لم يقصد "فرانكنشتاين" أن يخلق مسخًا، لكنه عندما صنع "مخلوقًا غريبًا عاقلًا" من أعضاء الجثث وبث فيه الحياة من خلال تجربة علمية "غير تقليدية" أو "غير أخلاقية"، أطلق العنان لـ"مسخ رهيب" من الصعب ردعه، مسخ قتل أخاه وزوجته، بل قتله هو أيضًا.

ربما كانت تلك هي الرسالة التي أرادت الكاتبة الإنجليزية "ماري شيلي" توصيلها للعالم في روايتها "فرانكشتاين" بأن العلم يحتاج إلى معايير ومهمات أخلاقية تحكم دائرته، معايير ومهمات ارتبطت بظهور الدوريات الغربية المتخصصة وفي طليعتها دورية "المعاملات الفلسفية"، التي أصدرتها "جمعية لندن الملكية لتحسين المعرفة الطبيعية" قبل 355 عامًا، وتحديدًا في عام 1665.

وقتها أكدت الجمعية أهمية التزام المجتمع البحثي على مستوى العالم بـ"ضرورة إثبات الحقائق عن طريق التجارب"، مؤكدةً أيضًا ضرورة تسلُّح "البحث العلمي" بالمُثُل الأخلاقية، باعتباره نشاطًا اجتماعيًّا يستهدف إنتاج المعلومات التي يعتمد عليها الأطباء في علاج المرضى، وتعزيز الأنظمة الصحية، ومساعدة صناع السياسات على الاستخدام العادل والفعال للموارد النادرة.

لكن هذه القاعدة واجهت تهديدات كبيرة خلال الشهور الأربعة الماضية، فمنذ أعلنت منظمة الصحة العالمية عن ظهوره في نهاية العام الماضي 2019، تحول فيروس "كوفيد 19" إلى جائحة لا تعترف بحدود جغرافية أو تبايُن عرقي أو تمييز جنسي، ما ساعد على ظهور كَمٍّ هائل من الدراسات بصورة "شبه يومية" دون تقيُّد كثيرٍ منها بالأصول العلمية والمنهجية المتعارف عليها، مثل دقة التوثيق وإجراء القدر الكافي من التجارب السريرية وتقديم الحجج والبراهين، حتى باتت مقولة "لا أحد يعلم شيئًا" سيدةَ الموقف.

تهديدات دفعت اثنين من علماء الأخلاق إلى مطالبة مجتمع البحث العلمي على مستوى العالم بعدم اتخاذ جائحة "كورونا المستجد" مسوِّغًا للتخلي عن معايير البحث الصارمة.

يدعو العالِمان، أليكس جون لندن، أستاذ الأخلاقيات والفلسفة ومدير مركز الأخلاقيات والسياسة بجامعة "كارنيجي ميلون"، وجوناثان كيميلمان، مدير وحدة الأخلاقيات الطبية الحيوية بجامعة "ماكجيل"، إلى عدم استغلال رغبة العالم في التوصل إلى علاجات ولقاحات لتلك الجائحة ذريعةً لخفض سقف المعايير العلمية الواجب الالتزام بها في البحوث الطبية في الظروف العادية.

تقول الورقة التي نشرتها مجلة "ساينس" (Science)، اليوم "الخميس" 23 إبريل، إنه "بالرغم من أن الأزمات تمثل تحديات لوجستية وعملية كبيرة، إلا أن المهمة الأخلاقية للبحث العلمي تظل كما هي، وهي الحد من عدم اليقين، وتمكين مقدمي الرعاية والنظم الصحية وصانعي السياسات من معالجة الصحة الفردية والعامة بشكل أفضل".

تتمثل المهمة الأخلاقية للبحث العلمي في دعم المجتمع والتأكد من أن الأطباء والنظم الصحية وواضعي السياسات لديهم الأدلة التي يحتاجون إليها لحماية الصحة الفردية والعامة، وأن تكون تلك الأدلة "موثوقة" بحيث تساعد الأطراف المختلفة على اتخاذ قرارات صحية وعلمية أفضل، وفق ما يقول "لندن" في تصريحات لـ"للعلم".

ويتابع: هناك العديد من الدراسات التي تعاملت مع كوفيد 19 على نحوٍ سيئ، أو لم يتم تنفيذها بصورة جيدة، أو تبنت مواقف متحيزة. وتدفق الدراسات المسجلة عقب انتشار الجائحة، والتي حظيت باهتمام إعلامي كبير، ساعد على نشر نتائج خطأ.

يرى العالِمان أن "جميع الأزمات تقدم حالات استثنائية فيما يتعلق بالتحديات التي تطرحها على الصحة والرفاه. لكن فكرة أن الأزمات تمثل استثناءً لتحديات تقييم آثار الأدوية واللقاحات خطأ؛ وبدلاً من الحصول على إذن لإجراء تحقيقات منخفضة الجودة، فإن إلحاح الأوبئة وندرتها يزيدان من مسؤولية الفاعلين الرئيسيين في المشروعات البحثية لتنسيق أنشطتهم لدعم المعايير اللازمة للمُضي قُدُمًا بهذه المهمة".

وفي هذا الإطار، يقدم العالِمان توصيات أخلاقية وعلمية، أهمها أن "تعطي الجهات الراعية والمؤسسات البحثية والهيئات الصحية الأولوية لأساليب البحث التي تختبر علاجات متعددة جنبًا إلى جنب في إطار إحصائي مشترك، وأن يتجنب الأطباء الفرديون استخدام التدخلات غير المصنفة، ومقاومة الرغبة في إجراء دراسات صغيرة غير مُحكَّمة ونشرها، والبحث -عوضًا عن ذلك- عن فرص للانضمام إلى دراسات أكبر تكون منسَّقةً بعناية".

وحول المخاطر التي يمكن أن تواجهها البشرية في حالة عدم اتباع الباحثين للمهمة الأخلاقية للبحث للعلمي، يقول "لندن": نشعر بالقلق لأنه في أثناء الاندفاع للتحرك بسرعة في مواجهة الأوبئة، يتم اتباع ممارسات لا تقلل حجم المخاطر، ولكنها قد تزيد في الواقع من عدم اليقين بشأن الأسئلة المهمة. فإذا جرى الإبلاغ عن نتائج "واعدة" لدراسة تفتقر إلى معايير البحث العلمي، فإن هذا قد يدفع الأطباء إلى إضاعة الوقت والجهد في شرائه وإدارته دون أي استفادة تُذكر، ولن تتحسن حالة المرضى، وقد يكونون أسوأ حالًا. علاوةً على ذلك، إذا اعتقد الناس أن هذه التدخلات العلاجية ناجحة، فقد يرفضون المشاركة في تجارب سريرية عشوائية من شأنها أن تُظهر عدم كفاءة تلك التدخلات العلاجية.

يشدد "لندن" على ضرورة الاحتماء بمظلة ما يصفه بـ"البروتوكول الرئيسي"، موضحًا أن "هذا البروتوكول هو مجموعة من التعليمات حول كيفية إجراء التجارب السريرية والاختبارات الإحصائية، وعادةً ما يتم استخدام هذه البروتوكولات بحيث يمكن التخلي عن التدخلات العلاجية منخفضة الأداء وإيجاد تدخلات علاجية واعدة جديدة"، وفق قوله.

ووفق الورقة، يجب على الهيئات التنظيمية وسلطات الصحة العامة أن تؤدي دورًا رائدًا في تحديد الدراسات التي تلبي المعايير الصارمة وتعزِّز التعاون بين عددٍ كافٍ من المراكز لضمان التوظيف المناسب لجميع الإمكانيات المتنوعة المتاحة وظهور النتائج الصحيحة في الوقت المناسب، وأن توجه المؤسسات الصحية الباحثين وتدعمهم بما يضمن ظهور دراسات عالية الجودة تجنُّبًا لتعرُّض المرضى والأنظمة الصحية لعواقب وخيمة.