كانت الأجواء مشتعلةً في مدينة "بريمن" الألمانية، فداخل الصالة الرياضية التي شهدت نهائي بطولة العالم للكاراتيه عام 2014، جلس المئات في المدرجات يراقبون عن كثب المباراة النهائية تحت وزن 61 كيلوجرامًا. بدأت المباراة بين "جيانا فاروق" المصرية، ولاعبة الكاراتيه الماليزية "شاكيلا سالني جفري".

بعد نحو 5 دقائق من البداية، حسمت "جيانا" النتيجة لصالحها، لترتفع أعلام مصر داخل تلك الصالة، وسط هتافات حماسية وجنونية أطلقها الباحث المصري الشاب "محمد البرلسي"، الذي حضر خصوصًا إلى تلك المدينة لتشجيع رفيقة دربه "جيانا"، التي زاملته مدةً طويلة -قبل أن تتفرق بهم السبل- في أثناء تدريبات المنتخب المصري للكاراتيه.

فالبرلسي وجيانا، كلاهما تخرج في كلية الصيدلة، وكلاهما لعب الكاراتيه بشكل احترافي، فأما "جيانا" فاستمرت في طريق الرياضة لتُحقق نجاحات باهرة، في حين فضل "البرلسي" القتال في ساحات العلوم، ليُحقق هو الآخر نجاحًا باهرًا، تُوِّج في عام 2019 بحصوله على جائزة "برنستيل الدولية" لأبحاث البيولوجيا الجزيئية.

credit: Mohamed El Brolosy

وُلد "البرلسي" في عام 1992، لأب يعمل صيدلانيًّا، وأم تعمل بتدريس العلوم، "زرع والدي في نفسي حب العلم".. يقول "البرلسي" في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، مشيرًا إلى أنه منذ سنوات عمره الأولى راودته أحلام "معالجة السرطان"، لكنه حين كبر واشتد عوده، عرف أن ذلك الحلم يحتاج إلى بذل الكثير من الجهد، وأن مجرد الرغبة في إيجاد العلاج "لن ينتج عنها إيجاد الدواء".

في سنوات عمره الأولى، اتجه "البرلسي" إلى ممارسة رياضة الكاراتيه في أحد النوادي المصرية الشهيرة، إلا أن والداه كانا دومًا يُخبرانه بأن الرياضة "مجرد وسيلة للحفاظ على العقل السليم في جسم سليم". يقول البرلسي إنه أدرك منذ نشأته المبكرة أن "العلم والرياضة صنوان لا يفترقان"، إلا أنه قرر بعد حصوله على الشهادة الثانوية "التركيز على العلم".

"كنت أعلم أن فرصي في الوصول إلى بطولة العالم ضعيفة.. لكني أحسست بأن طريقي في مجال العلوم ممهدة بصورة أكبر"، يقول البرلسي في تصريحاته لـ"للعلم". فرغم حصوله على بطولات محلية عدة، إلا أن الشاب كان قد حسم خياره؛ "فمن الذكاء أن يعرف المرء مجال تميُّزه.. وأن يضرب على الوتر الصحيح.. كان ذلك الوتر هو دراسة الصيدلة". وفق قول "البرلسي".

في عام 2009، التحق "البرلسي" بكلية الصيدلة في الجامعة الألمانية، وفي أثناء دراسته، حصل على مجموعة من "التدريبات الدراسية" في "ألمانيا"، وفي أثناء أحد التدريبات، تيقَّن وقوعَه في "حب الجينات".

 تخرج "البرلسي" في الجامعة متفوقًا على أبناء دفعته، وأتاحت له مرتبته الأولى الحصول على منحة لإكمال الماجستير والدكتوراة في معهد "ماكس بلانك" الشهير. وهناك، تفتَّح وعيه أكثر فأكثر على الجينات، ولحسن حظه، وافقت اهتماماته اهتمام مُشرفه، ليعرض عليه ذلك المشرف دراسة آليات التعويض الجيني، والتبحُّر في ذلك العلم شديد التعقيد.

credit: Mohamed El Brolosy

في ذلك الوقت، انصب اهتمام "البرلسي" على دراسة "الأشخاص المرنين". وهم مجموعة من البشر لديهم تشوهات في الجينات لكن دون وجود أمراض جينية. لاحظ العلماء –في حيوانات التجارب أيضًا- تلك الظاهرة، إذ وجدوا أن الحيوانات –شأنها شأن الإنسان- تقوم بإنتاج تعبيرات جينية معينة، لتعويض الخلل الحادث في بعض الموروثات.

قام "البرلسي" بإنشاء نموذج من فئران التجارب وأسماك الزرد Zibra fish لمراقبة تلك الآلية، وفهمها بصورة أكثر، وهو الأمر الذي سيتيح فهم الأمراض الجينية بصورة أفضل، وقد يُسهم في إيجاد علاج لتلك الأمراض المستعصية على الدواء.

نشر الشاب عدة أبحاث، من ضمنها بحثٌ نُشر مؤخرًا في دورية "نيتشر" الشهيرة، قام خلال ذلك البحث بتفسير "الآليات الجزيئية التي تستخدمها خلايا الجسم لتعطيل الجين الذي تعرَّض لطفرة عن إنتاج بروتينات معيبة، وزيادة إنتاج الجينات السليمة من البروتينات لتعويض وظيفة الجين المتطفِّر، فيما يُعرف باسم آلية التعويض الجيني، وفق ما جاء في تقرير سابق نشرته "للعلم".

credit: Mohamed El Brolosy

ينصب عمل الباحث المصري الشاب حاليًّا على "التأكد من الفرضيات" الخاصة بتلك الآلية، كما يُحاول فك شيفرة السبب وراء وجود جينات معيبة عند بعض الأشخاص دون أن تُسبب مرضًا جينيًّا.

تقديرًا لجهوده، حصل "البرلسي" في سبتمبر 2019 على جائزة "ماكس برنستيل" الدولية، التي تُمنح للباحثين المتميزين من الشباب، من قِبَل مبادرة مشتركة بين صندوق «ماكس برنستيل» ومعهد أبحاث علم الأمراض الجزيئية (IMP)، وهي جائزة رفيعة، مُنحت لأول مرة في عام 2019، ويُعد الشاب المصري أول الحاصلين عليها، بجانب إيميلي باير من جامعة كولومبيا الأمريكية، وجاستن سايلب من جامعة برينستون الأمريكية.

يعمل الآن الشاب المصري على الانتهاء من أطروحة الدكتوراة، ويأمل أن يُناقش رسالته خلال العام الحالي، ومن المقرر أن يواصل بعدها جهوده في مجال مكافحة الأمراض الجينية.

credit: Mohamed El Brolosy

رغم ضيق الوقت، لا يزال "البرلسي" يُمارس هوايته الأثيرة "الكاراتيه". نجح في العام الماضي في الحصول على المركز الأول في بطولة الجامعات الألمانية في تلك الرياضة، التي يقول عنها إنها طريقته الوحيدة في "الخروج من ضغط العمل ووتيرة البحث العلمي المتسارعة".

ويقول "البرلسي" إنه قضى سنوات شبابه الأولى في القتال على "بساط الكاراتيه"، إلا أنه ينوي قضاء سنواته القادمة في "قتال الأمراض الجينية".

أبرز انجازات العلماء المصريين في 2019