يقول الرسام التشكيلي الفرنسي "هنري ماتيس" إن "الألوان والخطوط قوى، وفي لعبة هذه القوى وتوازنها يكمن سر الإبداع".

مقولة "ماتيس" -الذي يُعد أحد أساتذة المدرسة الوحشية- بدت متناغمةً مع دراسة حديثة، أجراها باحثون بجامعتي جيمس كوك وفلندرز الأستراليتين، وانتهت إلى أن الحالة العقلية للشخص تؤثر على الكيفية التي ينظر بها إلى الأعمال الفنية.

تشير الدراسة إلى أن أي عمل فني يمكن أن يثير الإعجاب أو النفور لدى أشخاص مختلفين، مشددةً على أن "السمات الشخصية للفرد والطريقة التي يتفحص بها العمل الفني بصريًّا تُسهم في ترتيب تفضيله لفن معين على حساب آخر، وأن التحيُّز الإدراكي لدى الشخص يؤدي دورًا كبيرًا في تحديد أولوياته الجمالية".

في بداية البحث، تم إجراء تقييم نفسي للمتطوعين (32 طالبًا من جامعة فلندرز، نصفهم يستخدم يده اليمنى والنصف الآخر يستخدم يده اليسرى، بينهم 23 من الإناث و19 من الذكور).

 خضعت عينة البحث لـ"تحليل الانحدار"، وهو أداة إحصائية تعتمد على تقدير العلاقة بين متغير كمي (متغير تابع) ومتغير كمي آخر أو عدة متغيرات كمية أخرى (متغيرات مستقلة)؛ بهدف التعرف على السمات الشخصية لعينة البحث، وفق "آلي سمبسون"، الباحثة بجامعة فلندرز، وإحدى المشاركات في الدراسة، في تصريحات لـ"للعلم".

كما جرت الاستعانة بمجموعة ضابطة ضمت 26 شخصًا؛ لإجراء ما يُعرف بـ"تحليل التباين"، والذي يستهدف قيـاس دلالـة الفـروق بـين مجمـوعتين أو أكثر، وقياس إذا كانـت هـذه الفـروق ترجع إلى اخـتلاف حقيقـي بـين هـذه المجموعات وليس إلى ظروف التجريب أو المصادفة.

الفروق الفردية

عكف الباحثون على اختبار العلاقة بين الفروق الفردية وحركات العين لدى أفراد العينة عند التعرُّض للوحات من الفن التجريدي؛ إذ عُرضت الصور لمدة 5000 مللي ثانية، وبعد ذلك قام المشاركون بتحديد الجماليات التي أدركوها، وتقييم العمل الفني باستخدام المقياس التناظري البصري (سلم على شكل صورة، الهدف منه تسهيل عملية قياس بعض الخصائص -مثل الألم- التي يصعب قياسها بشكل دقيق، ويُستخدم في الاستبانة).

وتراوحت علامات القياس بين (تبدو جيدة/ تبدو سيئة/ $ 0/5000 دولار). وقد وُضعت هذه العلامات على نحوٍ متوازن، بحيث كانت العلامات الإيجابية على النصف الأيسر بعض الوقت، وعلى النصف الأيمن بعض الوقت، وأضيفت علامات الدولار والأرقام بغرض التشتيت.

تقول "نيكول توماس" -محاضِر علم النفس بجامعة جيمس كوك، والباحثة المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلاقة بين السمات الشخصية وتفضيلات الأشخاص للأعمال الفنية كانت راسخةً بالفعل. فعلى سبيل المثال، وجدنا أن الأشخاص الذين كانوا يعانون من العصابية رأوا أن الفن التجريدي وموسيقى البوب أكثر جاذبية".

لغة العيون

تضيف "توماس" أن "الأشخاص ذوي الطبيعة العصابية عادةً ما ينظرون إلى اللوحة من أعلى اليسار، أما الأشخاص المصابون بالفُصام فلا ينظرون كثيرًا إلى أعلى اللوحة، على خلاف باقي أفراد العينة الذين لم يندرجوا تحت فئة الأشخاص عصبيي المزاج ولا فئة مَن يعانون من الفُصام؛ إذ تركزت حركة أعينهم نحو الجزء العلوي الأيمن في المجال البصري".

يتفق ذلك الطرح مع الاختلافات المعروفة لدى الأفراد المصابين بالعُصابية، والذين يقضون وقتًا أطول في النظر إلى اليسار بشكل عام، مما ينم عن وجود صعوبة في فصل انتباههم والتحول إلى مثير آخر.

وفي المقابل، يبدو أن المشاركين الذين يعانون نزعات انفصام بسيطة اعتمدوا على استراتيجية مختلفة تمامًا في مسح العمل الفني؛ إذ ارتبط ميلهم إلى التركيز على الجزء السفلي من الصورة بعجزهم عن التحكم في التركيز على جزء معين من العمل الفني.

تقول "ندى أبو المجد" -استشاري الطب النفسي بوزارة الصحة المصرية- لـ"للعلم": "إن هناك مجموعةً من العوامل تتحكم في طريقة استقبال الفرد للعمل الفني، وهي سماته الشخصية وحالته المزاجية وتجاربه السابقة، وتؤثر الطريقة التي يستقبل بها الشخص اللوحة على كيفية فهمه وإدراكه لتفاصيلها".

وتضيف أن التواصل البصري للشخص المصاب بالفُصام عادةً ما يكون ضعيفًا؛ إذ إنه لا ينظر إلى العمل الفني بشكل طبيعي، وقد يتفادى النظر إلى اللوحة في البداية، ثم يبدأ في النظر إليها من أسفل، أو أن تكون نظرته في اتجاه خط مائل، أو بطرق أخرى قد تختلف عن الأشخاص العاديين، أما الشخص الذي يعاني من التوتر، فغالبًا ما يكون تواصله البصري مشتتًا، كما أنه غير قادر على أن ينظر إلى جزء معين.

وتشدد على أن حركة العيون تُعَد جزءًا من لغة الجسد التي يستخدمها اليوم أطباء علم النفس بوصفها أحد المعايير التي قد يتعرف بها الطبيب على الحالة المزاجية أو النفسية للمريض، فالشخص المكتئب عادةً ما ينظر للأشياء من أسفل، بخلاف الشخص المتفائل الذي ينظر للأشياء من أعلى.

الألوان والحالة النفسية

الأكثر من ذلك أن الألوان يمكنها كشف حالة الشخص النفسية؛ فالشخص المكتئب يفضل عادةً الألوان القاتمة بل واللوحات ذات الأبعاد المتداخلة غير محددة المعالم، لأنه قد يرى هذه الألوان القاتمة انعكاسًا لشعوره بالاكتئاب واليأس، أما الشخصية الهستيرية فتفضِّل اللوحات ذات الألوان الصاخبة، على حد تعبير "ألفت علام" -استشاري الطب النفسي- لـ"للعلم".

تضيف "علام" أن "لكل شخصية نمطًا فنيًّا تميل إليه؛ لأن الرسم عملية إسقاط يستطيع بها المعالج النفسي استكشاف كثير من مكونات الشخصية".

من جهتها، تعتقد "سمبسون" أن النصف الأيمن من الدماغ يؤدي دورًا مهمًّا في المعالجة العاطفية، مضيفةً أن "العمل الفني يُعد من المثيرات العاطفية، لذا فإن ردود الفعل العاطفية التي أثارها العمل الفني التجريدي قد تدفع الناس إلى تركيز انتباههم على الربع العلوي الأيمن من الصورة، بحثًا عن معالجة عاطفية أفضل، وتنشيط النصف الأيمن للدماغ يتَّسق أيضًا مع المعالجة البصرية المكانية الفائقة، والتي من شأنها تشجيع استكشاف العمل التجريدي على نحوٍ أكثر شمولًا".

الفن وحده لا يكفي

ومع ذلك لم تخلُ دراسة جامعة جيمس كوك من بعض نقاط الضعف، فاستخدام حركة العين قد يكون أحد المؤشرات التي يستطيع بها الطبيب تعرُّف بعض السمات النفسية للشخص، لكنها لا تكفي فقط لتشخيص حالته العقلية، وفق ما تقوله "علام".

تضرب "علام" مثلًا لذلك بمرض الفُصام، مشيرةً إلى أن "الفُصام مرض نفسي قوي ومعقد، ولا يمكن أبدًا أن نكتفي بتشخيصه بنظرات العين تجاه اللوحة، فمن الممكن أن نعدَّ ذلك أحد المؤشرات، لكن التعامل مع نظرة العين بوصفها دليلًا قاطعًا على الإصابة بالمرض أو أنها أحدَ أعراضه أمر يحتاج إلى مزيد من البحث للتأكد من ذلك وتقديم براهين علمية أكثر قوةً لإثبات الطرح الذي أتت به الدراسة".

ورغم الجدل الدائر حول هذه الأطروحة، فإن استخدام الفن أداةً للتشخيص والعلاج يُعَدُّ من المجالات الجديدة التي تتطلب مزيدًا من الاهتمام، وفق "علام".

تشترك "أبو المجد" مع "علام" في الرأي، مضيفةً أن "الفن أصبح يُوظَّف على نحوٍ فعال جدًّا في مجال الصحة النفسية والعقلية، فالأشخاص الذين تعرضوا لصدمات قد يجدون في الرسم متنفسًا لتفريغ طاقتهم السلبية. كما يُستخدم الفن أيضًا في تحسين المزاج أو زيادة الانتباه وغير ذلك. وتُستخدم هذه الأساليب العلاجية أيضًا مع المرضى الذين يعانون من الإدمان في محاولة لتوجيه طاقاتهم إلى أنشطة مفيدة، بدلًا من المخدرات".