فيما يشبه نهج التحقيقات في الأفلام البوليسية التي تقتفي آثار الحمض النووي من أجل الإيقاع بالمجرمين، يلجأ الباحثون عادةً إلى تقنيات حديثة لاقتفاء أثر أشكال الحياة البرية الدقيقة التي تصعب رؤيتها، ويُطلق على هذا العلم "الميتاجينوميكس" (metagenomics) أو ما يُعرف بـ"ما وراء الجينوم"، مكَّن هذا العلم الباحثين من دراسة مجتمعات الكائنات الدقيقة المعقدة بالكامل، ودراسة العلاقات بين الكائنات الموجودة في هذه المجتمعات، وذلك للكشف عن التنوع الخفي للحياة المجهرية، ومشاهدة العالم الميكروبي الذي لديه القدرة على إحداث ثورة في فهم العالم الحي بأكمله.

ويربط "الميتاجينوميكس" بين العديد من تقنيات البيولوجيا الجزيئية التي تقوم بدراسة الحمض النووي والجينات من ناحية وعلوم المعلوماتية الحيوية (Bioinformatics) التي تقوم بتحليل البيانات التي تُنتج من هذه التقنيات من ناحية أخرى.

وهناك العديد من دراسات الميكروبيوم التي أُجريت على بيئات المياه المالحة المصرية، ومنها دراسة حديثة أكدت أهمية الفهم الدقيق لعوالم الميكروبات في أنظمة الأحياء المائية وكيفية معالجة هذه الميكروبات وإعادة هندستها، ومكافحة البكتيريا المُمرضة لتقليل الحاجة إلى استخدام المضادات الحيوية وخفض وفيات الأسماك، وذلك عبر دراسة التفاعلات الميكروبية ذات الصلة والإيكولوجيا العامة لهذه الأنظمة.

ونظرًا إلى أنه لا يُعرف الكثير عن ميكروبيوم أسماك البلطي النيلي في مصر، أجرى باحثون مصريون دراسةً يعتبرونها الأولى من نوعها تهدف إلى تحديد طبيعة الكائنات الحية الدقيقة في أسماك البلطي النيلي التي تعيش في بعض بحيرات شمال مصر.

استخدم الفريق في دراسته التي نُشرت في العدد الأخير من دورية أبلايد بايوكيمستري أند بايوتكنولوجي (Applied Biochemistry and Biotechnology) "الميتاجينوميكس" لمحاولة تقديم رؤية أكثر عُمقًا لطبيعة الكائنات الحية الدقيقة لأسماك البلطي النيلي ونظامها البيئي.

واقترح البحث إضافة "بروبيوتيك" (Probiotic) أو معززات حيوية -مكملات غذائية من البكتيريا الحيّة أو الخمائر يُعتقد أنها صحية للكائن المضيف- إلى غذاء الأسماك في المزارع السمكية، لتحسين صحتها والقضاء على البكتيريا المُمرضة، وبالتالي تحسين الثروة السمكية.

أسماك البلطي في مصر

وتحتل مصر المركز الثالث عالميًّا في إنتاج أسماك البلطي، بحوالي مليوني طن سنويًّا، من بينها 1.6 مليون طن من الاستزراع السمكي و400 ألف طن من المصايد الطبيعية، كما تأتي في المرتبة الأولى أفريقيًّا والسادسة عالميًّا في مجال الاستزراع السمكي، وفق أرقام صادرة عن مركز المعلومات الصوتية والمرئية بوزارة الزراعة واستصلاح الأراضي، في فبراير 2022.

ووفق الدراسة، فإن سمك البلطي النيلي يُعد أكثر الأسماك انتشارًا في مزارع الاستزراع المائي في مصر، وتعتمد مصر بشكل رئيسي على مشاريع الاستزراع المائي لإنتاج الأسماك، خاصةً في بحيرات شمال الدلتا.

يقول أحمد محمد سراج، أستاذ الوراثة والبيولوجيا الجزيئية المساعد بقسم الوراثة والهندسة الوراثية في كلية الزراعة بجامعة بنها المصرية، ورئيس الفريق البحثي: إن الأحياء المائية من مصادر البروتين الشائعة في مصر، نظرًا لانخفاض أسعارها مقارنةً بمصادر البروتين الأخرى، واختار الفريق أسماك البلطي النيلي بالتحديد لدراستها، لأنها الأكثر شيوعًا، كما أن أسعارها تُعدُّ في متناول الأسر المصرية بمختلف مستوياتها.

ولزيادة الإنتاجية وتحسين أنواعها وتغطية احتياجات السوق المصرية من أسماك البلطي النيلي، يتجه قطاع الاستزراع السمكي عادةً إلى التغذية الصناعية وإلى بعض التعديلات والتدخلات الكيميائية، ولكن هذه العوامل تُفقدها الكثير من قيمتها الغذائية، كما تنعكس بالسلب على مذاقها.

Credit:Ahmed M. Serag أحمد محمد سراج، أستاذ الوراثة والبيولوجيا الجزيئية المساعد بقسم الوراثة والهندسة الوراثية في كلية الزراعة بجامعة بنها المصرية، ورئيس الفريق البحثي

ولهذا السبب، ركز الفريق بشكل أساسي -وفق حديث "سراج" لـ"للعلم"- على القيمة الغذائية لأسماك البلطي النيلي في المزارع السمكية، ولأن تلك الأسماك تتغذى بشكل رئيسي على العوالق والكائنات الحية الدقيقة الموجودة في الماء، درس الفريق جميع الكائنات الحية الدقيقة الموجودة في أمعاء سمك البلطي النيلي، لأن المحاولات السابقة في هذا المجال كانت محدودةً للغاية، وركزت فقط على نوعين من الميكروبات أو ثلاثة أنواع على الأكثر.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، قال حازم رمضان -أستاذ الأمراض المشتركة المساعد بكلية الطب البيطري، بجامعة المنصورة، والباحث بالمركز القومي الأمريكي لأبحاث الدواجن التابع لوزارة الزراعة الأمريكية (USDA-ARS): إن ما يميز البحث أن الفريق ركز على البلطي النيلي الذي يُعد أحد أكثر أنواع السمك انتشارًا في مصر، وخاصةً في الاستزراع السمكي، نتيجةً لنموه السريع ومقاومته لمختلِف الظروف البيئية المحيطة، وكونه أحد مصادر البروتين زهيدة الثمن.

ميكروبيوم الأسماك

ووفق الدراسة، فإن التركيب الميكروبي لأمعاء الأسماك له تأثيرٌ ملحوظٌ على نمو الأسماك وصحتها وجهازها المناعي، وكما في الإنسان، يساعد تنوع هذا الميكروبيوم على محاربة الميكروبات المسببة للأمراض.

وبالنسبة للأسماك، فإن العامل الرئيسي الذي يؤثر على ميكروبيوم الأمعاء هو جودة المياه ومكوناتها، كما تُسهم عوامل أخرى في التنوع الميكروبي، ومنها نوعية الغذاء الذي تتناوله الأسماك، ومن هنا تسلط هذه الدراسة الضوء على البيئة الميكروبية لبحيرات شمال مصر وكيف يمكن أن يؤثر تلوث المياه على بعض الكائنات البحرية مثل أسماك البلطي النيلي.

وللوصول إلى النتائج، حصل الفريق على عدد كبير من العينات المأخوذة من أمعاء أسماك البلطي النيلي التي تعيش في بحيرتي البرلس والمنزلة، لكن في النهاية استقر على اختيار 5 أنواع فقط من العينات، لأسباب تتعلق بالتكلفة المادية للتقنية المستخدمة في تحليل العينات.

علم "الميتاجينوميكس"

ولتحليل العينات المُختارة، استخدم الفريق علم "الميتاجينوميكس"، وهو علم يهتم بتحليل جميع تتبُّعات المادة الوراثية الموجودة في جميع الكائنات الحية الدقيقة في أمعاء سمك البلطي، وذلك بهدف تحديد جميع أنواعها ودورها الحيوي على الأسماك، وهذا كان يعتبر مستحيلا باستخدام تقنيات البيولوجيا الدقيقة التقليدية.

حصل الفريق على نتائج هائلة من البيانات الخاصة بأنواع الكائنات الدقيقة الموجودة في أمعاء أسماك البلطي النيلي، وجرى حفظ تلك البيانات في أرشيف المركز الوطني الأمريكي للمعلومات التقنية الحيوية (NCBI كان من بينها كائنات جرى التعرُّف عليها لأول مرة، وفق "سراج"، وكان على الفريق ترتيب هذا الكمِّ الهائل من الميكروبات، وتقييمها من حيث أهميتها بالنسبة لتغذية الأسماك، وهنا جاء دور علم الـ(Bioinformatics) الذي يعتمد على برامج إحصائية دقيقة للغاية، واستعان به الفريق لدراسة الميكروبيوم، وتحديد أبرز 10 كائنات دقيقة موجودة بشكل طبيعي في البحيرات ويمكن أن تؤدي دورًا أساسيًّا في تعزيز البروتين وزيادة القيمة الغذائية للأسماك.

إحدى النقاط الإيجابية للدراسة -وفق حازم رمضان- أن الفريق استخدم علم "الميتاجينوميكس" لتحديد أنواع الأحياء الدقيقة الموجودة في أمعاء الأسماك، ومدى تأثيرها على صحته وجودته، أو يمكن أن تكون أحد المسببات المرضية التي يمكن أن تنتقل إلى الإنسان كأحد الأمراض المشتركة، إذ يرتبط اختلافها في أنواع السمك باختلاف الظروف البيئية التي يوجد فيها السمك.

وأضاف أن تحديد أنواع بكتيريا الأمعاء بالطرق التقليدية يستغرق وقتًا طويلًا قد يمتد إلى أسبوع، لكن الفريق استخدم تقنيات "الميتاجينوميكس" التي تسمح بالكشف عن الجينوم بأكمله، وهي إحدى الطرق عالية الإنتاجية لتسلسل الحمض النووي، ويمكن من خلالها معرفة جميع تفاصيل المادة الوراثية المستخرجة مباشرةً من عينات الأمعاء الدقيقة للأسماك في وقت لا يتعدى 6 ساعات، وهذه إحدى ميزات الدراسة.

وأشار إلى أن ميزة هذه التقنية أنها تُنتج لنا ثروةً هائلةً من البيانات والمعلومات الوراثية التي تمكِّن الباحثين من معرفة مسبِّبات الأمراض، وبالتالي إيجاد العلاجات المناسبة لها للسيطرة عليها ومنع انتشارها في المستقبل.

ورغم أن الفريق أجرى دراسةً أولية، عبر أخذ عينتين من بحيرتي المنزلة والبرلس، لكن لو تم تعميم هذه التقنية على قطاع الدواجن، وحيوانات التسمين، فإن ذلك يترتب عليه ميزتان، وفق "رمضان"، الأولى الحفاظ على صحة الحيوان وبالتالي زيادة الإنتاجية، والثانية أن هذه الإستراتيجية ستكون بمنزلة خط الدفاع الأول لمنع انتقال كثير من الأمراض المشتركة إلى الإنسان.

وتابع أن تحليل بكتيريا الأمعاء المأخوذة من الأسماك باستخدام "الميتاجينوميكس" سيسهل علينا كباحثين أو مُربين أو كقطاع الثروة السمكية بصفة عامة، أنه إذا ظهر تفشٍّ ما لمرض معين بين الأسماك يمكن أن يسبب نفوق أعداد كبيرة منها، فإن بإمكان الباحثين خلال يومين على الأكثر معرفة جميع أنواع البكتيريا الموجودة في الأمعاء، ووضع أيديهم على المسببات المرضية وبالتالي اختيار العلاج المناسب الذي يقلل حالات النفوق بين الأسماك.

وتبقى العقبة الوحيدة أمام تطبيق هذه التقنية على نطاق واسع -وفق "رمضان"- أنها مكلفة؛ إذ تصل تكلفة العينة الواحدة من 250 إلى 400 دولار، بالإضافة إلى وجود محدود للغاية لهذه التقنية في الجامعات والمعاهد البحثية في مصر، لكنه يتطلع خلال السنوات المقبلة إلى إتاحة هذه التقنية من خلال مشاريع بحثية ممولة، لتوسيع تطبيق هذه التقنية في مجالات القطاع الحيواني والصناعات القائمة عليه، مع الوضع في الاعتبار أنه مع الانتشار ستنخفض تكلفتها مع مرور الوقت.

"عليقة" طبيعية

لكن ما فائدة تلك النتائج؟ يقول "سراج" إنه باستخدام الكائنات الدقيقة العشرة التي حددها الفريق في الدراسة والتي توجد بشكل طبيعي في المياه التي تُربى فيها الأسماك، يمكن تحسين نوع اللحم الخاص بالسمك والوزن بالتوازي مع الحفاظ على القيمة الغذائية، وبالتالي تتحقق المعادلة الكاملة في إنتاج كميات كبيرة من أسماك المزارع مع الحفاظ على مذاقها الجيد وقيمتها الغذائية.

ويتم ذلك عبر وضع الكائنات الدقيقة الـ10 في عليقة طبيعية بالمزارع السمكية، بدلًا من المواد الكيميائية الضارة التي يتم وضعها عادةً لزيادة أوزان الأسماك، وهنا يحقق أصحاب المزارع هدفهم في زيادة الإنتاجية مع الحفاظ على جودة وصحة وسلامة المنتج الذي يصل إلى المستهلك.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، اعتبر شريف الخميسي -أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد ومدير معهد علاج الأورام بجامعة برادفورد في المملكة المتحدة- أن الدراسة تُعد إحدى الخطوات الأولى نحو مزيد من التحكم في مدى صلاحية أسماك البلطي في مصر وجودتها، وهذه خطوة ربما لم يتطرق إليها أحد من قبل.

وأضاف أن من النتائج الجيدة للدراسة أيضًا، اقتراحها إضافة "بروبيوتيك" أو عليقة طبيعية إلى غذاء الأسماك في المزارع، بحيث يحد عبر عملية التمثيل الغذائي من النسب المرتفعة للزئبق في أمعاء الأسماك نتيجة المياه الملوثة.

الأسماك وتلوث المياه

وبجانب الكائنات الدقيقة الموجودة بشكل طبيعي والتي تسهم في تغذية الأسماك، تُسلط النتائج الضوء على وجود بعض أنواع البكتيريا المُسببة للأمراض التي تضر بصحة الأسماك وتمثل خطرًا على صحة الإنسان، ما يشير إلى الحاجة المُلحّة للسيطرة على تلوث المياه في البحيرات الشمالية المصرية، ورصد تأثير الأنشطة البشرية على جودة المياه، ومنها التلوث بمياه الصرف الصحي والنفايات ومخلفات المراكب، والصيد بالطرق غير المشروعة كالصيد بالديناميت الذي يلوث مياه البحيرات؛ لأنها تقتل السمك وتُفقده قيمته الغذائية، كما تقتل الكائنات الدقيقة المفيدة التي يتغذى عليها السمك.

ويشير "الخميسي" إلى أن الفريق ركز على رصد مدى تأثير نسب التلوث في المياه على تنوع ميكروبيوم الأمعاء داخل أسماك البلطي التي تُعَدُّ من الثروات القومية في مصر، والتى تجلب عوائد مادية، ووجد أن نسبة الميكروبات المُمرضة له علاقة بتلوث البحيرات بمادة الزئبق، وعقب فك الشفرة الجينية للميكروبات، توصلوا إلى أن هذا التلوث يمكن أن يؤدي إلى إحداث فروق في تنوع ميكروبيوم الأمعاء لأسماك البلطي.

واعتبر أن هذه الطريقة التي اتبعها الفريق في تحليل ميكروبيوم الأمعاء يمكن أن تكون مؤشرًا يُفصح لنا عن أنواع التلوث التي يمكن أن تتعرض لها الأسماك بشكل عام، وبالتالي تساعد على إيجاد الطرق المناسبة لمكافحتها، كما يمكن أن يكشف لنا أيضًا عن المناطق التي تعاني فيها الأسماك من نسب كبيرة في التلوث وبالتالي يمكن تجنُّب الاصطياد فيها، وهذه الأمور يمكن أن تعود بتأثيرات إيجابية على تحسين جودة الإنتاج وسلامة الغذاء من التلوث.

ومنذ فترة طويلة ظل تلوث الأسماك بالزئبق مرتبطًا بالإضرار بالأجهزة العصبية والهضمية وجهاز المناعة والرئتين والكليتين والعينين لدى الإنسان، وقد يُسفر التعرّض للزئبق حتى بكميات قليلة عن المعاناة من مشكلات صحية جسيمة، ويمثل تهديدًا لنمو الطفل داخل رحم أمه وفي أولى مراحل حياته، وقد يتعرّض الناس للزئبق في ظل ظروف مختلفة، منها تناول الأسماك وحيوانات المحار الملوثة بميثيل الزئبق، إذ لا يؤدي الطبخ إلى إزالة الزئبق، وفق منظمة الصحة العالمية.

وعن هذا الخطر، يشير "الخميسي" إلى أن انتقال الزئبق إلى الإنسان يمكن أن يتم إذا تناول كميات كبيرة وبشكل منتظم ولمدة 10 سنوات على سبيل المثال، وعلى فترات طويلة، وليس بمجرد تناول أكلة أو اثنتين من الأسماك الملوثة.

ووافقه الرأي "سراج"، مشيرًا إلى أن التلوث لا يقتصر على الزئبق فقط، بل يمكن أن تكون الأسماك ملوثةً بمعادن ثقيلة أخرى، تضر بصحة الإنسان من ناحية، وتُفقد السمك قيمته الغذائية ومذاقه المميز من ناحيةٍ أخرى.

وعن الخطوات المقبلة، أشار "سراج" إلى أن الفريق سيبدأ بالفعل في تجربة ذلك في مزارعه داخل الجامعة، أو في القطاع الخاص، وذلك كي ينتقل البحث إلى الجانب القابل للتطبيق، كما سيبدأ في اختيار ودراسة عينات أكبر من بحيرات أخرى في مصر لتطبيق التجارب عليها، وفي حال تحولت النتائج إلى مشروع كبير، نتوقع أن تحد هذه العليقة الطبيعية من تلوث الأسماك، وقد تجعل أسماك المزارع أفضل في الوزن والقيمة الغذائية من الأسماك التي تتربى في النيل، لأنها تستبعد البكتيريا الضارة وتركز فقط على الكائنات الدقيقة المفيدة للأسماك.