تعيش طيور "السنونو أبيض الذيل"، المعروفة بالاسم العلمي "هيروندوميجانسيس"، و"غراب الأدغال الإثيوبي" في نطاقات صغيرة ومقيدة من جميع الجوانب وفق درجات الحرارة وأنماط هطول الأمطار، فيما يمكن أن يُطلق عليه "قوارب النجاة المناخية"، حتى يمكنها البقاء على قيد الحياة.

ورغم أن هذه الطيور لا يوجد منها إلا أعداد قليلة للغاية وفي نظم بيئية محدودة، فإن بعض النماذج المناخية تتوقع أنه في ظل استمرار ارتفاع درجة الحرارة، في غضون الخمسين عامًا القادمة، فإن هذه الطيور، التي تواجه خطر الانقراض بصورة كبيرة في الوقت الراهن، قد تنقرض بالفعل وبشكل كامل.

ووفق دراسة نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE)، يشير العلماء إلى أن مراقبة استجابة هذه الطيور للتغيرات المناخية ستكون أمرًا بالغ الأهمية لتقييم تنبؤات النماذج المناخية المستخدمة على نطاق واسع، كما أنها ستساعد القائمين على حماية البيئة والحفاظ على الطبيعة في التوصل إلى طرق أكثر فاعلية، لتجنُّب انقراض أنواع برية أخرى.

وتوضح الدراسة أن "تدابير الحفظ المكثفة، مثل المساعدة على الهجرة والتكاثر، قد تكون هي الخيارات الوحيدة المتاحة حاليًّا لإبقاء هذين النوعين من الطيور على قيد الحياة، بعد أن حسمت تغيرات المناخ مصيرهما إلى حدٍّ كبير، وأن الفهم الجديد لطبيعة نطاقات هذه الطيور قد يساعد في تطوير خطط الحفاظ عليها في محمية يابيلو للحياة البرية التي تم إنشاؤها مؤخرًا في إثيوبيا".

يقول أندرو بلادون، الباحث في قسم علم الحيوان في جامعة كامبريدج، والمؤلف الرئيسي للدراسة: "إن اكتشاف وجود هذين النوعين في نطاقات مقيدة بدرجة الحرارة عند كل حافة من حدود توزيعهما العالمي، أمرٌ رائع في الحقيقة".

يضيف " بلادون" في تصريحات لـ"للعلم": رغم أن هذين النوعين لا توجد علاقة بينهما بالمرة، إلا أنهما يتأثران بشكل متشابه جدًّا بحالات المناخ على الصعيد المحلي، ومع استمرار درجات الحرارة في الارتفاع، نتيجةً للتغيرات المناخية، فإن هذين النوعين يكافحان من أجل البقاء على قيد الحياة.

اعتمد العلماء على تقييم مجموعة من التوقعات المستقبلية للتغيرات المناخية، الصادرة عن الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC)، بدايةً من "السيناريو الأفضل"، الذي يتوقع نجاح العمل المناخي المنسق في بلوغ الانبعاثات الكربونية ذروتها عام 2030 قبل أن تبدأ في التراجع، وصولًا إلى "السيناريو الأسوأ"، الذي يشير إلى أنه في حالة عدم حدوث أي تغيير في انبعاثات الكربون، فإن ذلك سيؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة عالميًّا بمقدار ما بين 3 و5 درجات بحلول نهاية القرن.

وجد العلماء أنه في جميع السيناريوهات، ومن خلال استخدام مجموعة من نماذج التنبؤات المناخية، فإن كلا النوعين سوف يتعرض لخطر الانقراض بصورة شديدة في غضون الخمسين سنة القادمة، إذ تشير التوقعات إلى أن الظروف المناخية لن تكون مواتيةً لبقائها على قيد الحياة، وذلك بنسبة تتراوح بين 68 و84% لطائر السنونو أبيض الذيل، وما بين 90 و100% لغراب الأدغال الإثيوبي.

ولاحظ العلماء أن درجة الحرارة تؤثر بشكل كبير على قدرة غراب الأدغال الإثيوبي على البحث عن الغذاء، وفي حالة ارتفاع درجات الحرارة في نطاقاتها المحدودة، فإنها قد تبدأ في الاختفاء سريعًا؛ إذ لا يمكنها توفير طعامها، وبالتالي لن تتمكن من البقاء على قيد الحياة.

ورغم أن الأسباب المؤدية إلى تراجُع طيور السنونو أبيض الذيل نتيجة ارتفاع درجة الحرارة ما زالت غير معروفة على وجه التحديد، فإن العلماء يرجحون أنها تحدث -في الغالب- نتيجة تأثير الحرارة على قدرة هذه الطيور على التكاثر.

ويعيش هذا النوع من طيور السنونو أبيض الذيل، وهو من الأنواع المهددة بالانقراض، في نطاق لا يتجاوز 8000 كيلومتر مربع من الأراضي العشبية جنوب إثيوبيا، إذ تم تسجيل هذا النوع لأول مرة في عام 1942، ورغم جهود البحث المكثفة للعثور على موطن آخر لهذه الطيور، لم يتم اكتشاف أي وجود لها خارج ذلك النطاق المحدود، وهو الأمر الذي أثار حيرة العلماء لسنوات.

ويُظهر البحث الجديد أن نطاق السنونو أبيض الذيل، رغم أنه أكبر من نظيره الخاص بغراب الأدغال، فإنه يجري تحديده أيضًا وفقًا لظروف المناخ المحلية.

ورغم أن العديد من الأنواع تعيش في نطاقات محددة وفق درجات الحرارة، سواء حدود شمالية أو جنوبية، يرجح العلماء أن طيور السنونو أبيض الذيل والغراب الإثيوبي هي الأمثلة الوحيدة للحيوانات "ذوات الدم الحار"، التي تتحدد نطاقاتها لاعتبارات مناخية فقط.

و"ذوات الدم الحار" هي حيوانات تحافظ على ثبات درجة حرارة جسمها رغم تبدُّل درجة حرارة الوسط الذي تعيش فيه.

ويوضح بلادون، في تصريحاته لـ"للعلم"، أن "ارتفاع درجات الحرارة الناجمة عن تغير المناخ، يشكل تهديدًا مروِّعًا لبقاء هذين النوعين من الطيور على قيد الحياة على المدى الطويل، وفي حالة انقراضها بالفعل في غضون الخمسين سنة القادمة، فإنها على الأقل تمثل حالة اختبار مفيدة للتحقق من صحة نماذج التنبؤات المناخية، مما يساعد في تعزيز أعمال حفظ بعض الأنواع الأخرى".