يُشرف البروفيسور جورجي ستينشيكوف على الفريق المعني بأبحاث الغلاف الجوي والنماذج المناخية في جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية بالمملكة العربية السعودية، وفي هذا الحوار، يُسلِّط ستينشيكوف الضوء على احتمالات التغير المناخي في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

في ظل هذا الاحترار الذي يجتاح العالم، كيف سيكون المشهد –برأيك- في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟

إن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تفوق غيرها من مناطق العالم في درجة حساسيتها للعوامل التي تتسبَّب في التغير المناخي، في حقيقة الأمر، وتيرة الاحترار الذي تشهده المنطقة أسرع بنسبةٍ لا تقل عن 30% من المتوسط العالمي، بل إن بعض أجزاء المنطقة أضحى مهددًا بالفعل بعدم صلاحيته للحياة؛ فالمشكلات البيئية التي تتعرض لها المنطقة -من التغيرات في درجات الحرارة، والتلوث الغُباري، ونُدرة المياه- آخذةٌ في التفاقم بحيث أصبحنا عاجزين عن الحيلولة دون حدوث بعض التغيرات الكبيرة، ومن ثم أصبح لزامًا علينا تعلُّم سُبُل التكيف، ومن نواحٍ عدة، يمكن النظر إلى المنطقة بوصفها مؤشرًا مبكرًا لاستشراف التغيُّرات المناخية المحتملة في العالم، ومنصة اختبارٍ لإجراءات التكيف.

وما السبب وراء كون المنطقة أكثر حساسيةً للتغيُّر المناخي مقارنةً بأي مكانٍ آخر؟

السبب في ذلك أنها شديدة الجفاف، ناهيك بالارتفاع البالغ في درجة حرارة جوها وما لذلك من تأثيراتٍ على دوران الهواء؛ فالكثير من الطاقة يُستنفد عندما تتبخر المياه، ولكن في منطقةٍ تعاني من النُّدرة الشديدة للمياه، يكون هذا الأثر التعويضي أقل وضوحًا بكثير مقارنةً بما يحدث في أي مكان آخر في العالم، فعلى سبيل المثال، يتجلى بشدة هذا الأثر للمياه بالقرب من المناطق الساحلية بشبه الجزيرة العربية حيث تقل آثار الاحترار العالمي، كما تستفيد هذه المناطق أيضًا من نسمات التبريد، وبالتالي يمكننا أن نتوقع مزيدًا من هجرة السكان باتجاه المناطق الساحلية كأحد أوجه التكيُّف المرتقب.

هل ثمة خصائص فريدة أو تعقيداتٌ أخرى تُميِّز المنطقة؟

إن الغُبار الذي يصعد في المناطق الصحراوية إلى طبقات الجو يُعدُّ أحد العوامل الرئيسة في تعقيد المشكلة، فيبدو أن ثمة تأثيرًا تبريديًّا صافيًا للغُبار عند السطح، ويرجع ذلك في الأساس إلى أنه يمتصُّ أشعة الشمس ويعكسها، ولذا فإن جانبًا كبيرًا من جهودنا في وضع النماذج كرَّسناه لمحاكاة طرق توزيع الغُبار الجوي بواسطة أنماط الدوران الموضعية والكيفية التي قد تتأثر بها هذه النماذج بالاحترار العالمي، ومن ثم تترك بصمتها على آثار التغير المناخي، وبطبيعة الحال، يجب أيضًا أن نأخذ بعين الاعتبار التقلبات الطبيعية في المناخ، غير أن الآثار الناجمة عن النشاط البشري أقوى -فيما يبدو- من آثار التقلبات الطبيعية في الوقت الحالي.

وأي المناطق سينالها النصيب الأكبر من التأثير في نظرك؟

من المتوقع أن تكون الأجزاء الوسطى من كلٍّ من شبه الجزيرة العربية وشمال أفريقيا، لا سيما المناطق الوسطى في الجزائر وليبيا، أسرع احترارًا من غيرها، باعتبار أنها الأبعد موقعًا عن الساحل، ومما يُثير القلق أن النماذج تُظهِر أن الاستمرار في نهج الأعمال المُتَّبع في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دون محاولة للتخفيف من الآثار الناجمة عنه سيؤدي إلى تعرُّض المنطقة لاحترارٍ جوي بمعدلٍ يقترب من سبع درجاتٍ مئوية بحلول نهاية هذا القرن.

وما سُبُل التكيُّف الأخرى التي يمكن اللجوء إليها بخلاف هجرة السكان إلى المناطق الساحلية؟

تنص كل من رؤية السعودية 2030، ومبادرة السعودية الخضراء، ومبادرة الشرق الأوسط الأخضر على زراعة مليارات الأشجار، ولكن الأشجار تحتاج إلى المياه، لذا نحن لسنا بحاجةٍ فقط إلى تحسين مستوى كفاءة الطاقة المستخدمة في تحلية المياه، بل يتعين علينا أيضًا أن نستكشف المزيد من إمكانيات الهندسة الجيولوجية الإقليمية الأكثر تطوُّرًا؛ فعلى سبيل المثال، يمكن تركيبُ مرافق ألواح الطاقة الشمسية الضخمة في المناطق الساحلية، إذ من شأنها خفض معدل انعكاس أشعة الشمس الساقطة وزيادة درجة حرارة السطح، مما يقوي هبات النسيم في المنطقة، ويتيح للمزيد من المياه التي تتبخر من البحر الأحمر أن تسقط على هيئة أمطار.

وهل ترون المستقبل بعين التفاؤل أم بعين التشاؤم؟

يجب علينا أن نتفاءل؛ فالمجال مفتوحٌ أمامنا لاتخاذ إجراءاتٍ تكيفية، ولكن النماذج التي نُصمِّمها حاليًّا سوف تؤدي دورًا حيويًّا باعتبارها وسيلةً مُعينة تُمكِّننا من معرفة ما قد يستجد كي نحاول تخفيف آثاره، كما ينبغي أن نسعى لتعزيز فهمنا للآثار المترتبة على جميع العوامل ذات الصلة كي نتبيَّن كيفية استغلال مواردنا الطبيعية استغلالًا حكيمًا، وإضافةً إلى ذلك، سيؤدي العلم القائم على الرصد والمحاكاة دورًا حيويًّا في هذا الشأن، صحيحٌ أننا نواجه تحدياتٍ قد تتسم بالصعوبة البالغة، ولكنني متفائلٌ بأن العلم والتقنية بمقدورهما مساعدتنا على التكيُّف والتأقلم.