قبل عقود، أحدث اكتشاف المضادات الحيوية ثورةً في عالم الطب الحديث؛ إذ جرى التعامل معها باعتبارها "رصاصات سحرية"، أو ترياقًا للعديد من الأمراض القاتلة والمستعصية، ولكن إساءة استخدامها واللجوء إليها من دون استشارة الطبيب أدى إلى ضعف فاعليتها، والأخطر أنه ولَّد مقاومة لها من سلالات الميكروبات المتطورة، ما أصبح واحدة من قضايا الصحة العامة، التي تمثل خطرًا كبيرًا في حربنا ضد الأمراض المُعدية.

وتحذر المؤسسات الدولية من أن  700 ألف شخص يموتون سنويًّا على مستوى العالم بسبب مقاومة المضادات الحيوية، في حين تحذر منظمة الصحة العالمية من انتشار الأمر على نطاق واسع بين نصف مليون شخص ممّن يُشتبه في إصابتهم بالتهابات بكتيرية في 22 بلدًا، وفق تقرير صادر نهاية يناير 2018.

مشكلة صحية كبرى

ويمثل الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية "مشكلة كبرى" في الصحة العامة على مستوى العالم. ففي الولايات المتحدة، يحصل المرضى على المضادات الحيوية بطرق مختلفة، سواء من أماكن غير مرخصة ومن محال بيع الحيوانات الأليفة ومتاجر الأغذية الصحية، أو من خلال وصفات الأقارب أو الأصدقاء، أو حتى عبر صفحات الإنترنت.

ووفقًا لدراسة مرجعية نشرتها دورية "أنالز أوف إنتيرنال ميديسين"، فإن استخدام المضادات الحيوية دون استشارة الطبيب ينتشر في كل المجموعات الاجتماعية والاقتصادية والديموجرافية التي خضعت للدراسة، محذرةً من أن "لجوء المرضى إلى المضادات الحيوية دون استشارة الطبيب يجعلهم عُرضةً لأخذ دواء غير ضروري أو جرعة غير سليمة، مما قد يسبب لهم مشكلات صحية يمكن تجنُّبها، إضافةً إلى زيادة تعرُّضهم لاحتمالات حدوث مقاومة للمضادات الحيوية".

في هذا السياق، قام الباحثون في كلية طب "بيلور" و"مركز الابتكارات في الجودة والفاعلية والأمان" في مدينة "هيوستن" الأمريكية، بمراجعة 31 دراسة منشورة؛ لتحديد مدى انتشار الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية دون رُوشِتّة طبية والعوامل المتسببة في هذه الظاهرة في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تراوح الاستخدام العشوائي من 1% بين المترددين على العيادات إلى 66% بين العمال المهاجرين من أصل لاتيني، كما تراوحت نسبة تخزين المضادات الحيوية لاستخدامها لاحقًا من 14% إلى 48%؛ كما أقر 25% من المبحوثين بعزمهم على تناولها دون استشارة الطبيب.

وتنوعت العوامل التي تُسهم في تفشِّي هذه الظاهرة بين عدم التمتع بتأمين صحي أو إمكانية الحصول على رعاية طبية، وارتفاع تكلفة زيارة الطبيب، والتحرُّج من طلب المساعدة عند تعلُّق الأمر بعدوى منقولة جنسيًّا، وعدم إمكانية الاستئذان من العمل للعرض على الطبيب، وأسباب كثيرة أخرى.

ويطالب الباحثون بدراسات جديدة للوقوف على كَم استهلاك المضادات الحيوية دون وصفة طبية، واكتشاف العوامل القابلة للتعديل التي تؤدي إلى هذه الممارسات غير الآمنة.

الوضع في مصر

ويتفق "عمرو أبو العطا" -مسؤول برنامج الترصد والاستعداد والاستجابة بمكتب منظمة الصحة العالمية في مصر- مع نتائج الدراسة التي تعتبر الاستخدام العشوائي للمضادات الحيوية من دون وصفة طبية مشكلةً عالمية.

يقول "أبو العطا"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن هذا الأمر دفع مصر للإعلان عن خطة قومية لمكافحة الميكروبات المقاوِمة للمضادات الحيوية (2018-2022)، وهي خطة تعتمد على أربعة محاور، إذ إنها لا تقتصر على الصحة العامة، بل تمتد إلى الصحة الحيوانية وسلامة البيئة والقطاع الزراعي".

ويضيف "أبو العطا" أن "تلك الخطة تشمل التدريب والتوعية والتثقيف، والبحث العلمي، وترصد الميكروبات المقاومة والعدوى المكتسبة داخل المنشآت الصحية، وكيفية التعامل مع الحيوان، والاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية، ودعم أنظمة مكافحة العدوى وتقويتها. وقد شارك في وضع هذه الخطة القومية خبراء من وزارتي الصحة والسكان والزراعة وهيئة الخدمات البيطرية ومنظمتي الصحة العالمية والفاو. وتهدف الخطة إلى تقليل معدلات العدوى وحالات الوفاة المصاحبة للاستخدام غير الرشيد للمضادات الحيوية في كل القطاعات".

من جانبه، يؤكد "باسم زايد" -ممثل المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط- في تصريحات لـ"للعلم"، قيام 14 دولة من دول الإقليم الاثنتين والعشرين باعتماد خطط وطنية للتصدي لظاهرة مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية.

وقد أُجريت دراسة عالمية شملت 10 آلاف مواطن من 12 دولة -منها مصر والسودان- من إقليم شرق المتوسط عام 2015 حول وعي المجتمعات بهذه الظاهرة، ولكن لا توجد حاليًّا إحصائيات دقيقة حول معدلات استهلاك المضادات الحيوية في دول الإقليم، وفق الدراسة.

ويعلق "زايد" على الدراسة، قائلًا: "هناك تشابه بين أسباب استهلاك المضادات الحيوية في المجتمعات المختلفة، ولكن الظروف السياسية والصراعات والنزوح الجماعي (داخليًّا وخارجيًّا) توفر بيئة مواتية لزيادة الاستهلاك والاستخدام دون استشارة طبية".

الأسبرين أيضًا في قفص الاتهام

وفي سياق منفصل، حذرت دراسة نشرتها الدورية ذاتها "أنالز أوف إنتيرنال ميديسين" من استخدام الأسبرين استخدامًا عشوائيًّا في الولايات المتحدة، موضحة أن "ستة ملايين أمريكي يتناولون الأسبرين يوميًّا دون استشارة الطبيب".

ويعود الفضل في تصنيع "الأسبرين" إلى العالِم الألماني "فيليكس هوفمان"، الذي تمكَّن من تكوين شكل نقي ومستقر كيميائيًّا من حمض الساليسيليك في 1897 قبل أن تتمكن شركة "باير" الألمانية من تصنيعه كدواء في عام 1899، وظل "الأسبرين" على مدى 120 عامًا أبرز الأدوية المستخدمة في علاج الألم والصداع النصفي، والحمى، ونزلات البرد والإنفلونزا.

وبعد سنوات طويلة من الترويج لأهميته في الوقاية الأولية من أمراض القلب والأوعية الدموية بدعم من الأطباء والجمعيات الطبية المتخصصة، رصد الباحثون عشوائية استخدام الملايين في العالم له استخدامًا روتينيًّا دون استشارة الطبيب، مما يتسبب في مشكلات صحية لهم.

ولهذا أوصت "جمعية القلب الأمريكية" و"الكلية الأمريكية لأمراض القلب" بعدم الاستخدام اليومي للأسبرين للأشخاص أكبر من 70 عامًا وللذين يعانون من زيادة خطر النزف بسبب مشكلات في تجلُّط الدم.

ويؤكد الباحثون أن تغير المبادئ التوجيهية في مارس 2019 بعدم استخدام الأسبرين استخدامًا روتينيًّا جاء نتيجة ثلاث تجارب إكلينيكية أُجريت عام 2018 ونشرتها دورية "نيو إنجلند جورنال أوف ميديسين": الأولى على مرضى السكري، والثانية لقياس تأثير الأسبرين على خفض الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية، والثالثة لدراسة تأثيره على المسنين فوق 65 عامًا، وأجمعت الدراسات الثلاث على قلة فوائد الأسبرين ومخاطر النزف عند تناوله يوميًّا.

وكان الباحثون من مركز"بيث إسرائيل ديكونس" الطبي وكلية طب "هارفارد" قد استخدموا البيانات المتاحة من عينة الكبار في مسح الصحة الوطني لعام 2017 -وهو مسح شخصي في الأسرة عن الصحة والإعاقة بين الكبار في الولايات المتحدة- لتحديد مدى استخدام الأسبرين للوقاية الأولية من أمراض القلب والأوعية الدموية.

وقد تبين أن 23.4% (نحو 29 مليون شخص) من البالغين فوق عمر 40 عامًا فأكثر يستخدمون الأسبرين يوميًّا للوقاية. ومن بين هؤلاء 22.8% (6.6 ملايين شخص) يواظبون على تناوله دون استشارة الطبيب. وتبين أن حوالي نصف الأمريكيين فوق عمر 70 عامًا أو أكبر من غير المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية يتناولون الأسبرين.

وأظهرت الدراسة أن التقدم في السن، والذكور تحديدًا، وعوامل الخطر للقلب والأوعية الدموية -مثل الإصابة بمرض السكري، وارتفاع نسبة الدهون، وارتفاع ضغط الدم، والتدخين- ارتبطت ارتباطًا كبيرًا بتناول الأسبرين. ولاحظ الباحثون أيضًا أن وجود إصابة سابقة بالقرحة الهضمية لم يقلل من استهلاك الأسبرين، وهو ما يستلزم رفع وعي المرضى بهذا الخطر من خلال مقدمي الرعاية الصحية.

من جهتها، تقول "كريستينا وي" -أستاذ الطب الباطني والرعاية الأولية المساعد في كلية طب "هارفارد"، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "ما فاجأنا بعض الشيء هو الأعداد الكبيرة من كبار السن الذين يتناولون الأسبرين، ممن لا يعانون بالفعل من مرض أو سكتة دماغية حالية، خاصةً أن الأسبرين يتسبب في زيادة احتمال النزف لدى مرضى القرحة الهضمية، مما يزيد الحالة سوءًا، كما أنه يسبب لهم أيضًا التهاب المعدة".

وتأمل "وي" أن يؤدي تسليط الضوء على مخاطر الأسبرين إلى رفع الوعي لدى الجمهور، وأن يستشير أي مريض طبيبَه المعالج قبل تناوُله على الدوام، وتوعية المرضى بفوائد الأسبرين وأضراره من خلال أطبائهم ومقدمي الرعاية الصحية، وفق قولها.

تفاعلات خطيرة

وتتفق أمل ابراهيم حسانين -وكيل شعبة البحوث الطبية بالمركز القومي للبحوث في مصر- مع الدراسة الأمريكية، مشيرةً إلى أن "بعض التجارب المعملية التي أُجريت على حيوانات التجارب في المركز القومي للبحوث في مصر للتأكد من الفوائد المرجوة من استخدام الأسبرين كمادة مسكنة للألم، كشفت أن استخدامه العشوائي يؤدي إلى مخاطر، مثل تهيُّج الجهاز الهضمي والنزيف وحدوث قرح المعدة".

وتضيف "حسانين" أن "المرضى من كبار السن هم الأكثر عرضةً لخطر الإصابة بالنزيف والقرح الهضمية، وخاصةً إذا كانوا يتناولون الأسبرين مع الأدوية التي تُستخدم لزيادة سيولة الدم عن طريق منع تكوُّن الجلطات الدموية (تخثر الدم)، أو منع نموها (مثل الوارفارين أو كلوبيدوجرل)، أو مسكنات الألم أو مضادات الالتهاب غير الستيرويدية (التي لا تحتوي على الكورتيزون). علاوة على ذلك، قد يزيد العلاج اليومي بالأسبرين من خطر حدوث نزيف بالمخ".

وتشدد "حسانين" على أن "القرار الطبي المتعلق باستخدام الأسبرين كعلاج وقائي يجب أن يأخذ في الاعتبار بعض العوامل، مثل عمر المريض، وتاريخ الإصابة بأمراض القلب، وخطر التعرُّض للنزيف، إضافةً إلى معرفة الأدوية الأخرى التي يتناولها المريض، مثل مضادات التخثر في الدم ومسكنات الألم، وخاصة مضادات الالتهاب غير الستيرويدية؛ لتجنُّب حدوث تفاعلات خطيرة بين الأسبرين وتلك الأدوية".