أظهرت دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) أن العلاقة بين الباحثين ومَن يوجِّهونهم في أثناء دراستهم العليا تؤدي دورًا مؤثرًا في مستقبلهم الأكاديمي.

وأشارت الدراسة إلى أهمية وجود حالة من "التناغم الفكري" بين الباحث وموجهه، خاصةً إذا كان الموجه يتمتع بقدرات تدريبية مميزة ولديه سجل طويل من الخبرة في مجال الإشراف على أبحاث الدراسات العليا.

يقول "جان ليينار" –المتخصص في علم الرياضيات بجامعة "أوريجون للصحة والعلوم"، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "راجعنا قاعدة بيانات الباحثين الذين تلقوا تدريبًا عمليًّا في أثناء السعي للحصول على الدراسات العليا وما بعد درجة الدكتوراة، وقمنا بتوثيق علاقات التدريب الخاصة بهم".

وقد ركزت الدراسة على العلماء المتخصصين في علوم الأعصاب والأحياء والنبات والحيوان والميكروبيولوجي والكيمياء الحيوية، وتم فحص 18800 مجموعة من العلماء تضم المتدرب والمُدرب في مرحلة الدراسات العليا وموجه المُدرب وهو باحث ما بعد الدكتوراة.

ومن خلال الربط بين النجاح الأكاديمي –الذي يتمثل في الحصول على وظائف مستقلة- والتعامل مع جيل جديد من المتدربين، وجدت الدراسة أن هناك احتمالًا كبيرًا لنجاح الباحثين في السلك الأكاديمي إذا اختلفت موضوعاتهم البحثية عن الموضوعات التي تناولها مَن يوجهونهم في حالة تأثُّرهم بمنهجهم البحثي نفسه.

يضيف "ليينار" أن الباحثين الذين يتدربون مع مشرفين في مرحلة الدراسات العليا أو مع باحثي ما بعد الدكتوراة من ذوي الخبرات المتنوعة يصبحون أكثر نجاحًا في المجال الأكاديمي، إذا حرصوا على دمج هذه الخبرات في عملهم الخاص"، مشيرًا إلى أن "التوجيه العلمي يزوِّد المتدرب بمزايا فكرية مباشرة من خلال تعلُّم مهارات جديدة ومفاهيم مختلفة، ويمنحه أيضًا مزايا اجتماعية غير مباشرة من خلال التعامل مع شبكة علاقات الموجه".

وفي محاولة لمعرفة الدور الرئيسي للتوجيه في البحث الأكاديمي، تم تتبُّع قاعدة البيانات الموجودة على الإنترنت، والتي تضم شبكةً واسعةً من الموجهين والمتدربين، وتُعرف باسم "شجرة العائلة الأكاديمية" منذ يناير 2005.

وقد بدأ هذا المشروع بالتركيز على مجال علم الأعصاب، ثم تَوسَّع ليغطي أكثر من 50 تخصصًا. وقد تم ربط الباحثين في الشبكة بالأبحاث التي قاموا بها من خلال تسجيل آلي من قاعدة بيانات "ميدلاين"، التي تُعد المصدر الأكثر شمولًا لنصوص المجلات الطبية الكاملة على مستوى العالم؛ إذ توفر النص الكامل لأكثر من 1470 مجلة مفهرسة بالكامل، وقاعدة بيانات "سكوبس"، وهي قاعدة بيانات تحتوي على ملخصات ومراجع من مقالات منشورة في مجلات أكاديمية محكمة. وتغطي نحو 22 ألف عنوان في التخصصات العلمية والتقنية والطبية والاجتماعية، بما في ذلك الفنون والعلوم الإنسانية.

يرى "ليينار" أن تأثير التوجيه أو الإرشاد القوي على الباحث يرتبط بقدرته على دمج الخبرات المتباينة التي تلقَّاها من موجهه في أبحاثه، مشيرًا إلى أن "تلك القدرة على الدمج تُعَد بمنزلة جسر يربط بين المعارف المختلفة".

وعن توصياته للباحثين الشباب، يقول "ليينار": احذروا سوء اختيار الموجه المشرف على دراستكم، وابحثوا عن الموجه المناسب لكم؛ لأن الموجه الجيد يساعدكم على بناء مستقبلكم الأكاديمي، ومن المهم تقييم الموجه "المحتمل" وفقًا لمدى النجاح الذي حققه مَن تدربوا على يديه في السابق، وبالنسبة لعملك كباحث ما بعد الدكتوراة، لا تخشَ الابتعاد عن موضوع رسالة الدكتوراة؛ لأن ذلك يتيح لك إثراء معلوماتك وتوسيع دائرة علاقاتك في الأوساط العلمية".