وأخيرًا حُسم الجدلُ الدائر منذ أمدٍ بعيد حول أصول الخيول المستأنسة، وفق تصريحات فريقٍ متعدد التخصصات من الباحثين، شمل علماء آثارٍ وعلماء وراثة، وخبراء في اللغة أيضًا، يقول لودوفيك أورلاندو، اختصاصي علم الآثار الجزيئي في جامعة بول ساباتييه في مدينة تولوز بفرنسا: "نتتبَّع حاليًّا منشأ الخيول الأليفة، الذي يعود بنا إلى منطقة نهري الدون والفولجا منذ نحو 4200 عامٍ"، وقد تعاون أورلاندو مع أكثر من 150 باحثًا مشاركًا، من بينهم باحثون بجامعة الملك سعود في الرياض بالمملكة العربية السعودية.

يقول أورلاندو: "أدى زملاؤنا السعوديون دورًا محوريًّا في تيسير الوصول إلى بعض العينات، وساعدونا في فهم بعض الأنماط المعقدة في بيانات تسلسل الحمض النووي وتفسيرها".

كان الباحثون منذ فترة طويلة إلى حدٍّ ما قد توصلوا إلى أن سلالات الخيول الأليفة الحديثة لا تنحدر من أوائل الخيول المستأنسة المعروفة، مما أدى إلى الخروج بكثيرٍ من التكهنات بشأن أصولها الحقيقية.

أجرى أورلاندو وزملاؤه تحليلًا لبقايا الخيول التي حصلوا عليها من جميع مراكز الاستئناس المُشتبه بها في مختلف أنحاء أوروبا وآسيا، وقد غطت عيناتهم نطاقًا تاريخيًّا ضخمًا امتد لفترةٍ تتراوح من نحو 2000 سنةٍ إلى أكثر من 50 ألف سنةٍ قبلها، أجرى الفريق تحليل تسلسل الحمض النووي على 264 جينومًا قديمًا استُخرجت من بقايا الخيول، مُضيفين إلى المزيج 10 جينومات حديثة و9 جينومات قديمة جرى توصيف خصائصها في السابق، بوجهٍ عام، يعتقد الباحثون أن مجموعة بياناتهم تُمثِّل "أكثر السلاسل الزمنية الجينومية للخيول شمولًا وأعلاها جودة".

تأتي هذه النتائج المستخلصة لتؤكد بعض النماذج السابقة، التي تقترح أن الخيول الحديثة نشأت في غرب السهوب الروسية، وفي الوقت نفسه تستبعد مواطن النشأة المقترحة سابقًا بمناطق أخرى، مثل الأناضول، وشبه الجزيرة الأيبيرية، وآسيا الوسطى.

يُعلِّق أورلاندو قائلًا: "كان من المفاجآت المهمة توقيت انتشارها إلى ما بعد 4200 سنةٍ ماضية"، ويوضح أن هذا التوقيت يأتي في وقتٍ لاحقٍ على بعض الهجرات البشرية الكبرى الموثَّقة جينيًّا، مما يُشير ضمنيًّا إلى أن امتطاء صهوة الخيول لم يكن الدافع وراء حالات الانتشار المبكرة تلك.

هذا الجهد البحثي يكشف لنا أن الخيول الأليفة الحديثة حلَّت في نهاية الأمر محل جميع مجموعات الخيول المحلية الأخرى مع انتشارها سريعًا عبر أوراسيا، كما اكتشفوا أن هذا الانتشار كان مرتبطًا بانتقاءٍ قويٍّ للتكيُّفات التنقلية والسلوكية التي تلاءمت مع احتياجات الفروسية وركوب الخيل، ويخطط الباحثون الآن لاستكشاف المزيد عن مثل هذه الروابط بين تطوُّر الخيول والمجتمعات البشرية.

وتعلِّق كريستينا وارينر، اختصاصية علم الأنثروبولوجيا بجامعة هارفارد، والتي لم تشارك في هذا الجهد البحثي: "هذه دراسة رائعة، إذ تساعد على استجلاء الكثير من الأمور والإجابة عن الكثير من الأسئلة التي طالما طُرحت عن استئناس الخيول، الآن وقد تَحدد منشأ الخيول المستأنسة، ثمة سؤال يطرح نفسه: لماذا نشأت في هذا المكان دون غيره؟ ولماذا في ذاك التوقيت تحديدًا؟ أعتقد أنه لا يزال هناك بعض الأسرار عن الخيول التي نحتاج إلى كشفها.

Librado, P. et al. The origins and spread of domestic horses from the Western Eurasian steppes. Nature https://doi.org/10.1038/s41586-021-04018-9 (2021).