كشفت دراسة نشرتها مجلة "ساينس" أن المخ لا يخزِّن جميع الذكريات في "خلايا المكان" الموجودة في منطقة "الهيبوكامباس"، والتي تُعرف أيضًا بـ"الحُصيْن" و"قرن آمون".

وأوضحت الدراسة أن الذكريات تحكمها مجموعة من الخلايا تتركز مهمتها بشكل أكبر فى السياق الذي حدثت فيه وليس مجرد مكان حدوثها، مشيرةً إلى أن "خلايا المكان تُعَدُّ نوعًا من الخلايا العصبية الهرمية في الحُصيْن، تنشط عندما يدخل الحيوان مكانًا معينًا، ويُعرف هذا المكان بـ"حقل المكان"، وتم اكتشاف هذه الخلايا وتحديد وظيفتها كخرائط ذهنية للمكان على يد كلٍّ من "جون أوكيف" والزوجين "ماي برت موزر" و"إدفارد موزر"، وحصلوا عنها على جائزة نوبل للطب لعام 2014".

وتقوم فكرة "أوكيف" ورفاقه على أن "خلايا المكان" تساعد الكائن الحي على بناء خرائط حسيّة ونفسية مبنية على علاقته بالبيئة المحيطة به وملاحظته لها.

لكن الدراسة، التي أعدها فريق من الباحثين بمركز "ريكن" لعلوم المخ في اليابان، ذهبت إلى ما هو أبعد، مشيرةً إلى أن "ذكريات التجارب التى نمر بها يتم تخزينها فى خلايا عصبية محددة تُسمى خلايا "إنجرام"، وهى موضع لتخزين الذكريات عند حدوث تغيُّرات فى المخ كرد فعل لمؤثر خارجي، ويتم تنشيطها في إطار سياق شامل لحدوث الواقعة وليس مكان حدوثها فقط".

يقول "توماس مكهيو" -رئيس الفريق البحثي- في تصريحات لـ"للعلم": "إن علم الأعصاب لم يستطع حتى الآن بلورة آلية عمل خلايا "إنجرام"، فنحن نعلم ماذا تفعل هذه الخلايا عندما تنشط، ولكننا نجهل كيفية عملها وماذا تمثل".

وتنشط خلايا "إنجرام" لتذكُّر السياق الذي تعرضت فيه لمؤثرٍ ما وليس مجرد المكان. في حين تنشط خلايا المكان في أثناء محاولات الاستكشاف، بحيث ترسم الخريطة المكانية وتعمل على تحديثها، ولهذا تختلف خلايا المكان عن خلايا الذاكرة.

يضيف "مكهيو" أن "خلايا إنجرام تتعامل مع الصورة الكاملة والسياق الذى حدثت فيه واقعةٌ ما، لا جزءٌ منها فقط كالمكان. ونعتقد أن هذه الخلايا لا تقوم بتخزين الذكريات في حد ذاتها، ولكنها تعمل كفهرس لربط الذكرى بالتفاصيل المتعلقة بها أينما تكون فى المخ، سواء كانت عوامل تتعلق بالسمع أو الرؤية أو الحواس الأخرى، ثم تعمل على استدعائها عبر تنشيط أجزاء أخرى فى المخ مثل قشرة الدماغ".

وفى تصريح لـ"للعلم" يوضح "كازومازا تناكا" -الباحث الرئيسي فى الدراسة- أن "خلايا إنجرام تنشط في أثناء تخزين سياق محدد أو صورة شاملة لذكرى ما، ثم تنشط من جديد عند استدعاء الذاكرة، مشيرًا الى أن "الدراسة أظهرت نشاط هذه الخلايا بشكل مختلف عما كان متوقعًا من خلايا المكان. وبالتالي فإن نشاطها يعمل كفهرس لتخزين الذاكرة فى مناطق قشرة الدماغ".

وعن الفارق بين "خلايا المكان" و"خلايا الذاكرة"، يقول "تناكا"، في تصريحاته لـ"للعلم": "إن الأولى تحتفظ بمعلومات أكثر عن المكان لتحدد موضع الحيوان في بيئةٍ ما، أما الثانية فيمكن الاعتماد عليها في تسجيل السياق الشامل الذي أحاط بالحيوان في أثناء وقوع حدثٍ ما".

وعن النفع الذي يعود على الإنسان من هذا الاكتشاف، يقول "تناكا": "إنه رغم إدراج الدراسة تحت بند العلوم الأساسية، فإن فهم كيفية تخزين الذكريات فى الدوائر العصبية بالمخ يمكن أن يفتح المجال مستقبلًا أمام إصلاح الخلل لدى المرضى الذين يعانون من فقدان الذاكرة".