حين تكون على وشك عبور الطريق، تنظر يمينًا ويسارًا للتأكد من خلو الطريق من السيارات المُسرعة، يستخدم الدماغ قدراته لإمدادك بالمعلومات اللازمة لتعبر الطريق بشكل آمن؛ ففي حالة وجود سيارات، يرسل الدماغ الإشارات للتحرك إلى الخلف، وفي حالة خلو الطريق، يرسل المعلومات للعبور بأمان.

في تلك الحالة، يقوم الدماغ بتخزين المعلومات في الذاكرة العاملة، وهو مكان يُمكن أن نُشبِّهه بـ"ذاكرة الكمبيوتر المؤقتة" التي يجري فيها تخزين المعلومات في أثناء العمل على الكمبيوتر، ثم يجري التخلص منها بمجرد معالجة تلك المعلومات أو إعادة تشغيل الجهاز.

لكن، كيف يتعامل الدماغ مع تلك المعلومات؟ وكيف يعالجها؟ ظل ذلك سرًّا حتى ظهور دراسة جديدة نشرتها دورية "نيورون" (Neuron) اليوم "الإثنين"، 8 فبراير.

أظهرت الدراسة أن الدماغ يعمل "بجد" لمواكبة المعلومات الواردة، وينقلها على الفور عبر إشارات عصبية بالغة السرعة إلى نصف الدماغ الآخر، ويُعيد ترميزها -أي يُعالجها- بسرعة، للمساعدة عل اتخاذ القرار المناسب في الوقت الحقيقي.

دعنا نتخيل أنك تُريد عبور الطريق، إذ ما نظرت يمينًا، ينقل العصب البصري الإشارة إلى الجانب الأيسر من الدماغ، والعكس صحيح، ثم يبدأ الدماغ في معالجة المعلومات اللازمة لاتخاذ القرار سواء بعبور الطريق أو الانتظار لحين مرور السيارات، لكن، ماذا لو نظرت إلى اليمين ثم اليسار ثم اليمين فاليسار وهكذا؟

يقول "سكوت برينكات" -عالِم الأعصاب بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وهو أحد مؤلفي تلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن نقل الإشارات ليس بتلك السهولة؛ فالدماغ يحتاج إلى معرفة مكان كل الأشياء في العالم الحقيقي بسرعة ودقة؛ فهذا أمرٌ مهم مدفوع بغريزتنا للبقاء.

حين نلتفت يمينًا ويسارًا، يتغير التمثيل الخارجي في كل مرة تتحرك فيها أعيننا؛ فبتغير مجال الرؤية تتغير المعلومات الواردة إلى الذاكرة العاملة، في تلك الحالة، يقوم الدماغ بسرعة بتغيير واضح في تزامن ترددات الدماغ لمعالجة المعلومات الواردة، وينقلها عبر النصفين -الأيسر والأيمن- بسرعة بالغة لا تزيد على أجزاء من الثانية، مُجندًا مجموعات من الخلايا العصبية تعمل على معالجة المُدخلات البصرية والحسية كي تُمكِّن الدماغ من اتخاذ القرارات السليمة بسرعة.

يوضح الباحثون أن تلك القدرة تدعم عمليات التذكر "المؤقتة" التي تُجريها أدمغتنا في أثناء الحياة اليومية دون الخوف من "النسيان" على الفور.

يقول "برينكات": ذلك الأمر مفيدٌ للغاية في حياتنا؛ فالدماغ يقوم بدمج المعلومات اليومية العادية دون نسيانها خلال الموقف، ثم يتخلص منها بمجرد انتهاء ذلك الموقف؛ فنحن لا نتذكر ألوان السيارات المارة في الطريق أو أنواعها، ولا حتى الكيفية التي عبرنا بها ذلك الطريق؛ لكونها معلومات ليست مهمة على الإطلاق؛ فالدماغ يحتفظ -في الغالب- بالمعلومات المهمة فقط، وتُمكِّننا تلك القدرة من السيطرة إراديًّا على ما نفعله.

في المختبر، قاس الباحثون نشاط مئات الخلايا العصبية في قشرة الفص الجبهي في نصفي الكرة المخية حين كانت الحيوانات تلعب لعبة، واضطروا إلى تثبيت نظرها على جانب واحد من الشاشة حيث ظهرت صورة شيءٍ ما (مثل موزة) لفترة وجيزة في منتصف الشاشة، وهكذا ظهر الكائن على جانب واحد أو آخر من مجال رؤيتها، وكان على الحيوان أن يضع الصورة في الاعتبار (أيْ في ذاكرته العاملة المؤقتة) ثم يشير إلى ما إذا كانت الصورة المقدمة لاحقًا من شيء مختلف (مثل تفاحة).

تذكرت الحيوانات الصور بالفعل، لكنها حين أُجبرت على تحويل نظرها بالكامل عبر وضع صورة لشيء خارج نطاق الرؤية عانت قليلًا للتذكر، يقول الباحثون إن أدمغة الحيوانات لا تواكب حدث التغير كما تفعل أدمغة البشر.

لتحليل قياساتهم في الدماغ، صمم الفريق برنامج كمبيوتر لتحديد الأنماط في البيانات الأولية للنشاط العصبي التي تشير إلى ذاكرة صورة الأشياء (الموز والتفاح في تلك الحالة)، أظهر هذا التحليل أن الدماغ يشفِّر المعلومات حول كل صورة في نصف الكرة المعاكس لمكان وجودها في مجال الرؤية، ولكن الأهم من ذلك، أنه أظهر أيضًا أنه في الحالات التي حولت فيها الحيوانات نظرها عبر الشاشة، فإن النشاط العصبي الذي يشفر معلومات الذاكرة ينتقل من نصف كرة الدماغ الأيمن إلى الأيسر والعكس.

قاس الفريق أيضًا موجات الدماغ، ووجدوا أن نقل النشاط العصبي بين نصفي الدماغ يُحدث تغييرًا في الترددات، هذا يعني أن الدماغ يُعالج المعلومات عبر إحداث تغيير في موجاته.

هناك 5 أنواع لموجات الدماغ تُمثل إشاراتٍ كهربائيةً ذات ترددات مختلفة، تظهر تلك الموجات وفقًا للنشاط العصبي الذي يؤديه الدماغ؛ ففي حالة النوم العميق مثلًا، تظهر موجات "دلتا" البطيئة، أما موجات "جاما" فتظهر في حالات التركيز الشديد، وتظهر موجات "بيتا" في حالة أداء النشاط الواعي، وتنشط موجات "ألفا" في أثناء التفكير المعتدل، في حين تظهر موجات "ثيتا" في حالة النوم غير العميق.

في الحيوانات، وفي أثناء نقل المعلومات، ارتفع التزامن عبر نصفي الكرة لموجات "ثيتا" ذات التردد المنخفض جدًّا (~ 4-10 هرتز)، وموجات "بيتا" عالية التردد (~ 17-40 هرتز)، وتزامن موجات "ألفا / بيتا" (~ 11-17 هرتز).

يقول "برينكات": إن اكتشاف "تبديل الموجات" الذي تُشير إليه تلك الدراسة يُعد الأول من نوعه، وكان بمنزلة المفاجأة؛ فقد أظهرت الدراسة أن نصفي الدماغ يتعاونان معًا لدمج معلومات واقعنا وتعزيز قدرتنا على اتخاذ القرار السليم.