بين عامي 1938 و1942، وبينما كانت الولايات المتحدة منشغلة بنهاية الكساد العظيم ودخولها في الحرب العالمية الثانية، كان باحثون في بوسطن مشغولين ببدء دراسة تشمل الأولاد المراهقين وعلاقاتهم الأسرية. وبعد قرابة 60 عامًا، قام باحثون آخرون بمتابعةِ مَن شَملَتْهم الدراسة، ووجدوا أن أولئك الذين نشأوا في بيئة تتميز بالدفء العائلي كانوا أكثر ارتباطًا وعلى درجة أعلى من التعلُّق الآمن بشريكات حياتهم في المراحل المتقدمة من حياتهم، وهو ما يمثل برهانًا على التأثير المستمر لما يمرُّ به الإنسان من تجارب في مرحلة الطفولة المبكرة.

في دراسة نُشرت في شهر أكتوبر في دورية "سايكولوجيكال ساينس" Psychological Science عمل الباحثان المؤلفان للدراسة -روبرت والدينجر، وهو طبيب نفسي بكلية طب هارفارد، ومارك شولتس، وهو متخصص في علم النفس بكلية برين ماور- على تجميع بيانات تخص مجموعة من الرجال جُمعت على مدار عدة عقود، مع بيانات جُمِعَتْ حديثًا عن المجموعة نفسها، لتُشَكِّل معًا رؤية فريدة وطويلة الأمد للصلة التي تربط بين بيئة الطفولة المبكرة وكيفية تنظيم الرجال لمشاعرهم في منتصف العمر، ومدى ارتباطهم وتعلقهم بشريكات حياتهم في المراحل المتقدمة من حياتهم. ويمثل عملُ الباحثَين استمرارًا لدراسة أُجريت بجامعة هارفارد عن تطور البالغين، وهي دراسة طولية لصحة البالغين البدنية والنفسية استمرت سبعة عقود تقريبًا.

وأمان التعلُّق، وهو مفهوم ظهر للمرة الأولى في ستينيات القرن العشرين، يعتمد على فكرة أنه نظرًا لأن الإنسان يكون عاجزًا خلال أجزاء كبيرة من مرحلتي الطفولة والشيخوخة، فإنه يحتاج إلى إجادة تكوين ارتباطات بالآخرين، وأن يحافظ عليهم بالقرب منه كي يعتنوا به. يقول والدينجر: "كل شخص لديه أناس بعينهم يتعلق بهم"، بعبارة أخرى، كلٌّ منا لديه الأشخاص الذين "يمكنه الاتصال بهم في منتصف الليل إذا شعر بالخوف والاحتياج إلى مَن يكون إلى جواره".

ويبدأ الإنسان في تكوين علاقات التعلُّق في سن مبكرة للغاية، ويستمر في عمل ذلك طوال حياته. وقد أوضحت الدراسات السابقة أن تجارب الطفولة يمكن أن تؤثر على أمان التعلُّق في مرحلة العشرينيات من العمر. غير أن والدينجر وشولتس أرادا أن يعرفا ما إذا كانت جودة البيئة التي يعيش فيها الإنسان طفولته المبكرة تتيح التنبؤ بمستوى أمان التعلُّق في مرحلة لاحقة من الحياة، وما إذا كانت الاستراتيجيات التي يتبعها المرء للتحكم في عواطفه السلبية يمكن أن تفسر هذه العلاقة. يشرح شولتس قائلًا: "هناك الكثير من الأدلة على أن الطريقة التي ينظم بها الإنسان مشاعره لها تأثيرات مهمة على كلٍّ من صحة المرء وصحة علاقاته، فإذا نظرْتَ إلى العوامل التي يمكن على أساسها التنبؤ بالعلاقات الناجحة على المدى الطويل، فسوف تجد أن تنظيم المشاعر عامل على قدر كبير من الأهمية".

في الدراسة الأصلية التي بدأت عام 1938، أدْرَجَ الباحثون 268 طالبًا في السنة الجامعية الثانية في جامعة هارفارد، و456 مراهقًا من وسط المدينة ينتمون إلى العائلات الأقل حظًّا في المناطق منخفضة الدخل في بوسطن. وأجرى الباحثون مقابلات مطولة مع الأولاد والأبوين، كما لاحظوا سلوك العائلات في منازلها، وعملوا على توثيق البيانات ضمن ثلاثة أنواع من المؤشرات: علاقة الصبي بأمه، وعلاقته بأبيه، ومقدار دفء البيئة الأسرية التي يعيش فيها وتماسكها. (فيما بعد دَمَجَ والدينجر وشولتس هذه المؤشرات في مقياس واحد لنوعية البيئة الأسرية).

بعد مرور عدة عقود أجرى باحثو دراسة هارفارد مقابلاتٍ مع الرجال في منتصف العمر، لتقييم كيفية تعاملهم مع المشاعر السلبية. وصنفوا استراتيجيات تَعامُل هؤلاء الرجال مع المشاعر السلبية إلى استراتيجيات "أكثر تكيُّفًا" (مثل استخدام الدعابة أو إعادة تحديد ملامح الموقف، وهو ما يساعد على الإبقاء على الارتباط بشريكة الحياة) أو استراتيجيات "أقل تكيُّفًا" (مثل الاندفاع والتهور أو كتمان العواطف، وهو ما يمكن أن يُحدِث فجوة ويبعد المسافات بين الشاب وشريكته). قَيَّم الباحثون الرجال على مقياس يتدرج من 1 إلى 5 اعتمادًا على معدل استخدامهم للاستراتيجيات الأقل تكيُّفًا (إذ يشير الرقم 1 إلى ندرة استخدام هذه الاستراتيجيات، وتعني 5 الاستخدام الدائم لها).

عندما بلغ الرجال الثمانينيات من أعمارهم، أجرى والدينجر وشولتس مقابلاتٍ متعمقة مع 81 منهم ممن كانوا في صحة جيدة ولديهم زوجات يتمتعن بصحة جيدة. ويشرح والدينجر قائلًا إنهما استخدما صيغة للمقابلة صُمِّمَتْ بحيث "تدفع الرجال لقول أشياء دون أن يفطنوا إلى أنهم يصرحون بها". على سبيل المثال، بدأت كل مقابلة بأن يطلب الباحثان من المشارك أن يذكر خَمس كلمات تَصِفُ زوجته، ثم بعد ذلك أن يدلل على كل كلمة بوصفين أو توضيحين مختصرين. ثم قيَّمَ الباحثان درجة الارتباط والتعلق بين الشريكين عن طريق دراسة مدى التوافق بين الوصف المختصر والكلمة المقصودة. وبناءً على هذه المقابلات، قيَّم الباحثان علاقات هؤلاء الرجال على مقياس يتدرج من تعلُّق "غير آمن بالمرة" إلى تعلُّق "آمن جدًّا".

توصل والدينجر وشولتس إلى أنه بغض النظر عن المكانة الاقتصادية والاجتماعية، فإن الرجال الذين نشأوا في كنف عائلات مترابطة تتمتع بالدفء العائلي كانوا يستخدمون استراتيجيات أكثر تكيُّفًا لإدارة مشاعرهم السلبية في منتصف العمر، كما كانوا أيضًا على درجة أكبر من التعلُّق الآمن بشريكاتهم لاحقًا عندما تقدَّمَ بهم العمر. تشير هذه النتائج إلى أن بيئة طفولتنا المبكرة تؤثر على علاقاتنا، لا في فترة البلوغ فحسب، بل على مدار باقي حياتنا أيضًا.

وقد أثارت هذه النتائج دهشة كرِيس فرِيلي، المتخصص في علم النفس بجامعة إلينوي في إربانا-شامبين، والذي يدرس الارتباط والتعلق لكنه لم يشارك في هذه الدراسة؛ إذ قال في رسالة بريد إلكتروني: "ثمة الكثير من الطرق التي يمكن أن تتطور وتتغير بها حياة الأشخاص بمرور الزمن"، على سبيل المثال التعرُّض لأزمات مالية، أو المرض، أو الطلاق، أو عدم الاستقرار المهني. ويضيف: "وحقيقة توصُّل الباحثين إلى وجود هذه العلاقة أمر جدير بالاهتمام، ويثير عددًا من الأسئلة حول العوامل التي تفسر وجود تلك العلاقة". غير أن فريلي أشار إلى أن الدراسة صغيرة، وهي نقطة قصور يُقِرُّ بها الباحثان (إضافة إلى حقيقة أن الدراسة لم تشمل سوى ذكور قوقازيين فقط). كما حَذر فريلي أيضًا من أن وجود علاقة بين تجارب الطفولة المبكرة وبين التعلُّق في مرحلة متأخرة من العمر لا يعني بالضرورة أن الأولى سبب للأخيرة.

أما بالنسبة لشولتس، فإن هذه النتائج تسلط الضوء على الحاجة إلى خدماتٍ من قبيل الإجازات العائلية التي تساعد الأبوين وتدعمهما وتسمح لهما بخلق بيئة عائلية أفضل. كما يؤكد أيضًا على أهمية الخدمات الاجتماعية الجيدة، التي يمكن أن تتدخل عندما ينتهي الأمر بالأطفال إلى العيش في وسط فقير أو غير آمن. فيقول شولتس: "أعتقد أن الدرس المستفاد من هذه الدراسة هي أن الأولاد ربما لا يتذكرون وقائع بعينها، لا سيما الوقائع التي تحدث في طفولتهم المبكرة، غير أن العيش في كنف عائلة محبة وجو من الترابط الأسري الدافئ، يكون له تأثير قوي يمتد مدةً طويلة جدًّا من الزمن".

كما يؤكد والدينجر وشولتس أيضًا أن هناك طرقًا كثيرة للتغلب على آثار الطفولة غير المثالية، مثل العمل بهمَّة على تطوير علاقات أفضل وأكثر دفئًا في مرحلة البلوغ، أو تَعَلُّم كيفية استخدام استراتيحيات أكثر تكيُّفًا للتعامل مع المشاعر السلبية.

ويبقى الخيار الأمثل هو توفير بيئة أسرية دافئة للأطفال في مستهل حياتهم، وفق قول والدينجر، الذي يضيف: "النتيجة النهائية للدراسة هي إدراك مدى أهمية ما نوليه لأطفالنا من اهتمام ورعاية، إذ إن حماية تطور شخصياتهم ونموها أمر شديد الأهمية لصحتهم النفسية طوال حياتهم".