"اليسار" و"الحبة الغالية" و"الثوم البري" و"فجل الحصان" و"عصا الطبلة"، أسماء اعتاد الناس على اختلاف جنسياتهم ولغاتهم إطلاقها على شجرة "المورينجا"، المعرفة علميًّا بـ"المورينجا أوليفيرا" (Moringa oleifera)، والتي طالما عُرفت بكونها نموذجًا لـ"الطب الشعبي"؛ مثلما عُرفت لدى العرب بـ"شجرة الحب" و"غصن البان" لقامتها الطويلة الممشوقة، وصارت رمزًا للتغني بـ"قوام المحبوبة".

واحتلت شجرة "المورينجا" التي تضم 14 صنفًا أشهرها "المورينجا أوليفيرا" الذي اكتسبت منه اسمها العلمي، مكانةً بارزةً لدى المصريين القدماء، الذين اعتادوا استخدامها في استخراج "زيت المورينجا" كمنافسٍ قويٍّ -في فوائده- لزيت الزيتون، فضلًا عن استخدامه في عمليات "التحنيط".

وفي العصر الحديث، دخلت "المورينجا" المعامل الطبية بوصفها مكملات غذائية صحية للحد من سوء التغذية، وكعلاج للعقم عند الذكور، كما تُستخدم في علاج أمراض القلب والأوعية الدموية، وكخافض لضغط الدم، وللوقاية من الإصابة بالسكري والأكسدة والسرطان، وكعلاج للأورام وتضخم الطحال؛ إذ تُعَد مستخلصات أوراق نبات المورينجا مصدرًا غنيًّا بالفيتامينات والأحماض الأمينية.

كما تحتوي أوراق نبات المورينجا على مركبات وصبغات عضوية مثل الكاروتينات (توجد في الخضراوات والفاكهة، مثل الجزر والطماطم والمشمش والأناناس) والفلافونويد والأيزوثيوسيانات، والنيازيميسين، والجلوكوسينولات، والمعادن، والستيرول، وكلها مواد مسؤولة عن تكوين مضادات قوية للأكسدة في جسم الإنسان.

تشير دراسة حديثة أعدها "إبراهيم فرج" -أستاذ علم وراثة الحيوان بالمركز القومي للبحوث- ونشرتها دورية "بيوساينس ريسيرش" (Bioscience Research) إلى قدرة مستخلص أوراق نبات المورينجا على مواجهة التغيرات الوراثية الضارة الناجمة عن مركب "الأفلاتوكسين"، وهو أحد السموم الفطرية التي تنتج بواسطة بعض الفطريات في المواد الغذائية وتكون من مسبِّبات السرطان؛ إذ يشكل "عامل قمع" للمناعة في الإنسان والحيوان، كما أنه مسؤول عن بعض الأضرار التي تظهر في الحمض النووي.

يقول "فرج"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة كشفت أن استهلاك مركب الأفلاتوكسين (AFB1) عن طريق الأغذية الملوثة يسبب كثيرًا من الإصابات في الأعضاء والأنسجة المختلفة ويؤدي إلى تثبيط المناعة والإصابة بسرطان الكبد وتلف الكلى.

ويضيف: استهدفت الدراسة معرفة ما إذا كان مستخلص أوراق نبات المورينجا يمكن أن يثبط السُّمِّيَّة الوراثية التي يسببها مركب "الأفلاتوكسين"، وكذلك قدرته على تثبيط السمية الدموية والسرطنة في الجرذان.

ويستطرد بقوله: تم إعطاء المورينجا كعامل علاجي بجرعة بلغت 4.7 جرامات لتحقيق أفضل النتائج، ما ترتب عليه إعادة بعض التغيرات الوراثية والدموية والنسيجية التى طرأت على الجسم إلى مستواها الطبيعي، ما يدل على الدور العلاجي للمورينجا في التخفيف من السُّمِّيَّة الوراثية المستحثة لمركب الأفلاتوكسين، وقدرتها على تخفيف الآثار الضارة التي يُلحقها هذا المركب بالجسم".

استهدفت الدراسة التحقق مما إذا كانت "المورينجا "تمنع السمية الجينية الناتجة عن "الأفلاتوكسين"؛ إذ جرى استخدام المورينجا" بوصفها عاملًا وقائيًّا وعلاجيًّا، وفق ما أظهرته نتائج الجينية (تحليل ISSR-PCR وRT-PCR) لقياس عمل الجين p53 المثبط للسرطان.

وأظهرت النتائج أن ذكور الفئران التي تم حقنها بـ"الأفلاتوكسين" تعرضت لزيادة كبيرة في الأضرار التي لحقت بالحمض النووي مقارنةً بالمجموعة الضابطة، وأظهر العلاج الوقائي باستخدام المورينجا انخفاضًا في نسبة الأضرار التي يلحقها ذلك المركب بالحمض النووي، وانخفضت الأضرار بزيادة مستوى جرعة المورينجا، ما يعني أن استخدامها كعامل علاجي أدى إلى نتائج أفضل فيما يتعلق بإصلاح تلف الحمض النووي.

يضيف "فرج" أن "الفحوصات النسيجية أظهرت أن المورينجا تسبب في تراجُع سمية الأفلاتوكسين حتى مع حدوث خلل التنسج في الكبد".

وتعطي النتائج الحالية نظرةً جديدةً إلى الدور العلاجي الذي تؤديه المورينجا في التخفيف من السُّمِّيَّة الوراثية التي يُحدثها مركب الأفلاتوكسين والسمية الدموية والكبدية والكلوية في الفئران التي تمت عليها التجارب (72 فأرًا تم تقسيمها إلى 9 مجموعات متساوية)؛ إذ كانت المورينجا بمنزلة مصنع للتخفيف من السُّمِّيَّة الوراثية وتأثيرات الأفلاتوكسين المسببة للسرطان.

يضيف "فرج" أن "المورينجا تؤدي دورًا في هضم الغذاء، ما يعزِّز الحفاظ على سلامة المواد الوراثية والمكونات الدموية والأنسجة في مواجهة سمية مركب الأفلاتوكسين، والنتائج التي توصلنا إليها تتفق مع استخدام مستخلص أوراق نبات المورينجا لعلاج أمراض التهاب القلب والأوعية الدموية والجهاز الهضمي والاضطرابات الهضمية والدموية".

يقول "أبو الفتوح عبد الله" -رئيس الجمعية العلمية للمورينجا، التي أُنشئت في مصر عام 2012- في تصريحات لـ"للعلم": "إن المورينجا تُعَدُّ أحد أهم الأعشاب الطبية التي لها خصائص فعالة في تثبيط عمليات توليد الشوارد الحرة وتقليل كثافة بيروكسيد الدهون وتعزيز أنشطة الإنزيمات المضادة للأكسدة".

وتُعَد بيروكسيدات الدهون التى تتكون من النواتج الأيضية السامة من أهم عوامل التأكسد التى تشارك في الضرر التأكسدي لهياكل الخلايا في العمليات السمية، مؤديةً إلى موتها بسبب تمزيق الأغشية الداخلية للخلايا وتلفها.

استكمال الطريق

ومن جانبه، يشدد "فرج" على أن ما يُجرونَه من أبحاث على نبات "المورينجا" ما زال يحتاج إلى مزيد من الأبحاث وخاصة في مجال الصيدلة، مضيفًا: "أجرينا أبحاثنا على الجرذان الكبيرة لنقدم كشفًا علميًّا جديدًا يكملون به الطريق".

وفي الإطار ذاته، تشير نتائج دراسة أخرى أجراها فريق العمل نفسه، على مجموعة من فئران التجارب، إلى فاعلية المستخلصات الأولية للمورينجا في الحفاظ على أنسجة المخ والخصية ضد السُّمِّيَّة التي يسببها مركب الأفلاتوكسين.

النانو والمورينجا

يقول "أحمد عبد ربه" -الباحث بالشعبة الطبية بالمركز القومي للبحوث- أن "شجرة المورينجا كانت معروفة لدى السكان الأصليين في مناطق شبه الهيمالايا في الهند وباكستان وبنجلاديش وأفغانستان. كما كانت تُستخدم في المجال الطبي من قِبَل المصريين القدماء واليونانيين. وبعد ذلك جرى التوسع في زراعتها عالميًّا لنشر فوائدها الطبية في جميع أنحاء العالم.

يضيف عبد ربه: استهدفنا في دراسة نُشرت أواخر 2017 في مجلة "آسيا والمحيط الهادئ للوقاية من السرطان(APJCP)، اختبار تأثير مستخلصات مختلفة من أوراق نبات المورينجا ومركباته النانوية على سرطانات الكبد والثدي والقولون والمستقيم".

أجرى "عبد ربه" أغلب دراساته على خلايا سرطانية "في المعمل"؛ إذ قام -باستخدام تقنيات نانوية- بتحويل زيت بذرة المورينجا إلى جسيمات نانومترية، مضيفًا أن "تلك التطبيقات أظهرت تأثيرًا قويًّا على الخلايا السرطانية، وهو تأثير لا يحتوي على أي آثار سلبية كتلك التي يتسبب فيها العلاج الكيماوي".

ويؤدي علاج السرطان بالعلاج الكيماوي إلى تدمير الخلايا السليمة مع الخلايا السرطانية. أما استخدام تكنولوجيا مورينجا النانو، فيتم خلالها وضع المستخلص من جذور المورينجا داخل كرة النانو ليتم توجيهها إلى الخلية المصابة مباشرةً لتحقق كفاءةً بين 90 و100%"، على حد وصفه.

ويعتبر "عبد ربه" أن استكمال العمل على أبحاث المورينجا على الفئران والبشر ضروري، وأنه سيفتح الطريق أمام آفاق جديدة للاستفادة من الأدوية التي تعتمد على النباتات الطبية، مضيفًا أن "سكان البلدان المتقدمة يهتمون بالتداوي بعلاجات بديلة أو طبيعية لتفادي آثار العلاج الكيميائي والحصول على علاجات آمنة".

فئران التجارب

أغلب الأبحاث الخاصة بالمورينجا على فئران التجارب، وآخرها كما يوضح رئيس جمعية المورينجا بحث نُشر أغسطس الجاري في "جورنال أوف فانكشنال فودز" (Journal of Functional Foods) حول استخدام المورينجا في علاج سكر الدم وتنقية مياه الشرب.

إذ تم وضع نظام غذائي يتضمن مستخلص بذور المورينجا لتغذية ذكور الفئران ذات الوزن الزائد، وذلك بمستويين: الأول منخفض في نسبة الدهون، والآخر مرتفع لمدة 12 أسبوعًا.

وقد أظهرت النتائج انخفاض أوزان أجسام الفئران وانخفاض نسبة الدهون لديها، وزيادة قدرتها على إنتاج مضادات الأكسدة.

وبتحليل براز الفئران، أوضحت النتائج انخفاضًا كبيرًا في معدلات الجراثيم، وذلك على غرار الاستجابة للمضادات الحيوية، ما يشير إلى أن "مستخلص بذور المورينجا يحسِّن التمثيل الغذائي من خلال تنشيط مضادات الالتهابات الداخلية، وكذلك زيادة فاعلية مضادات الأكسدة، وإعادة الهيكلة لجراثيم الأمعاء، التي تشبه تأثير المضادات الحيوية، وفق "عبد الله".

تقول "نرمين الشافعي" -أستاذ علم الأمراض بالمركز القومي- والتي أجرت دراسة عام 2015 لتقييم الدور الوقائي والعلاجي لمستخلص أوراق نبات المورينجا على السُّمِّية الكبدية الناتجة عن رابع كلوريد الكربون في الجرذان، في تصريحات لـ"للعلم": "إن المورينجا أثبتت قدرةً كبيرةً على مواجهة الآثار السلبية التي يسببها هذا المركب، ومن بينها تلف نسيج الكبد".

وتضيف أن "استخدام جرعات قليلة من مستخلص أوراق المورينجا بشكل وقائي على مدار مدة البحث التي امتدت لثلاثة أشهر على 88 فأر تجارب، لم يُظهِر تأثيرًا يُذكر في الوقاية من سُمِّية رابع كلوريد الكربون، في حين أدى تعاطي الجرعات الكبيرة إلى نقص ملحوظ في تكوُّن النسيج الليفي، الذي يسبب تليفا كثيفًا حول الورم، وقد ازداد هذا التحسن مع زيادة عدد الجرعات".

السؤال الآن هل تصلح نتائج الأبحاث على الفئران لكي نقول إن هذا المستخلص مفيد، تقول "الشافعي": "إن استخدام فئران التجارب أمر متبع في التجارب العلمية؛ إذ تعطي فئران التجارب -وهي نوع من الثدييات- للباحثين مؤشرات حول ما إذا كانت هذه المكونات أو النباتات مفيدة أو ضارة، كما أننا نستخدم الفئران البيضاء والجرذان الكبيرة لتشابه أعضائها مع أعضاء الإنسان، كما أنها تتطابق مع البشر من الناحية الجينية، وخصائصها البيولوجية والسلوكية تشبه نظيرتها الموجودة في الإنسان".