ظلت وظيفة "الميتوكوندريا" -التي اكتُشفت لأول مرة في منتصف القرن التاسع عشر، على يد عالِم الأحياء السويسري، ألبرت فون كوليكر- غير معروفة طيلة سنوات؛ إذ احتاج العلماء إلى حوالي نصف قرن من الزمان حتى يتعرفوا على وظيفتها ومهماتها التي أكسبتها لقبها الأشهر "بيت الطاقة".

دور حيوي

و"الميتوكوندريا" هي وحدات متخصصة في الخلية لإنتاج الطاقة وتزويد أجزاء الخلايا الأخرى بها لإنجاز مهمات الخلية المختلفة، وتنتج "الميتوكوندريا" الطاقة داخل الخلية من خلال عملية الأيض؛ إذ تعمل على إنتاج جزيء "الأدينوسين ثلاثي الفوسفات"، الذي يُسهم في نقل وتخزين الطاقة التي يحتاج إليها الجسم لأداء مختلف العمليات الحيوية، كتصنيع البروتينات، وأيض الطعام، وانقباض العضلات، كما يُستخدم مصدرًا للطاقة في العمليات الحيوية المختلفة.

ولا يتوقف دور "الميتوكوندريا" عند هذا الحد؛ إذ تسهم أيضًا بطرق مختلفة في بقاء الخلية على قيد الحياة أو موتها من خلال موت الخلايا المبرمج، الذي يعمل على إزالة الخلايا التالفة أو غير المرغوب فيها، ويتسبب حدوث أي خلل في أداء هذه المهمات إلى الإصابة ببعض الأمراض القاتلة، مثل أمراض الأعصاب والقلب والعضلات.

ويرتبط تغيُّر وظائف "الميتوكوندريا" بالأورام السرطانية، ويتضمن ذلك النقائل السرطانية المسؤولة عن أكثر من 90% من وفيات السرطان؛ إذ تنبثق عن الورم الأصلي وتنتقل إلى أعضاء الجسم الأخرى، وتمثل عمليات الأيض في خلايا السرطان -التي تؤدي "الميتوكوندريا" دورًا أساسيًّا فيها- إحدى السمات المميزة لهذه الخلايا، وأحد الأهداف العلاجية كذلك، لكن المشكلة أن فهم هذه العمليات ما زال محدودًا.

من هنا تأتي أهمية دراسة جديدة أجراها فريق بحثي في معهد "ويستار" بولاية "فيلادلفيا" الأمريكية، ونشرتها مؤخرًا دورية "بروسيدنجز أوف ذا ناشيونال أكاديمي أوف ساينسز" (PNAS).

ناقشت الدراسة دور "الميتوكوندريا" في حدوث السرطان وانتشاره، وعملت على دراسة الجينات والبروتينات في بعض أنواع الأورام مثل سرطان القولون والمستقيم، والورم الأرومي الدبقي، والثدي، والبروستاتا، والرئة.

واستخدم الباحثون العديد من التقنيات الخاصة بدراسة الجينات والبروتينات، مثل "قياس مستوى التعبير الجيني" و"الصبغات المناعية" التي تُستخدم لدراسة وجود بروتين معين في الخلايا باستخدام أجسام مضادة ترتبط بهذا البروتين وتقوم بتلوينها بلون معين، وتقنية "الاستشراب السائل المزود بمقياس طيف الكتلة" (LCMS/MS)، وهي تقنية تُستخدم لفصل المواد المختلفة كالبروتينات باستخدام خواصها الفيزيائية وكتلتها.

بروتين "ميتوفيلين/ميك 60"

تشير الدراسة إلى أن كثيرًا من الأورام يقل فيها مستوى بروتين يسمى "ميتوفيلين/ميك 60" (Mic60/mitofilin)، ويُعرف أيضًا باسم بروتين (MIC60)، وهو جزءٌ لا يتجزأ من جدار الميتوكوندريا الداخلي، ويُستخدم كاختبار بيوكيميائي لفحص المقايسة المناعية التي تعتمد على ارتباط المستضد مع الجسم المضاد الذي خُصص له في التحليل.

ويؤدي انخفاض مستوى "ميتوفيلين/ميك 60" إلى "انهيار" في خواص "الميتوكوندريا"، وبالتالي نقص قدراتها على إنتاج الطاقة، مكونةً ما يطلق عليه "أشباح الميتوكوندريا"، وفق وصف الدراسة.

لكن، على الرغم من هذا الانهيار في خواص "الميتوكوندريا"، فإن خلايا الأورام التي تحتوي عليها تعمل على مقاومة هذا التأثير من خلال مقاومة موت الخلية، وتقليل معدل انقسام الخلايا، وتنشيط بعض الجينات الخاصة بإنتاج بعض المواد الكيميائية، بالإضافة إلى ذلك، تعمل هذه التغيرات على تنشيط حركة الخلايا، وتتحول من الحالة الظهارية الساكنة إلى الحالة الوسيطة المتحركة، وهو ما يؤدي في النهاية إلى انتشار الأورام وتحولها إلى الحالة النقيلية.

يقول الباحثون: تتم هذه التغيرات من خلال طريقين من طرق الإشارات الخلوية، أحدهما يعمل على مساعدة الخلية في الاستجابة للإجهاد، ويُعرف باسم (GCN2/ISR)، والآخر هو بروتين "إيه كي تي" (AKT)، المعروف أيضًا باسم "بروتين كيناز بي" (PKB)، ويساعد الخلية في البقاء على قيد الحياة، ويمكن أن يمثل استهداف هذين الطريقين أهدافًا علاجية جديدة في الأورام ذات القابلية العالية للانتشار.

أشباح الميتوكوندريا

من جهته، يوضح داريو ألتيري -رئيس برنامج علم المناعة والبيئة الدقيقة والأورام الخبيثة بمعهد "ويستار"، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن "فريق البحث يعمل على دراسة دور الميتوكوندريا في حدوث السرطان".

ويقول في تصريحات لـ"للعلم": على الرغم من أن معظم الأورام تستخدم طريقة تحلل السكر لتنتج الطاقة دون استخدام الأكسجين، فقد تبين أن الميتوكوندريا التي تستخدم الأكسجين في إنتاج الطاقة تستمر في العمل في خلايا السرطان، بل ثبت أيضًا أنها تؤدي دورًا في انتشارها، وفي بحثنا هذا تبيَّن لنا أن هناك انخفاضًا في مستوى بروتين "ميتوفيلين/ميك 60" المكون لهيكل الميتوكوندريا في العديد من أنواع الأورام، ويُلحق هذا الانخفاض ضررًا بالميتوكوندريا بشكل كبير؛ إذ لا يؤثر فقط على شكلها، بل أيضًا على وظيفتها في إنتاج الطاقة.

يضيف "ألتيري": أطلقنا على العضيات التي تظهر على تلك الحالة اسم "أشباح الميتوكوندريا"؛ إذ كان من المفترض أن تجري إزالتها باستخدام الالتهام الذاتي، لكنها استمرت في الوجود في خلايا الأورام وأسهمت في زيادة قدرة الخلايا على الحركة وبالتالي انتشارها؛ إذ عملت هذه الخلايا على التحرك وغزو أنسجة أخرى من أجل الحصول على بيئة خصبة جديدة للنمو والبقاء.

عملية التخمر

يعلق إبراهيم عبد الغفار -مدرس الكيمياء الحيوية بكلية الطب بجامعة الأزهر- على الدراسة قائلًا: تعتمد خلايا السرطان على عملية التخمر لإنتاج الطاقة من الجلوكوز، وتحدث هذه العملية عادةً في الخلايا الطبيعية في غياب الأكسجين؛ إذ تنتج قدرًا أقل من الطاقة، أما في وجود الأكسجين، فتعتمد الخلايا الطبيعية على الميتوكوندريا لإنتاج كمية أكبر من الطاقة من الجلوكوز، فيما يُسمى بعملية الفسفرة التأكسدية، لكن المدهش أن خلايا السرطان تعتمد على التخمر حتى في وجود الأكسجين، وهذه الملحوظة التي تُعرف بـ"تأثير واربورج" جعلتنا نعتقد أن للميتوكوندريا دورًا محدودًا في السرطان، لكن تبين لنا حديثًا أنها تؤدي دورًا مهمًّا في حيوية خلايا السرطان؛ إذ وجدت الأبحاث أن إزالتها بالكامل من خلايا السرطان تقلل من نموها.

وضع "واربورج" فرضيةً تقول إن نمو الأورام يحدث بسبب تخمر الخلايا لا بسبب أكسدتها، فخلايا السرطان لا تتنفس الأكسجين كالخلايا العادية، حتى عند توافُر الأكسجين، بل تتخمر وتنقسم باطراد بسبب تلك العملية.

ويرى "واربورج" أن تكوُّن الأورام ناجم عن تحلُّل السكر في الخلايا، المعروف باسم التكسير اللامؤكسد للجلوكوز، وهذا معاكس لما يحدث في الخلايا السليمة التي تُنتج طاقتها بشكل أساسي من التكسير المؤكسد لحمض البيروفيك (وهو ناتج تحلل السكر)، كما أن عملية أكسدته تكون ضمن الميتوكوندريا.

تغيرات هيكلية

يضيف "عبد الغفار": الطفرات التي تحدث في الجينات الموجودة في الميتوكوندريا داخل خلايا السرطان لا تتسبب في تعطيلها فقط، بل تغير طبيعتها وقدرتها على إنتاج الطاقة، والبحث الحالي يقدم لنا صورةً لهذا النوع من التغيرات، ويمكنني القول إن هذه النتائج كانت مفاجئةً بالنسبة لي؛ إذ كنت أتوقع أن تؤثر التغيرات الكبيرة في بنية الميتوكوندريا بالسلب على خلايا الأورام، لكن النتائج تشير إلى أن التغيرات الهيكلية في الميتوكوندريا -والتي تغير من تركيبها ووظيفتها- لا تقتل خلايا السرطان أو تؤثر بشكل سلبي عليها، بل على العكس، تتسبب في تحرُّك هذه الخلايا وانتشارها بحثًا عن ملجأ جديد.

تشير الدراسة إلى أن بروتين "ميتوفيلين/ميك 60" ينتمي إلى مجموعة من البروتينات التي تكوِّن ما يُعرف باسم مركب MICOS؛ إذ تتشارك معًا في تركيب الجدار الداخلي للميتوكوندريا، وهذا الجدار ليس مستقيمًا، بل يتكون من تعرُّجات تزيد من مساحته، وبالتالي تمكِّن الميتوكوندريا من أداء وظيفتها.

وسبق أن أثبتت دراسة نُشرت في عام 2015 أن الوحدات المكونة لـ"مركب MICOS" تؤدي وظائف مختلفة، وأن عدم وجود هذه الوحدات جميعًا تسبَّب في أضرار وتغيرات كبيرة في شكل الميتوكوندريا ووظائفها، ويؤثر هذا الغياب أو الفقد على قدرة الميتوكوندريا على إنتاج الطاقة، وبالتالي قد يرتبط بالعديد من الأمراض.

يقول "ألتيري": تُلقي نتائج الدراسة الضوء على ما يمكن أن نسميه بـ"كفاءة الميتوكوندريا" في السرطان، وهو المصطلح الذي لم يُدرس بقدرٍ كافٍ في الماضي.

وهناك العديد من العوامل التي تؤثر سلبًا على كفاءة الميتوكوندريا وتعمل كمحفزات قوية لتعطيل سلامتها، مثل عدم انتظام تركيزات الأكسجين، والمستويات العالية من الجذور المؤكسدة الضارة، والاحتياجات الأيضية المتغيرة، ونقص بروتين الميتوكوندريا، وفق الدراسة.

يضيف "ألتيري": يمكنني القول إن هذه النتائج توفر رؤيةً مختلفة وجديدة لدور الميتوكوندريا ومشاركتها في انتشار السرطان؛ إذ تؤدي أشباح الميتوكوندريا المحطمة -والفاقدة لوظيفتها- الدور الأكبر في زيادة عنف السرطان، من خلال الاستجابة للإجهاد الذي يدفع الخلايا السرطانية إلى الحركة والانتشار من أجل الحصول على مأوى جديد.

ولا يتسبب انخفاض مستوى بروتين "ميتوفيلين/ميك 60" وحده في حركة الخلايا السرطانية نتيجة انخفاض مستواه في الميتوكوندريا؛ إذ أكدت دراسة نُشرت عام 2017 أن مستوى بروتين "سينتافيلين" الموجود في الميتوكوندريا يرتبط باحتمالات انتشار الأورام، وأظهرت نتائج البحث أن خلايا الأورام التي اكتسبت القدرة على الانتشار انخفض فيها مستوى بروتين "سينتافيلين"، وقللت من معدلات تكاثرها، وازدادت قدرتها على الحركة، ومن المثير للاهتمام أن طرق الإشارات التي استخدمتها خلايا السرطان لتحقيق هذا الهدف تختلف اختلافًا كبيرًا عن تلك المستخدمة في الأنسجة الطبيعية، وهو ما يفتح الباب لاستخدام هذه الطرق من خلال استهداف إحدى النقاط فيها، وبالتالي حرمان الخلايا السرطانية من هذه الطريقة في الحركة والانتشار.

أهداف علاجية محتملة

بدوره، يوضح محمد غريب -الأستاذ المساعد بقسم طب الأورام بالمعهد القومي للأورام بجامعة القاهرة- أن "خلايا السرطان تتميز عن الخلايا الطبيعية بوجود اختلافات جوهرية في مصادر الطاقة والحصول عليها".

يقول "غريب" في تصريحات لـ"للعلم": يمكن أن تمثل هذه الاختلافات أهدافًا علاجية، والطفرات المختلفة في الميتوكوندريا تمثل زوايا مختلفة يمكن النظر من خلالها إلى المرض، وبالتالي استهدافه وفق نوع الورم وتطوره ونوع الطفرات الموجودة فيه.

ويتابع: لدينا بالفعل بعض الأدوية التي تستهدف الميتوكوندريا بشكل مباشر أو غير مباشر، وبعضها يتم استخدامه بالفعل في بعض الأورام مثل أورام الدم، والبحث الذي بين أيدينا يقدم لنا احتمالات لأهداف جديدة يمكن استهدافها في طرق الإشارات داخل الميتوكوندريا في المستقبل، لكن يبقى أن الحديث عن نتائج هذه الاحتمالات ما زال مبكرًا.

يعلق "ألتيري" قائلًا: التطبيقات العملية المتعلقة بهذا البحث تتمثل في التعرُّف على أحد العوامل المتعلقة بتطور الأنواع الأكثر حدةً من السرطان، والتي تتميز بقابليةٍ أكبر للانتشار، ونعمل حاليًّا على دراسة لمعرفة ما إذا كان من الممكن استخدام التغيرات الجينية التي تم التعرف عليها والمرتبطة بالانخفاض في مستوى بروتين "ميتوفيلين/ميك 60" باعتبار ذلك من الدلالات المهمة على عنف الأورام وتطورها السيئ.