يشكل الكربون ما يقرب من 18% من وزن جسم الإنسان. ويُعد هذا العنصر البسيط أساس الحياة، كما أنه يوجد بوفرة في صخور كوكب الأرض وغلافه الجوي ومحيطاته. ولا يعرف العلماء كيف ظهر الكربون لأول مرة على كوكبنا، ولكن اكتشف علماء الفلك جزيئًا مميزًا في الفضاء قد يساعدنا على اقتفاء أثر هذا العنصر الأساسي وصولاً إلى مصدره.

تمكن الباحثون باستخدام تلسكوب "جرين بانك" في ولاية فرجينيا الغربية من تمييز بصمات الجزيء بنزونيتريل (C6H5CN) في كتلة من الغازات والغبار يُطلق عليها "سحابة الثور الجزيئية 1"، تبعد 430 سنةً ضوئيةً عن الأرض. يتكون البنزونيتريل بالأساس من حلقة سداسية الكربون تُدعى البنزين، وهي بنية تضع المركب في فئة الجزيئات "العطرية"، وتجعل البنزونيتريل إحدى اللبنات الأساسية لمجموعة يُطلق عليها الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات (PAHs)، وهي مجموعة تحتوي على العديد من سداسيات الكربون. ويعتقد العلماء أن الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات شديدة الانتشار في الكون، ولكن لم يعثر علماء الفلك على أي جزيء منها في الفضاء من قبل، ويُعد هذا الكشف الجديد هو أقرب ما توصلوا إلى رصده. ويعلق ألكساندر تييلنس، عالِم الكيمياء الفلكية بجامعة لايدن بهولندا، والذي لم يشارك في هذا البحث، قائلاً: "توضح هذه الدراسة أن لدينا أولى خطوات تَكوُّن الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات، وهي تلك الحلقات الأولى من البنزين. بعد ذلك يُمكننا الوصول إلى أنواع أكبر وأكبر. إن فهم مصدر نشأة هذه الجزيئات والدور الذي تؤديه في كل ما يوجد في الفضاء من الأهداف الرئيسية لعلم الفلك". نُشرت هذه النتائج في دورية "ساينس" Science يوم 11 يناير 2018، وقُدمت في اجتماع الجمعية الفلكية الأمريكية في واشنطن العاصمة.

قد تكون هذه الدراسة خطوةً تجاه الوصول إلى تفسير مصدر الكربون الذي يوجد على كواكب مثل كوكب الأرض. ينشأ هذا العنصر في نواة النجوم، حيث ينتج عن عملية اندماج نووي، ولكن عندما تموت النجوم وتقذف المواد المُكوِّنة لها إلى الفضاء، ماذا يحدث لهذا العنصر؟ يعتقد العلماء أن الجزء الأكبر منه، ما بين 10% إلى 20%، يصبح هيدروكربونات عطرية متعددة الحلقات، إذ يُمكن أن تتكون هذه المجموعات حينما يبرد أي غاز دافئ يحتوي على الكربون. ولكن في النهاية هل تتمكن هذه الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات من الدخول في الأقراص الكوكبية الأولية حول النجوم التي تُكوّن الكواكب والكويكبات؟ يقول راين فورتنبيري، عالِم الكيمياء الفلكية بجامعة جورجيا الجنوبية، الذي لم يشارك في الدراسة: "هذه أولى خطوات الإجابة عن هذه الأسئلة. ينبغي أن يتوافر الكربون لتكوين الكواكب ونشأة الحياة، وكذلك للتفاعلات الكيميائية المثيرة للاهتمام. لقد كانت لدينا هذه الفرضية حول أين يقبع الكربون، ولكن لم تكن لدينا أية طريقة لإثباتها. لكن البنزونيتريل يجعلنا نبدأ البحث في الأماكن الصحيحة".

ولكن إذا كانت الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات تحمل مكوِّنات بذور الحياة، فإن هذه المجموعات أيضًا تمثل عدو الحياة؛ إذ إن هذه الجزئيات مُسرطنة، وعادةً ما تُوجد على كوكب الأرض في عوادم السيارات وانبعاثات المداخن. والسبب في أن هذه الجزيئات شديدة الضرر على صحة الإنسان هي أنها صعبة التحلل؛ إذ إن حلقتها الكربونية الأساسية في غاية الثبات، كما أنها عالية المقاومة للتفاعلات، مما يجعل من الصعب على جسم الإنسان تحليلها. ولكن هذا الثبات يعني أيضًا أن هذه الجزيئات يُمكنها أن تبقى لفترات طويلة في بيئة الفضاء القاسية، ولا تتعرض للانكسار إلا من حينٍ لآخر بفعل الفوتونات هائلة الطاقة. وقد رصد الفلكيون أنماطًا ضوئية عامة تشير إلى أن بعض أنواع الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات تتوافر بكثرة في مجرتنا وغيرها من المجرات، غير أنه من الصعب تمييز الجزيئات المنفردة من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات عن بعضها، ولم يستطع العلماء قَط من قبل تمييز أيٍّ منها تحديدًا موجود في الفضاء.

ولرصد البنزونيتريل، عمل فريق من الفلكيين بقيادة الكيميائي بريت ماجواير -من المرصد الوطني لعلم الفلك الراديوي في ولاية فرجينيا- على مراقبة "سحابة الثور الجزيئية 1" لأكثر من 35 ساعة إجمالًا، ثم دمجوا كل الضوء الذي جمعوه في مجموعة بيانات واحدة أظهرت في النهاية البصمة الجزيئية. لكل نوع كيميائي أطوال موجية معينة للضوء تنبعث منه أو يمتصها، وهذا يعتمد على بنيته وتركيبه الدقيق. وقد كشف البنزونيتريل عن نفسه عن طريق إطلاق فوتونات في المجال الراديوي للطيف الكهرومغناطيسي في أثناء تقلُّب الجزيء في الفضاء. ويقول ماجواير: "تُغيّر مساحة انتشار كتلة الجزيء ومكان ذراته من سرعة دوران الجزيء. وفي أثناء خسارة الزخم الزاوي أو اكتسابه، يشع الجزيء ضوءًا".

وقد تمكَّن الباحثون من تَعرُّف البنزونيتريل لأنه غير متماثل؛ إذ يتعلق بأحد أطراف حلقته الكربونية السداسية زوج كربون ونيتروجين. تسهل هذه العلامة المميزة العثور عليه أكثر من الهيدروكربونات العطرية متعددة الحلقات الكاملة؛ إذ تميل هذه المجموعات لأن تكون متماثلة، فلا يتغير شكلها في أثناء الدوران، ومن ثَم لا تُطلق نمطًا ضوئيًّا مميزًا في أثناء دورانها. ويأمل الفريق أن يستخدم التقنية نفسها في تعرُّف البنزونيتريل في مواقع كونية أخرى قريبًا، فيقول ماجواير: "من خلال رصده في هذا المصدر للمرة الأولى، أصبحنا نعرف الآن أنه موجود هناك، ولدينا أفكار عن أماكن أخرى يُمكننا البحث عنه فيها".