العديد من مؤشرات القلب -متضمنةً معدل ضربات القلب وضغط الدم- تُظهر إيقاعًا متزامنًا مع الساعة البيولوجية للجسم، تغيير هذه المؤشرات على مدار اليوم يساعد الجسم على الانتقال من الراحة أو النوم إلى النشاط والاستيقاظ.

 كما أن التغيرات الصحية لدى المصابين بأمراض القلب والأوعية الدموية القاتلة تعتمد على أوقات اليوم؛ إذ تبلغ ذروتها في الساعات الأولى من الصباح.

فعلى سبيل المثال، تبلغ نسبة حدوث النوبات القلبية ذروتها بين الساعة 06:00 صباحًا و12:00 ظهرًا، وتبلغ ذروة الإصابة بتسرُّع القلب البطيني (اضطراب في نظم القلب) والموت القلبي المُفاجئ في الصباح الباكر أيضًا.

وفيما سبق، ربط العلماء هذه التقلبات في وظائف القلب بالسلوكيات اليومية، كالنوم والاستيقاظ، والصيام وتناول الطعام، والتغيرات في العوامل العصبية الهرمونية مثل زيادة هرمونات الكاتيكولامين -المسؤولة عن النشاط والتأهب- في وقت الاستيقاظ والارتفاع المفاجئ في نشاط الجهاز العصبي السمبثاوي.

كما ظهرت أدلة حديثة تدعم فكرة وجود ساعة بيولوجية ضمن نظام القلب والأوعية الدموية، تنظم وقت اليوم وفقًا للتغيرات التي تطرأ على وظائف القلب، ولكن لا تزال الآلية الدقيقة التي يُنسق بها نظام الساعة البيولوجية توازن القلب غير واضحة.

دراسة حديثة، نُشرت في دورية "جورنال أوف أدفنسد ريسيرش" المصرية، أماطت اللثام عن حدوث تراكم لأيونات الكالسيوم (2Ca+) بشكل زائد داخل الميتوكوندريا، وزيادة إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلي أو ما يُعرَف بالجذور الحرة (ROS) في أثناء النوم، وكشفت عن أن السمات المرضية المتعلقة بنقص التروية -أي نقص تدفق الدم- تتضمن تراكم أيونات (2Ca+) في الميتوكوندريا والحد من إنتاج مركبات (ATP) المعروفة بأنها عملة الطاقة الحيوية في الجسم.

تضم الدراسة المنشورة باحثين من مصر وبريطانيا وأمريكا، وتكمن أهميتها في محاولة كشف أسرار التفاعلات المعقدة بين إيقاع الساعة البيولوجية وتوازن أيونات الكالسيوم الذي تُحدثه الميتوكوندريا في القلب، وذلك من خلال دراسة ديناميكية أيونات (2Ca+) وانتقالها من الميتوكوندريا وإليها، ووظائف التنفس، وتركيز أنواع الأكسجين التفاعلي في قلوب الفئران خلال مراحل مختلفة من عملية الاستيقاظ والنوم.

وتؤدي أيونات الكالسيوم (2Ca+) دورًا رئيسيًّا في تنظيم توازن الطاقة في القلب وتنسيق نشاط انقباض عضلته، إذ يحدث خلل في توازن أيونات الكالسيوم عند الحالات المرضية للقلب والأوعية الدموية، ويتضمن ذلك قصور القلب ونقص التروية.

ميتوكوندريا القلب

تحتاج الميتوكوندريا إلى أيونات (2Ca+) لإنتاج مركبات (ATP) داخل الخلية من أجل انقباض عضلة القلب، إذ تحصل العضلات على الطاقة اللازمة لانقباضها وانبساطها من هذه المركبات، ومع ذلك فإن تراكُم أيونات (2Ca+) بشكل مُفرط داخل الميتوكوندريا يسبب تثبيط عملية التنفس الخلوي، وزيادة في إنتاج أنواع الأكسجين التفاعلي وتورم الميتوكوندريا وموت الخلية بشكل مُبرمج (Apoptosis) في نهاية المطاف.

ووجد باحثو الدراسة أن تراكُم أيونات (2Ca+) في ميتوكوندريا القلب يسبب تغيير الجهد الغشائي للخلية ويبطئ أنشطة الجهاز التنفسي ويزيد من مستويات ROS، مما قد يسهم في زيادة التعرض للإجهاد القلبي في أثناء الانتقال من حالة النوم إلى حالة الاستيقاظ.

يقول المؤلف المراسل للدراسة وقائد الفريق، سامح سعد علي -وهو رئيس برنامج بيولوجيا الأورام بمستشفى 57357 لأورام الأطفال في مصر- في حديثه مع "للعلم": "لاحظنا في وقت سابق أن معدل الإصابات بفشل القلب يزداد في الصباح الباكر حين يكون المرضى في الفترة ما بين النوم والاستيقاظ، وافترضنا أن الميتوكوندريا ربما تؤدي دورًا في هذا الأمر، وذلك استنادًا إلى الدور المهم الذي تؤديه الميتوكوندريا في إدارة الطاقة الحيوية، إذ تُعد مصدرًا للطاقة وكذلك مصدرًا لأنواع الأكسجين التفاعلي ROS التي تزداد بدرجة كبيرة في النوبات القلبية، كما أن الميتوكوندريا عنصر مهم جدًّا في ديناميكية الكالسيوم داخل الخلية".

يقول أوليه كاليمونشوك، أستاذ الكيمياء الحيوية والمدير المؤقت لمركز بيولوجيا الأكسدة والاختزال بجامعة نبراسكا لينكولن الأمريكية: "حتى الآن حاولت دراسات قليلة جدًّا إجراء تقييم منهجي لوظائف الميتوكوندريا المتعلقة بدورات النوم والاستيقاظ".

ويضيف: "تعمل الميتوكوندريا كمستودع خلوي لأيونات (2Ca+)، وتقوم بضخها في الخلايا العضلية -سواء في القلب أو في أعضاء أخرى- ببطء كي تحافظ على التدرج الكهروكيميائي للأيونات، وهي آلية مهمة لعدد كبير من إشارات الخلايا".

ويسمح التدرج الكهركيميائي للأيونات الكيميائية بالانتقال عبر غشاء الخلية، إذ يؤدي التدرج في تركيز المواد المذابة على ناحيتي الغشاء، وكذلك الاختلاف في توزيع الشحنات -تحمل الأيونات شحنات كهربية- إلى مرور الأيونات الكيميائية عبر الغشاء من المنطقة ذات التركيز الأعلى إلى منطقة أقل تركيزًا في الأيونات.

ويوضح "علي" أن للميتوكوندريا القدرة على إدارة الزيادة في تدفق الكالسيوم داخل الخلية، حيث يمكنها امتصاصه بداخلها ثم إعادة إطلاقه إلى الخلية مجددًا ببطء للحفاظ على مستوى مناسب من أيونات (2Ca+)، لأن زيادة معدلاته تُعتبر سامة، وتؤدي تلك التغيرات في مستوى الكالسيوم داخل الخلايا القلبية دورًا مهمًّا في انقباض عضلة القلب.

بين النوم واليقظة

وجد "علي" وفريقه أن قدرة الميتوكوندريا على التخلص من الكالسيوم تختلف عبر اليوم، وأنها قادرة على التعامل مع الكالسيوم خلال الليل بشكل أفضل من النهار، وعند احتفاظ الميتوكوندريا بأيونات (2Ca+) بداخلها فإن ذلك يؤدي إلى تكوُّن أنواع الأكسجين التفاعلي ROS، ويؤثر على إنتاج الطاقة الضرورية لجميع العمليات الحيوية.

ويوضح: "وجدنا أن احتفاظ الميتوكوندريا بالكالسيوم داخلها يضر بها، ويتسبب في فشلها في التصدي لنقص التروية".

وترجح الدراسة أن تراكم أيونات (2Ca+) في الميتوكوندريا يحدث بسبب انخفاض نفاذية المسام الموجودة على غشائها، المخصصة لانتقال مثل هذه الأيونات.

ويهتم "علي" وفريقه بدراسة الساعة البيولوجية بشكل عام، ويعملون على استكشاف كيف تتغير العوامل البيولوجية المختلفة عبر اليوم، وكيف ينعكس ذلك على السلوك البشري، وذلك عن طريق دراسة تغيُّر الحالة التأكسدية في القلب والمخ لدى الفئران.

يقول محمد الجندي، الباحث في قسم الكيمياء الحيوية الطبية وعلم الأحياء الدقيقة بجامعة أوبسالا السويدية: "استخدم باحثو الدراسة أنسجة القلب التي تم تشريحها من فئران تجارب، ووجدوا أن أيونات (2Ca+) المتراكمة في الميتوكوندريا اختلفت بشكل كبير في الفترة التي ينتقل فيها الفئران من حالة النوم إلى حالة الاستيقاظ، مقارنةً بحالة اليقظة والنشاط التام".

وأشار إلى أن أنواع الأكسجين التفاعلي معروفة بتأثيرها الضار على الخلايا، وأن نتائج الدراسة أظهرت أن مضادات الأكسدة لها تأثير فعال في تقليل (ROS) في أنسجة القلب التي فحصها الباحثون.

ويوضح "علي": "استخدمنا أفضل الأنظمة الحديثة لقياس مستوى الأكسجين الذي تستخدمه الميتوكوندريا لمعرفة درجة نشاطها وكمية ROS التي تنتجها الميتوكوندريا".

من جانبه، وصف "كاليمونشوك" نتائج الدراسة التي أجراها علي وفريقه بأنها "اكتشاف مثير للاهتمام"، وأضاف: "ستُسهم البيانات التي وفرتها الدراسة في تعميق فهمنا لفسيولوجيا خلايا القلب، وقد تساعد في الكشف عن إستراتيجيات جديدة للعلاج وللوقاية من اضطرابات القلب والأوعية الدموية".

ويعتقد "الجندي" كذلك أن الدراسة ستفتح الباب لدراسات أخرى قد تربط عادات النوم أو التغيير في دورات النوم والاستيقاظ لدى للأفراد العاملين بساعات عمل متغيرة مع احتباس الكالسيوم في الميتوكوندريا وإنتاج (ROS)، وربما يكون العلاج بمضادات الأكسدة التي تستهدف الميتوكوندريا خيارًا مثيرًا للأفراد الذين يعانون من اضطراب إيقاع الساعة البيولوجية.

قدمت الدراسة بيانات وظيفية وجزيئية تشير إلى أنه في أثناء النوم تُظهر الميتوكوندريا القلبية امتصاصًا أسرع للكالسيوم، وتقترح أن ذلك يجعلها أكثر إجهادًا وعُرضةً للفشل.

وتتشابه هذه النتائج مع نتائج دراسة بريطانية نُشرت عام 2009، أفادت بأن حدوث خلل في أحد البروتينات في الخلايا العصبية يسبب زيادة امتصاص الكالسيوم في الميتوكوندريا وزيادة إنتاج ROS، مما يؤدي إلى موت الخلايا.

صعوبات وعقبات

على الرغم من أن الدراسة تقدم أدلة قاطعة على دور إيقاع الساعة البيولوجية في تحديد نشاط ميتوكوندريا القلب في حيوانات التجارب، وفق ما يؤكد "الجندي"، إلا أنه يعتقد أننا لا نزال بحاجة إلى التحقق من وجود الأدلة ذاتها عند البشر.

ويشدد على أنه "سيكون أمرًا مثيرًا للاهتمام إذا توصلنا إلى النتائج نفسها باستخدام خلايا عضلة القلب البشرية المزروعة معمليًّا في ظروف ثلاثية الأبعاد".

ومن جانبه، يوصي "كاليمونشوك" بالتعامل مع بعض نتائج الدراسة بحذر، ويُرجِع ذلك إلى أن التجارب أُجريت على أنسجة خارج الجسم الحي، وقد يكون هناك تأثيرات غير معروفة وقعت على هذه الأنسجة بعد عزلها، وستكون هناك حاجة إلى مزيد من الاختبارات لقياس الخواص البيولوجية والكيميائية الإضافية في الجسم الحي لتأكيد النتائج التي توصل إليها الباحثون، موضحًا أن نتائج الدراسة لها تداعيات كبيرة محتملة على مرضى القلب والأوعية الدموية، قائلًا: "أتطلع إلى رؤية هذا العمل يمتد إلى دراسات داخل الجسم في نماذج ما قبل الأبحاث السريرية".

استغرق العمل على تجارب هذه الدراسة أكثر من سنتين، ولكن تحليل النتائج والتعامل مع بعض المعوقات جعلها تمتد إلى ما يقرب من أربع سنوات حتى تخرج إلى النور.

يقول "علي": "واجهنا عدة تحديات في أثناء عملنا، فقد عملت، فيما سبق، في عدة دول حول العالم، وأعتقد أنه من الصعب للغاية إجراء الأبحاث العلمية في مصر ومعظم الدول العربية، مقارنةً بأوروبا وأمريكا، وذلك لقلة أصحاب المهارات والأشخاص المدربين، الأمر الذي يضطرك إلى عمل كل شيء بنفسك مع فريقك داخل معملك".

وأوضح أن هذا النوع من الأبحاث التجريبية يحتاج إلي الكثير من المهارات والتسهيلات غير المتوافرة في مصر، مضيفًا: "عانينا للحصول على نماذج حيوانية من مصادر جيدة في مصر، واحتجنا إلى كثير من المعدات التي لم تكن متاحة، كما أن طلب المعدات والكيماويات من الخارج أصعب عشر مرات من طلبها في أثناء وجودي في الولايات المتحدة، والتكلفة تكون أعلى بكثير مقارنةً بالتكلفة في أوروبا أو أمريكا".