يتطلب الوصول إلى تحقيق هدف الصفقة الأوروبية الخضراء بشأن الحياد المناخي بحلول عام 2050، إمدادات معدنية قد لا يمكن تلبيتها، وفق دراسة أجراها فريق من الباحثين بجامعة لوفان الكاثوليكية في بلجيكا.

وأظهرت الدراسة، التي كُشف النقاب عنها اليوم "الإثنين"، 25 إبريل، أن تحقيق هذا الهدف –والذي يتمثل في التحول إلى اقتصاد بصافي صفر من انبعاثات الغازات الدفيئة- يحتاج إلى 35 ضعفًا من كمية الليثيوم المستخدمة حاليًّا، وما بين 7 و26 ضعفًا من المعادن الأرضية النادرة بشكل متزايد.

وأوضح الباحثون أن "التحول إلى الطاقة النظيفة في أوروبا يتطلب إمدادات سنوية أكبر بكثير من معدن الألومنيوم، بما يعادل 30% زيادة على حجم الاستخدام الحالي، وزيادة 35% بمعدن النحاس، والسيليكون 45%، والنيكل 100%، والكوبالت 330%".

تشير ليزبيت جريجور –الباحثة في مجال معالجة المواد المستدامة وإعادة التدوير، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم" إلى أن "تقنيات الطاقة النظيفة، مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح، ونظم الطاقة الهيدروجينية، وكذلك إنتاج المركبات الكهربائية، والبنية التحتية للشبكات اللازمة لتحقيق هدف الحياد المناخي، تتطلب مزيدًا من الإمدادات المعدنية".

تقول "جريجور" في تصريحات لـ"للعلم": نظرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى لإنتاج هذه التقنيات محليًّا، فإن ذلك يستلزم مضاعفة كميات المعادن المرتبطة بإنتاجها، مقارنةً بمعدلات الاستهلاك الحالية، مما يؤدي إلى ارتفاع الطلب على الإمدادات المعدنية، ومنها الليثيوم، والنيكل، والكوبالت، والألومنيوم، والنحاس، والسيليكون، وغيرها من المواد الأخرى.

وتوضح الدراسة، التي أُجريت بناءً على طلب من الرابطة الأوروبية لمنتجي المعادن، وحملت عنوان "المعادن من أجل الطاقة النظيفة"، أنه "بحلول عام 2050، يمكن تلبية ما بين 40 و75% من الإمدادات المعدنية المطلوبة من أجل التحول إلى الطاقة النظيفة في أوروبا، من خلال عمليات إعادة التدوير المحلية، إذا ما أقدمت دول الاتحاد الأوروبي على الاستثمار في هذا القطاع بكثافة، إلا أنه من المتوقع أن تواجه أوروبا عجزًا كبيرًا في هذه الإمدادات على مدار الـ15 عامًا القادمة، من دون استخراج مزيد من المعادن وتكريرها؛ لتحقيق انطلاقة على مسار التحول إلى الطاقة النظيفة، فضلًا عن الحاجة إلى اتخاذ خطوات للمضي قدمًا في تطوير نظام اقتصادي دائري طويل الأجل، يساعد أوروبا على تجنُّب تكرار اعتمادها الحالي على الوقود الأحفوري.

وفي 8 مارس الماضي، دعت رئيس المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، إلى استقلال أوروبا ووقف الاعتماد على النفط والفحم والغاز الروسي، بقولها: لا يمكننا ببساطة الاعتماد على مورد يهددنا بشكل صريح، نحن بحاجة إلى العمل الآن من أجل تسريع الانتقال للطاقة النظيفة، كلما أسرعنا في التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين، جنبًا إلى جنب مع المزيد من كفاءة الطاقة، كان تحقيق الاستقلال وكفاءة نظام الطاقة لدينا أسرع.

وتُعد الدراسة الصادرة عن جامعة لوفان الكاثوليكية أول دراسة مستقلة تقدم أرقامًا خاصةً بالاتحاد الأوروبي، تتسق مع تحذير وكالة الطاقة الدولية في عام 2021، بشأن تحديات محتملة نتيجة عجز إمدادات المعادن اللازمة للمساعدة في إنهاء الاعتماد على الوقود الأحفوري.

وتوضح الدراسة أنه بحلول عام 2050، فإن خطة الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي، لإنتاج تقنيات الطاقة النظيفة، تتطلب توفير إمدادات معدنية سنويًّا تتضمن 4.5 ملايين طن من الألومنيوم (بنسبة زيادة 33% مقارنةً باستخدامات اليوم)، و1.5 مليون طن من النحاس (35%)، و800 ألف طن من الليثيوم (3500%)، و400 ألف طن من النيكل (100%)، و300 ألف طن من الزنك (10- 15%)، و200 ألف طن من السيليكون (45%)، و60 ألف طن من الكوبالت (330%)، و3 آلاف طن من المعادن الأرضية النادرة مثل النيوديميوم والديسبروسيوم والبراسيوديميوم.

وتعتبر الدراسة أنه "على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي قطع خطواتٍ جادةً نحو تحقيق التزاماته بالإسراع في التحوُّل إلى الطاقة النظيفة، وإنتاج قدر كبير من التقنيات محليًّا، إلا أنه لا يزال يعتمد على استيراد الكثير من المعادن المطلوبة لهذا التحول"، محذرةً من أن "هناك قلقًا متزايدًا بشأن تأمين الإمدادات المعدنية".

وعن دواعي هذا القلق، تقول "جريجور": هناك مخاوف متزايدة بشأن تراجُع المعروض من المعادن على المستوى العالمي، خاصةً أن التحول إلى الطاقة النظيفة لا يقتصر فقط على القارة الأوروبية، بل يمتد إلى مناطق أخرى من العالم، بدأت تستخدم تقنيات الطاقة النظيفة بوتيرة متسارعة، الأمر الذي يتطلب كمياتٍ هائلةً من إمدادات المعادن.

وتتوقع الدراسة أن تواجه أوروبا بعض المشكلات بسبب نقص إمدادات 5 أنواع من المعادن بحلول عام 2030، تتضمن الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس والمعادن الأرضية النادرة، على أن يصل الطلب على المعادن الأولية في أوروبا إلى ذروته عام 2040، وأن تمثل عمليات إعادة التدوير -في الفترة التالية- عاملًا حاسمًا في تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي.

تضيف "جريجور": يجب على أوروبا أن تقرر بشكل عاجل كيف ستعمل على سد الفجوة التي تلوح في الأفق بشأن إمدادات المعادن الأولية، ونحذر من أنه في حالة عدم وجود إستراتيجية حاسمة، فإن الاتحاد الأوروبي يخاطر بالاعتماد على موردين غير مستدامين.

ومن المتوقع، وفق الدراسة، أن تقوض عمليات التعدين التي تعتمد على استخدام الفحم، في كلٍّ من الصين وإندونيسيا، قدرة التكرير العالمية لإنتاج المعادن والأتربة النادرة المستخدمة في إنتاج البطاريات، كما أن أوروبا تعتمد كثيرًا على روسيا في تأمين إمداداتها الحالية من الألومنيوم والنيكل والنحاس.