذين يعانون من طفرات تُقلّل من وظيفة (MC3R) أقصر أيضًا، ولديهم كميات أقل من الأنسجة الخالية من الدهون، مثل العضلات، ولكن لم يكن للطفرة أي تأثير على كمية الدهون التي يحملونها.

ولتأكيد هذه النتائج عند الأطفال، عمل الباحثون على دراسة ما يقرب من 5993 مشاركًا، وحددوا 6 أطفال لديهم طفرات في جين (MC3R)، وكان الأطفال الستة أقصر وكان وزنهم وكتلتهم العضليّة أقل خلال مرحلة الطفولة، ما يدل على أن هذا التأثير يبدأ في وقت مبكر جدًّا من الحياة.

وكان جميع الأشخاص الذين تم تحديدهم في هذه الدراسات لديهم طفرة في واحدة فقط من نسختين من الجين، ووفق الفريق، فإن العثور على طفرات في كلتا النسختين من الجين أمرٌ نادر الحدوث، ولكن في مجموعة أخرى تمكن الباحثون من التعرف على فرد واحد يعاني من طفرة ضارة للغاية في كلتا النسختين من الجين، وكان هذا الشخص قصيرًا جدًّا ودخل في سن البلوغ بعد سن العشرين.

يشير "أورايلي" إلى أن هذه النتائج قد تكون لها آثار واسعة النطاق تتجاوز نمو الطفل والصحة الإنجابية؛ إذ ترتبط العديد من الأمراض المزمنة بفقدان الكتلة الدهنية، بما في ذلك العضلات، ما ينتج عنه ضعف، إذ لا يستجيب بعض المرضى بشكل جيد للمكملات الغذائية البسيطة مثل المشروبات الغنية بالبروتين.

وعن خطواتهم المستقبلية، يضيف "أورايلي" أن نشاط مسار (MC3R) يؤثر على مقدار الكتلة الخالية من الدهون التي يحملها الشخص، وهذا يشير إلى أن الأبحاث المستقبلية يجب أن تتحقق مما إذا كانت الأدوية التي تنشط بشكل انتقائي (MC3R) قد تساعد في إعادة توجيه السعرات الحرارية إلى العضلات والأنسجة الخالية من الدهون مع احتمال تحسين الوظيفة البدنية لمثل هؤلاء المرضى".

وشدد "أورايلي" على أن الفريق سيستمر في الكشف عن تبصرات جديدة لفهم الآليات الكامنة وراء النمو البشري وأمراض التمثيل الغذائي.