"بدأت أشعر بميل شديد إلى النعاس، وكنت أجد صعوبةً في مغادرة الفراش، ابتعدت عن الأصدقاء وأصبحت سريع الغضب، وبدأت أنسى آخر مرة ضحكت فيها. فهمت بعد عدة أشهر أنني لست على ما لا يرام، وبضغط من شريكة حياتي قررت الذهاب إلى معالج نفسي، حيث خضعت للعلاج مدة ثلاث سنوات بعدما اكتشفت إصابتي باكتئاب ما بعد الولادة".

العبارات السابقة وردت على لسان عضو فريق "لوكو لاكاس" الموسيقي الكندي "سيباستيان فريشيت"، ملخصًا معاناته مع مرض اكتئاب ما بعد الولادة بعد إنجاب ابنه في عام 2006؛ فقد ظلت هواجس كثيرة تؤرقه بشأن مستقبل الطفل الجديد، لا سيما وأن عمله غير منتظم.

وبالرغم من صعوبة التجربة، فقد كانت سببًا في بزوغ نجمه ككاتب روائي، بعدما دونها في كتابه (Dérives)، الذي أصدره في سبتمبر من عام 2017. ويبدو أن صدى صرخات المطرب الكندي ارتد إلى المختبرات البريطانية؛ إذ أثبتت دراسة أجراها باحثون من جامعة "أنجليا روسكين" في المملكة المتحدة أن "اكتئاب ما بعد الولادة يصيب ما بين 6 إلى 13% من الآباء الجدد". كما أظهرت أننا لدينا القدرة على تحديد علامات اكتئاب ما بعد الولادة عند النساء بمعدل أكثر من الضعف تقريبًا مقارنةً بتمييزنا له عند الرجال. وعادةً ما تؤدي الولادة إلى خلق حالات من الفرح وقدر من الإثارة وربما القلق، ولكن قد تتطور هذه المشاعر إلى ما قد لا نتوقعه وهو الإصابة بالاكتئاب.

يقول "فيرين سوامي" -أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة "أنجليا روسكين" بالمملكة المتحدة، والباحث الرئيسي في الدراسة- إنه بدأ مع فريقه البحثي دراسة "اكتئاب ما بعد الولادة" بسبب تجربة شخصية، إذ جرى تشخيص إصابته (هو شخصيًّا) بهذا الاضطراب النفسي بعد ولادة ابنه الأول.

ويضيف "سوامي"، في تصريحات لـ"للعلم": بمجرد تشخيص حالتي، أردت إجراء مزيد من البحث في هذا الموضوع ومعرفة سبب اعتقاد كثير من الناس، مثلي، بأن الرجال لا يصابون باكتئاب ما بعد الولادة، وانتهينا إلى ضرورة أن يكون هناك وعي أكبر بأن هذا الاضطراب النفسي يمكن أن يصيب أيًّا من الوالدين لمدة تصل إلى سنة بعد ولادة الطفل.

وتظهر أعراض "اكتئاب ما بعد الولادة" عادةً في غضون الأسابيع القليلة الأولى بعد الولادة، ولكنها قد تبدأ في وقت مبكر، أي في أثناء الحمل، أو تظهر في وقت لاحق حتى سنة بعد الولادة، ومن أهم أعراضها التقلبات المزاجية الحادة، والإفراط في البكاء، وصعوبة التعلق بالطفل، والابتعاد عن العائلة والأصدقاء، وفقدان الشهية أو تناول الطعام بشكل يفوق المعتاد، وعدم القدرة على النوم (الأرق) أو -في المقابل- النوم لفترات طويلة، وفقدان الطاقة، والإصابة بنوبات قلق أو هلع أو غضب شديد، واليأس، والإحساس بالعجز، وانخفاض القدرة على التفكير بوضوح، وقد تتطور إلى حد التفكير في إيذاء النفس أو الطفل، أو الانتحار.

ولا تختلف أعراض الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة بالنسبة للآباء عنها لدى الأمهات، في حين يُعَد الآباء من الشباب الذين لديهم تاريخ من الإصابة بالاكتئاب ويمرون بمشكلات في العلاقة الزوجية أو معاناة مالية، الأكثر عرضةً للإصابة.

معتقد خطأ

أخضع الباحثون 406 من المتطوعين البريطانيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و70 عامًا للدراسة، وطلبوا من كل واحد منهم قراءة مقالين مصغرين يصفان مواقف متطابقة تقريبًا يعاني فيها الشخص من اكتئاب ما بعد الولادة، كان أحد المقالين يتحدث عن رجل، أما الثاني فيتحدث عن سيدة.

بعد الانتهاء من قراءة المقالين، طلب الباحثون من المتطوعين توضيح ما إذ كان بطل/ أو بطلة كل مقال يعانون من اضطرابات نفسية، وأجاب الجميع تقريبًا -97%- بنعم عندما كانت الشخصية التي تتحدث عنها المقالة القصيرة امرأة، في حين أجاب 79.5% بنعم عندما كانت الحالة ذكرًا.

وفي حالة الأمهات، وصف 90.1% من المبحوثين حالة المرضى بشكل صحيح، وارتأوا أنهن يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة، في حين أن 46.4% فقط أدركوا مرور الآباء باكتئاب ما بعد الولادة، عندما كانت المقالات تتحدث عن حالات الآباء.

 واعتبر المبحوثون أن التوتر (وليس اكتئاب ما بعد الحمل) هو السبب الرئيسي وراء معاناة 21% من أبطال القصص المتعلقة بحالات من الذكور، وفي المقابل، رأى 0.5% فقط أن التوتر هو سبب الاضطراب النفسي عندما كانت الحالة تتعلق بالنساء.

يضيف الباحث أن "معظم الدراسات السابقة ركزت على حالات الأمهات. وبالرغم من أن الدراسة الأخيرة صغيرة نسبيًّا ومحدودة في نطاقها، إلا أنها تكشف المعتقدات الخطأ حول عدم إصابة الرجال باكتئاب ما بعد الولادة، وتشدد على أهمية التعامل بجدية مع الاضطرابات النفسية الشائعة التي يتعرض لها الرجال خلال الفترة المحيطة بالولادة عند النساء".

نسب مرتفعة

وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن "نحو 10% من الحوامل و13% من أمهات الرضع في البلدان مرتفعة الدخل يعانين من مشكلات صحية نفسية في مقدمتها الاكتئاب والقلق، وترتفع تلك المعدلات في البلدان محدودة الموارد، فمن بين النساء اللواتي يخضعن لخدمات ما قبل الولادة، تحققت معايير تحري الاكتئاب عند 16% منهن في ولاية "تاميل نادو" الهندية، و23% في ولاية "جوا" الهندية، و3% في ريف باكستان، كما تحققت مثل هذه المعايير أيضًا عند 34.7% من أمهات الرضع في المناطق الفقيرة بجنوب أفريقيا.

وعلى الرغم من أن المعدلات الإصابة بهذا الاضطراب قد لا تختلف كثيرًا بين الآباء والأمهات، لكن نقص الوعي باحتمالية إصابة الرجال بهذا المرض قد يزيد من حجم المشكلة.

من جهتها، تُرجع ولاء صبري -أستاذ الطب النفسي وعلاج الإدمان المساعد بطب عين شمس- معاناة الرجال من اكتئاب ما بعد الولادة إلى عدة أسباب، منها الإحساس المفاجئ بالمسؤولية، وغياب الدعم النفسي، وقلة النوم نظرًا إلى أنه عادةً ما ينام مع الرضيع في الحجرة ذاتها، والمسؤوليات المترتبة على زيادة الإنفاق.

وتضيف "صبري"، في تصريحات لـ"للعلم"، أن "أعراض الإصابة بهذا المرض لدى الرجال قد تكون أقل من اكتئاب ما بعد الولادة الذي يصيب الإناث، والذي عادةً ما يكون مصاحبًا لعلامات بيولوجية أخرى بسبب التغير المفاجئ في بعض الهرمونات مثل "البروجسترون والإستروجين"، اللذين يقلان عن معدلاتهما وقت الوضع وعقب الولادة بأربعة أيام، مما قد ينجم عنه اضطرابات في الحالة النفسية.

وتتابع أنه رغم أن الرجال لا يمرون بتجربة الوضع والحمل، لكن قد تحدث تغيرات في مستوى هرمون التستوستيرون عند الآباء، وهو الهرمون الذي يُعد من أهم هرمونات الذكورة، وهذا التغير الهرموني قد ينجم عنه تغير في المزاج العام.

وأوضحت "صبري" أنه لا توجد تفسيرات علمية تشرح لماذا يحدث تغيُّر في نسب هرمون التستوستيرون عند الذكور في أثناء حمل زوجاتهم، مشددةً على أن الأمر يزداد سوءًا بالنسبة للآباء الذين لهم تاريخ وراثي من الإصابة بالاكتئاب، وكذلك مَن تعرضوا لهذا الاضطراب النفسي فيما سبق، ما يجعلهم أكثر عرضةً للإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، على حد وصفها.

التوتر الأسري

وتتفق نتائج دراسة جامعة "أنجليا روسكين" مع دراسة سابقة أجراها باحثون بريطانيون عام 2018 على 3176 زوجًا تتبَّع فريق البحث حالاتهم منذ 1991؛ إذ أظهرت أن واحدًا من بين كل 20 أبًا قد يعاني من اكتئاب مع بعد الولادة. وقد توصلت نتائج الدراسة إلى أن الفتيات اللاتي عانى آباؤهن من اكتئاب ما بعد الولادة قد يكن أكثر عرضةً للاكتئاب عند بلوغهن مرحلة المراهقة. ورجح الباحثون أن اكتئاب ما بعد الولادة لدى الآباء يرتبط بزيادة مستويات التوتر عند جميع أفراد الأسرة، مما يفسر سبب إصابة الأطفال به بعد ذلك.

تقول "صبري": يتم علاج المصابين باكتئاب ما بعد الولادة وفق حدة الاكتئاب الذي يعانون منه، فقد يحتاج المرضى الذين يعانون من نوبات حادة أو متوسطة من هذا الاضطراب إلى مضادات للاكتئاب، في حين قد تقتصر الخطة العلاجية على جلسات دعم نفسي لتمكين المريض من إدارة المرض في حالة إذا ما كان اكتئاب ما بعد الولادة من النوع الخفيف أو بعض الأنواع المتوسطة.

بدورها، توضح "سوامي" أن تشخيص حدة الاكتئاب يتم عادةً باستخدام "مقياس أدنبرة للاكتئاب بعد الولادة" والذي أصبح يُستخدم لقياس هذه الحالة في أثناء مدة الحمل عند النساء، والآن أصبح هذا المقياس يُستخدم أيضًا لتشخيص اكتئاب ما بعد الولادة عند الذكور.

والمهم في هذه الأمر -وفق "سوامي"- أن يتم نشر الوعي بهذا النوع من الاضطراب، بحيث لا يخيم الصمت على معاناة الذكور بسبب الأفكار الاجتماعية النمطية السائدة. وتضيف أن "التعرف على المشكلة أول خطوة على طريق الحل، ويجب أن يحصل الآباء على الدعم المطلوب من قِبَل برامج رعاية الأسرة إذا ما أصيبوا باكتئاب ما بعد الولادة، وينبغي على الرجال الذين قد يقعون في براثن هذا المرض أن يكونوا على درجة من الوعي والشجاعة بحيث لا يترددون في طلب المساعدة وقت اللزوم".