يشتمل الاستغراق الذهني على التركيز الواعي على حالتك الذهنية الحالية والأجواء المحيطة بك، وإدراكهما، وذلك من دون إصدار أحكام أو إبداء ردود أفعال. تعود جذور الاستغراق الذهني إلى البوذية، وطُوِّرَ في سبعينيات القرن العشرين على يد جون كابات زين، الذي أسس عيادة "تخفيف التوتر من خلال الاستغراق الذهني" في كلية الطب بجامعة ماساتشوستس، بحيث صار يُستخدَم كتدخل علاجي لعلاج التوتر لدى الراشدين. وعلى مدار العقود العديدة الماضية، تطورت ممارسة الاستغراق الذهني حتى صارت صناعة مزدهرة تقدَّر بمليارات الدولارات، مع تزايُد المزاعم بأن الاستغراق الذهني هو الدواء الشافي لمجموعة كبيرة من الأمراض، تشمل التوتر والاكتئاب ونقص الانتباه واضطرابات الأكل وتعاطي المخدرات وزيادة الوزن والشعور بالألم.

غير أنه في الأغلب ليست جميع هذه المزاعم صحيحة. يحدد تقييم نقدي حديث لأدبيات الاستغراق الذهني لدى الراشدين عددًا من نقاط الضعف في الأبحاث الحالية، تشمل الافتقار إلى مجموعات ضابطة عشوائية، وصغر حجم العينات، وارتفاع معدلات تسرُّب المشاركين من الدراسات، وعدم الإجماع على تعريف للاستغراق الذهني. علاوة على ذلك، فإن المراجعة المنهجية التي أُجريت على دراسات للتدخلات العلاجية لم تتوصل إلى أدلة كافية على فوائد الاستغراق الذهني في الانتباه، أو الحالة المزاجية، أو النوم، أو ضبط الوزن، أو إدمان المخدرات.

ومع ذلك، ثمة أدلة تجريبية على أن الاستغراق الذهني يفيد نوعًا ما في حالات القلق والاكتئاب والشعور بالألم لدى الراشدين على الأقل. هل يمكن الاستعانة بالاستغراق الذهني بوصفه أداةً فعالة في علاج الاكتئاب والقلق لدى المراهقين؟ تشير بعض الأبحاث إلى إمكانية ذلك، غير أن هذه الأبحاث تعتريها نفس نقاط الضعف التي تكتنف الدراسات التي أُجريت على الراشدين (مثل الافتقار إلى استخدام مجموعات ضابطة عشوائية وصغر حجم العينات). وفي محاولة لعلاج أوجه النقص هذه، أجرت كاثرين جونسون وكريستين بيرك وسالي بريكمان وتريسي ويد دراسةً واسعة النطاق، تضم مجموعةً ضابطة عشوائية، لتقييم فوائد التدرُّب على الاستغراق الذهني لدى المراهقين.

أجرت الباحثات تقييمًا لفاعلية تدريب الاستغراق الذهني على 308 طلاب من مراحل تعليمية متوسطة وعليا (متوسط أعمارهم 13.6 عامًا) ومن أوساط اجتماعية واقتصادية مختلفة. كان الطلاب مقيدين في 17 فصلًا مختلفًا موزَّعين على خمس مدارس مختلفة. تطوع الطلاب للمشاركة في الدراسة، ووُزِّعُوا عشوائيًّا على المجموعة الضابطة أو مجموعة التدرُّب على الاستغراق الذهني. لم يتلقَّ الطلاب في المجموعة الضابطة تدريب الاستغراق الذهني، لكن شاركوا بدلًا من ذلك في مشروعات مجتمعية، أو تلقوا دروسًا في الرعاية المدرسية. أما الطلاب في مجموعة الاستغراق الذهني، فقد أمضوا ثمانية أسابيع من التدريب على منهج "دوت بي" المخصص لطلاب المدارس، ويقوم على التدخل بالاستغراق الذهني لتخفيف التوتر لدى الراشدين، وهو تدخل علاجي مرجعي. تراوحت المدد الزمنية للجلسات بين 35 و60 دقيقة، بمعدل جلسة واحدة أسبوعيًّا، وبالاستعانة بالمدرب المعتمد نفسه. وعلاوة على جلسات التدريب الأسبوعية، كان المراهقون في مجموعة الاستغراق الذهني يُشَجَّعون على ممارسة أساليب الاستغراق الذهني في البيت، وأُعطُوا كتيبات إرشادية تساعدهم على أدائها.

خضع جميع المشاركين للتقييم في ثلاث مراحل زمنية مختلفة من عمر الدراسة؛ إذ أُخِذَت قياسات مرجعية للحالة العادية للمشاركين قبل التدخل بأسبوع، وأُخِذَت كذلك بعد انتهاء جلسات البرنامج التدريبي بأسبوع، ثم أُجري تقييم متابعة بعد ثلاثة أشهر تقريبًا. اشتملت الدراسة على قياسات للقلق والاكتئاب ومشكلات الوزن والشكل والشعور بالسعادة والاضطراب العاطفي والتعاطف مع الذات والاستغراق الذهني. وكذلك طُلِب من المشاركين ذكر مدى التزامهم بالتدريب المنزلي وأن يقدموا تقييمًا لهذا التدخل العلاجي. كانت معدلات تسرُّب المشاركين من التجربة منخفضة (16% فقط من المشاركين لم يحضروا مرحلة المتابعة) وكانت متقاربةً في المجموعتين.

رغم تعدُّد المقاييس التي استُخدمَت لقياس النتائج في الدراسة، لم يوجد أي دليل على استفادة مجموعة الاستغراق الذهني من التدريبات، سواء بعد انتهائها مباشرة أو خلال المتابعة اللاحقة. بل إن شدة القلق ازدادت في الذكور في مجموعة الاستغراق الذهني في أثناء مرحلة المتابعة مقارنةً بالذكور في المجموعة الضابطة. ويمكن إبداء الملحوظة نفسها على المشاركين الذين كانوا يعانون قبل الدراسة درجةً منخفضةً من الاكتئاب ومخاوفَ متعلقةً بالوزن؛ إذ تَسبَّب تدريب الاستغراق الذهني في زيادة شعور هؤلاء الأشخاص بالقلق مع مرور الوقت.

إن التصميم المدروس بعناية لهذه الدراسة والتنفيذ الدقيق لها أسهَما في علاج بعض نقاط الضعف التي اكتنفت دراسات سابقة؛ لأن الباحثين استخدموا عينة كبيرة ومتنوعة مأخوذة من أماكن مختلفة، وشكلوا مجموعة ضابطة عشوائية، واستخدموا منهجًا للاستغراق الذهني يناسب أعمار المشاركين، واستعانوا بمدرب معتمد، ووضعوا عددًا كبيرًا من مقاييس النتائج. لم تُظهِر هذه الدراسة الخاضعة للضبط الدقيق وجود تأثير إيجابي للاستغراق الذهني وفق أي مقياس من المقاييس، بل أشارت إلى أنه أحدث تأثيرات سلبية على بعض المشاركين، وهذه الحقيقة تعني أن تدريب الاستغراق الذهني ليس الحل الشامل لعلاج القلق أو الاكتئاب لدى المراهقين، كما لا يرقى لأن يكون بديلًا للعلاجات النفسية أو الدوائية، أو على الأقل ليس بالطريقة التي نُفِّذ بها في هذا النموذج المدرسي.

قبل أن نستبعد تمامًا العلاج بالاستغراق الذهني لدى المراهقين، من المهم أن نضع في الاعتبار بعض أوجه القصور بالدراسة. فالتدريب التقليدي القائم على الاستغراق الذهني لتخفيف التوتر، الذي كان فعالًا في الحد من الاكتئاب والقلق لدى الراشدين، اشتمل على ما يتراوح بين 20 و26 ساعة تدريبًا رسميًّا، ويتضمن جلسة مدتها 6 ساعات، وثماني جلسات أسبوعيًّا مدة الجلسة الواحدة منها ساعتان، وجلسات منزلية يومية مدتها 45 دقيقة. وعلى النقيض من ذلك، ولأن جونسون وزميلاتها حاولن تعديل التدريب بحيث يلائم الجدول المدرسي، كانت الجلسة الواحدة تستغرق ما يتراوح بين 35 و60 دقيقة، وبلغ إجمالي عدد ساعات التدريب ما بين 4.5 إلى 8 ساعات. كما اختصرت جونسون وزميلاتها الجلسة التمهيدية المصممة لمساعدة المشاركين على فهم فوائد الاستغراق الذهني. كما أشار المشاركون إلى انخفاض نسب التزامهم بالتدريب المنزلي (26% في أثناء مدة البرنامج التدريبي، الذي استمر ثمانية أسابيع، و13% في أثناء مرحلة المتابعة). ربما أدى كل ذلك إلى تحجيم الفوائد المحتملة، وربما مع التدريب المكثف والممارسة المنزلية المنتظمة تكون النتائج أفضل.

ومثلما قد يؤكد ولي أمر أي مراهق، فإن فترة المراهقة قد تكون مرحلةً صعبة. فالنضج العاطفي والنفسي والإدراكي لا يواكب دومًا النمو الجنسي والجسدي، ومن ثَمَّ ليس من الغريب أن تظهر على الأغلب مشكلات الاكتئاب والقلق في أثناء فترة المراهقة. قد تصير هذه الحالات مزمنة أحيانًا، ومن ثَمَّ تؤثر على الصحة الجسدية والحياة الاجتماعية والنجاح الأكاديمي. لهذا لن يكون العلاج الفعال مهمًّا في تلبية احتياجات المراهقين الفورية للشعور بالسعادة وحسب، ولكنه مهم أيضًا فيما يخص النتائج طويلة الأمد. إن البرامج الوقائية الشاملة التي تُنفَّذ في المدارس مغرية؛ لانخفاض تكلفتها نسبيًّا وإمكانية تطبيقها على قطاع واسع من الطلاب خلال مراحل النمو الأساسية. وقد يرى الكثيرون أن الاستغراق الذهني هو المرشح المثالي للتدخلات التي يمكن إجراؤها داخل المدارس؛ إذ رَوَّج له اختصاصيون ممارسون، ووسائل إعلامية، وشركات مثل جوجل وتارجت، وحتى بعض الهيئات الحكومية والتعليمية. انضمت نتائج دراسة جونسون وزميلاتها إلى نتائج أعداد متزايدة من الدراسات التي تشير إلى الحاجة إلى تحري مزيدٍ من الدقة العلمية فيما يتعلق بأبحاث الاستغراق الذهني، ومزيدٍ من العناية عند تحليل النماذج والإجراءات، وسلوك نهج يتمتع بالمزيد من الوعي الذهني عند التعامل مع الاستغراق الذهني.