يقول العالِم الكيميائي بيرنارد فيرينجا: "انتابتني دهشة عارمة عندما بدأنا تشغيل آلة جزيئية لأول مرة وشاهدنا حركتها"، ويقول إن الإحساس نفسه انتابه ذلك الصباح عندما تلقى اتصالًا هاتفيًّا من ستوكهولم يخبره بأن عمله أهّله لتقاسم جائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام.

يتقاسم فيرينجا الجائزة مع الكيميائيين جون بيير سوفاج والسير جيه فريزر ستودارت، ويتقاسمون كذلك مبلغًا ماليًّا قدره 923 ألف دولار أمريكي، وذلك عن تطوير آلات بأصغر مقياس ممكن: النانومتر أي واحد على مليار من المتر، وأدق من شعرة الإنسان بألف مرة. وقد ذكرت لجنة تحكيم جائزة نوبل أن المحركات والمصاعد والعضلات الجزيئية، وحتى السيارات المصغرة رباعية الدفع، تمثل بعضًا من اختراعات العلماء الثلاثة الذين برعوا في تقنيات التصنيع هذه، وكذلك القدرة على توليد طاقة لجعل الأشياء تتحرك.

أكد العلماء بلجنة التحكيم، كما أكد فيرينجا أيضًا في مقابلة أجريت معه، أنه لم يتم التوصل بعد إلى تطبيقات عملية لهذه التقنية، لكنهم ربما كانوا متواضعين أكثر مما ينبغي. فالآلات بمقياس النانو المصممة وفقًا لمبادئ التصميم هذه بدأت بالفعل في تشكيل مستقبل الطب؛ إذ نشرت مجلة "ساينتفك أمريكان" مؤخرًا تقريرًا حول الروبوتات النانوية أو أجهزة "النانوبوت" التي يمكن إرسالها داخل الجسم عبر الأوعية الدموية، وكذا المواد النانوية التي يمكن أن تُستخدم لرصد سلامة الأعضاء الحيوية بالجسم. كما سلطت المجلة الضوء على بعض أعمال ستودارت في مقال نشرته عام 2007.

وُلد سوفاج في عام 1944، ويعمل حاليًّا في جامعة ستراسبورج في فرنسا، في حين ولد ستودارت في عام 1942، ويعمل حاليًا بجامعة نورث وسترن بمدينة إيفانستون بولاية إلينوي. أما فيرينجا فقد وُلد في عام 1951، ويعمل بجامعة خرونينجن في هولندا.

كان سوفاج هو أول من اتخذ خطوة بارزة تجاه تطوير آلة دقيقة الحجم في عام 1983، عندما قام بربط جزيئين كل منهما على شكل حلقة لتكوين سلسلة، بحيث كان أحدهما حر الحركة ويمكنه الدوران حول الآخر بدلًا من أن يكون مثبتًا في مكانه. ولكي تتمكن أية آلة من أداء مهمة ما، ينبغي أن يكون لدى أجزائها القدرة على التحرك بالنسبة لبعضها. وقد استوفت الحلقتان المتشابكتان هذا الشرط، كما يقول أولوف رامستروم، عالِم الكيمياء بالمعهد الملكي للتكنولوجيا في ستوكهولم، وأحد أعضاء لجنة تحكيم جائزة نوبل للكيمياء.

ثم في عام 1991، أثبت ستودارت إمكانية التحكم في الأجزاء الجزيئية. إذ قام هو وفريقه بوضع حلقة جزيئية على محور جزيئي رفيع، وحركوا الحلقة في اتجاه الأجزاء المختلفة جيئةً وذهابًا. وقد بقيت الحلقة حول هذا المحور لأن لدى كل منهما مجموعات إلكترونات مكمّلة للآخر، مما أدى إلى بقائهما بالقرب من بعضهما، وفي الوقت نفسه، بشكل يسمح لهما بحرية الحركة. وعندما أضاف ستودارت عنصر الحرارة إلى التجربة -مُثيرًا الإلكترونات في أجزاء مختلفة من المحور– انزلقت الحلقة إلى أعلى وأسفل. وقد مهد هذا النوع من التحكم الطريق لتصنيع أجهزة تتضمن مصعدًا جزيئيًّا، يتحرك إلى أعلى وإلى أسفل، وعضلة جزيئية يمكنها أن تنقبض وتنبسط.

استخدم فيرينجا فكرة إضافة الطاقة لإنتاج الحركة الدائرية اللازمة لتشغيل محرك حقيقي. وفي عام 1999، استطاع جعل نصل جزيئي دوار يدور في اتجاه واحد، متغلبًا بذلك على الحركات الأساسية العشوائية للجزيئات. وفي عام 2014، تمكن من تطوير المحرك ليدور بسرعة 12 ألف دورة في الثانية. وكذلك استخدم المحركات لتدوير أسطوانة زجاجية أكبر 10 آلاف مرة من المحرك نفسه، كما قام فريقه بربط عدة محركات ومحاور بعضها ببعض لصنع "سيارة نانوية" رباعية الدفع.

كيف يُسهِم هذا كله في تغيير العالم الذي نعيش فيه؟ يُشبِّه كثير من المراقبين هذا الموقف بما حدث في أواخر القرن التاسع عشر، عندما بدأ العلماء في تطوير محركات كبيرة الحجم تدار بالكهرباء. واليوم أصبحنا ننعم بوجود الكثير من الأجهزة، مثل المثاقب الكهربائية وغسالات الملابس والسيارات. ويقارن فيرينجا هذه التقنية بما حدث مع الأخوين رايت؛ فيقول إنه بمجرد أن قاما ببناء الماكينة الطائرة أبدى الناس إعجابهم وسعادتهم بالاختراع، ولكنهم أيضًا تساءلوا عن فائدة هذه الماكينة، ويضيف: "الآن أصبح لدينا طائرات من طراز بوينج 747". ويرى فيرينجا أن نطاق التطبيقات المحتملة للآلات الجزيئية يتسع ليشمل الروبوتات التي تطارد الخلايا السرطانية داخل الجسم، وأجهزة تخزين الطاقة دقيقة الحجم لإمداد الحواسيب بالطاقة.

تقول دونا نلسون -عالِمة الكيمياء ورئيسة الجمعية الكيميائية الأمريكية-: "أعتقد أن هذا الموضوع سيكون كنزًا ثمينًا للعلم. فعندما تتوج جائزة نوبل موضوعًا بحثيًّا ما، فإنها تطلق شرارة اهتمام جم بهذا الموضوع من قِبل الباحثين، بالإضافة إلى زيادة التمويل الموجه لدراسته". وتشير نلسون أيضًا إلى أن هذا المجال بالتحديد -مجال الآلات دقيقة الحجم- "سيأسر انتباه الأطفال؛ إذ يمكنهم تصوُّره، وتخيُّل سيارة نانوية. يأتي هذا في وقت رائع نحتاج فيه أن نلهم الجيل القادم من العلماء".

والإلهام يؤدي إلى تحقيق نتائج. فالفائزون اليوم بجوائز نوبل كان مصدر إلهامهم –على غرار الكثير من زملائهم– تلك المحاضرة التي ألقاها عالِم الفيزياء الحائز جائزة نوبل ريتشارد فاينمان في عام 1959، التي تحدث فيها عن إمكانية بناء وتصنيع أشياء على أدق مقياس ممكن. وقد أُطلق على محاضرته تلك عنوان "هناك متسع كبير في القاع" There’s Plenty of Room at the Bottom، إشارة إلى إمكانية الوصول إلى مقياس متناهي الصغر؛ وقد ثَبَتَ اليوم أن ذلك "المتسع في القاع" ما هو إلا طريق يقود إلى قمة العالم العلمي.