توصَّل فريق من العلماء إلى تطوير مركب جديد من خيوط الحرير والبوليمرات، يمكن من خلاله إنتاج بعض التركيبات الطبية القابلة للزراعة في جسم الإنسان.

وتتميز التركيبات الجديدة بأنها أكثر كفاءةً من التركيبات الصناعية التقليدية الأخرى، خاصةً المستخدمة في تثبيت العظام بعد العمليات الجراحية، أو بدائل للوسائد الغضروفية في مفصل الركبة.

ومن المقرر أن يعلن الباحثون عن نتائج تجاربهم خلال مؤتمر افتراضي للجمعية الكيميائية الأمريكية، وهو المؤتمر الذي انطلق أمس "الإثنين"، 17 أغسطس، ويستمر حتى "الخميس" القادم، ويتضمن ما يزيد على 6 آلاف عرض تقديمي حول مجموعة واسعة من الابتكارات والموضوعات العلمية.

ورغم الحيرة التي تنتاب كثيرًا من العلماء بشأن كيفية قيام العناكب ودودة القز بنسج خيوطها بدقة متناهية، فقد سعى الأطباء إلى استخدام تلك الخيوط الحريرية الدقيقة، بالإضافة إلى بعض المركَّبات الصناعية، في تطوير تركيبات طبية آمنة للاستخدام في جسم الإنسان.

تقول جوان جوان -الباحثة بمركز الهندسة الطبية الحيوية بجامعة "بيهانج" الصينية، والمشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن "الحرير يتمتع بإمكانيات كبيرة لاستخدامه في التطبيقات الطبية الحيوية"، مؤكدةً أنه "متعدد الاستخدامات، ويتحمله جسم الإنسان جيدًا، ويمكن أن يتحلل ويذوب ضمن أنسجة الجسم".

ويتميز الحرير بأن له تاريخًا طويلًا في الاستخدامات الطبية؛ إذ تُظهر سجلات الأطباء القدامى أنهم كانوا يستخدمون الخيوط الحريرية التي تنسجها دودة القز في خياطة الجروح قبل حوالي 2000 سنة. ويعتمد الأطباء اليوم على هذه الخيوط في بعض العمليات الجراحية، مثل جراحات العيون.

ومن خلال الجمع بين الحرير الطبيعي والبوليمرات الصناعية، تسعى "جوان" وزملاؤها لتطوير مركبات متعددة الاستخدامات في الأغراض الطبية، وربما في مجالات أخرى.

وبينما نجح باحثون آخرون في تطوير مركبات من الحرير، تعتمد على استخدام ألياف قصيرة أو البروتين الأساسي في الحرير، فإن "جوان" وفريقها يركزون في مشروعهم على استخدام النسيج الحريري؛ إذ يمكن أن تحتوي شرانق دودة القز على ألياف قد يبلغ طولها نحو 5 آلاف قدم، وفق البيان الصحفي الذي حصلت "للعلم" على نسخة منه.

وأوضحت "جوان" أنه يمكن لمثل هذه الألياف توزيع الضغط الميكانيكي بشكل أكثر فاعليةً من سلسلة الألياف القصيرة المنفصلة.

ويستخدم الفريق خيوطًا حريرية تنسجها دودة القز، بالإضافة إلى ألياف أكثر قوةً وقدرةً على التمدُّد تنسجها الدودة البرية من نوع (Antheraeapernyi).

ويعمل الفريق على الجمع بين النسيج الحريري ومصفوفة من البوليمرات، غالبًا ما تكون من مركبات الإيبوكسي التي تُستخدم كمادة لاصقة؛ ليشكل الخليط معًا غطاءً قويًّا، يمكن للباحثين تقطيعه وتشكيله وفق الحاجة.

تضيف "جوان" أن "المركب الجديد يتميز بخصائص تجعله ملائمًا للزراعة داخل جسم الإنسان أكثر من التركيبات المستخدمة في الوقت الراهن، وعلى سبيل المثال، يتعاون الفريق حاليًّا مع أطباء العظام لتطوير هياكل تشبه الأقفاص المستخدمة في تثبيت الفقرات مؤقتًا بعد العمليات الجراحية، والتي تستخدم في غالبيتها حاليًّا موادَّ معدنية في تصنيعها، خاصةً أن صلابة مركبات الحرير وقوتها تجعلها أكثر توافقًا مع العظام، مما يجعلها أكثر مرونةً وراحةً من الهياكل المعدنية".

إلا أن هناك بعض التحديات التي تواجه الباحثين، منها أن الجزء الداخلي من جسم الإنسان يتميز بدرجة من الرطوبة، مما قد يؤدي إلى مشكلة محتملة؛ إذ إن الماء يمكن أن يجعل مركَّبات الحرير أكثر ليونة، وقد يتسبَّب في ضعفها.

ولجأت "جوان" وفريقها، في عدد من التجارب، إلى اختبار مدى صمود مركَّبات الحرير والإيبوكسي عند تعرُّضها للرطوبة، أو عند غمرها في الماء، وأظهرت التجارب أنه رغم تأثُّر صلابة المركَّب في ظل الظروف الأكثر رطوبة، فقد كان صلبًا بما يكفي لإنتاج تركيبات طبية يمكن غرسها في جسم الإنسان.

ورغم قدرة الإيبوكسي على الالتصاق بألياف الحرير، إلا أنه يشكل تحديًا آخر؛ إذ لا يمكن للجسم تكسيره أو امتصاصه، الأمر الذي يجعله غير مناسبٍ للزرع في جسم الإنسان، ولذلك بدأ الفريق البحثي العمل على استخدام أنواع أخرى من البوليمرات الحيوية، بحيث يمكن للجسم امتصاصها، إلا أن معظم تلك المركبات أقل قدرةً على التماسك من مركبات الإيبوكسي، وفق "جوان".