كشفت دراسة حديثة[1] لمؤسسة حكومية للبحث العلمي بمدريد عن اكتشاف نوع غير معروف من طيور الخفافيش يعيش في شمال أفريقيا. وذكر بيان صحفي أصدره المجلس في فبراير 2019 أن هذا النوع الجديد من فصيلة الثدييات نادر للغاية. يتعلق الأمر بخفاش أطلق عليه الباحث الرئيسي خابيير خوستي -في الدراسة التي أشرف عليها المجلس الأعلى للبحوث العلمية (CSIC)، وهو أعلى هيئة علمية إسبانية- اسم ميوتيس زيناتيوس (Myotis zenatius)؛ نسبة إلى قبيلة زناتة الأمازيغية التي تمتعت بنفوذ واسع[2] [3] في المنطقة المغاربية (تضم الآن كلًّا من المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا) في القرون الوسطى، واشتهرت بمهارة فرسانها في ركوب الخيل والتنقل.

ولعل دلالة الاسم المختار جليةٌ توحي برقعة الانتشار الجغرافي لهذا الخفاش غرب ما يُعرف جغرافيًّا بالتقسيم البيئي بالمنطقة القطبية الشمالية القديمة (Palaearctic)، ويشمل قارة أوروبا والجزء الشمالي من آسيا وشمال أفريقيا والجزء الشمالي والأوسط من الجزيرة العربية. ويتميز الخفاش المغاربي الفأريّ ذو الأذن الكبيرة (Myotis bat) بالحجم الصغير، وينحدر من سلالة خفاشيات ينتمي معظمها إلى العالم القديم الذي يعود إلى ملايين السنين، وتُدعى (Vespertilionidae).
الخفاش الزناتي النادر

ويستوطن خفاش زيناتيوس منطقة البحر المتوسط، وتحديدًا المنطقة المغاربية، حيث يتخذ من تجاويف جبال المغرب والجزائر مأوى له، ومن الحشرات طعامًا له. وتحدد الدراسة -التي نُشرت سنة 2018[4] في مجلة  Acta Chiropterologicaالمختصة بالخفافيش، وهي مجلة[5] يصدرها متحف ومعهد علم الحيوان بأكاديمية العلوم البولندية- توزيعه الجغرافي في المنطقة بما يفيد فعلًا ندرته الشديدة. فإن كان توزيعه في المغرب واسع النطاق بين جبال الريف شمالًا وجبال الأطلس الكبير وسطًا، فإن خفاش زيناتيوس لم يتم رصده مع ذلك سوى في ثلاث مناطق في الماضي، وثلاث حديثة سجلها الباحث الإسباني خلال دراسته الميدانية.

على مستوى الجزائر، تلاحظ الدراسة أن توزيعه أضيق نطاقًا، وينحصر في الشمال في ثلاث مناطق أشارت إليها دراسات سابقة بين 1991 و2017. بيد أن هذه المعطيات تمثل في واقع الحال مجرد فرضية، فالدراسة تقرّ بانعدام التحليل الوراثي لأية عيّنة من الجزائر، لكنها ترجح أن ما يدعم وصفه كنوع مستوطن هناك هو كون المسافة لا تزيد عن 200 كلم بين واحدة من المناطق المغربية الست شرقًا حيث عُثر على الخفاش المكتشف حديثًا وأقصى المنطقة الجزائرية غربًا (قرب تلمسان) حيث عُثر على مجتمعات خفاش ناتيريري، ما "يسمح بأن نفترض أن الأمر يتعلق في الواقع بخفاش زيناتيوس". من جانب آخر، لم تستبعد الدراسة احتمال أن تكون تونس كذلك موطنًا لخفاش ميوتيس زيناتيوس.


تنوع غير متوقع
 
والواقع أن الخفاش المغاربي الجديد ليس جديدًا تمامًا، فالباحث "خوستي" يقرّ بأن هذا النوع معروف منذ عدة سنوات، وبالضبط "منذ أكثر من 20 عامًا!"، لكن جرت الإشارة إليه علميًّا لأول مرة سنة 2009، لكن ليس باعتباره "نوعًا بيولوجيًّا كاملًا ومستقلًّا  داخل مجمع الأنواع (Species Complex) الذي يمثله خفاش ميوتيس ناتيريري" (Myotis nattereri)، كسلالة منحدرة من عرق واحد ذات سلف مشترك.

وقدم خوستي أول "وصف رسمي" لخفاش زيناتيوس باعتباره من الأنواع الخفية (cryptic bat species) لسلالة ناتيريري، وذلك عبر الدراسة الدقيقة للفروقات والاختلافات والتفاصيل الشكلية والبحث الوراثي واختبارات الحمض النووي الخاصة بتحديد الفروق.

ويُقصد بالأنواع الخفية وجود اثنين من الأنواع أو أكثر تحمل اسم نوع واحد، وهو الحال قبل عشر سنوات بالنسبة للخفاش الزناتي، إذ كان يتم الخلط بينه وبين خفاش ميوتيس ناتيريري أو نوع آخر ينضوي تحت مجمع الأنواع هذا، ويحمل اسم ميوتيس إسكاليري (M. escalerai).

وبينما لا تفيد الدراسات المورفولوجية منفردةً في التمييز بين أنواع الخفافيش وتصنيفها بشكل موثوق، تسهم الأبحاث التي تجرى على المستوى الجزيئي، والتي تنصب على العلاقات المتبادلة بين الأنظمة الخلوية، "في الكشف عن تنوع غير متوقع" لدى مجتمعات الخفافيش في العالم على مستوى الأنواع الخفية، كما تؤكد الدراسة الإسبانية.

إن التقديرات على الصعيد العالمي تفيد أن عدد أنواع الخفافيش يزيد على 1200 نوع، تشكل وحدها زهاء خُمُس أنواع الحيوانات الثديية في العالم. ويزداد عدد أنواع الثدييات المكتشفة والموصوفة سنويًّا على نحوٍ متواصل منذ عام 1960، وفق إشارة وردت في مجلة "زوتاكسا" لعلماء تصنيف الحيوان. وقد تمّ التوصل -وفق المجلة- إلى الوصف الرسمي لـ78 نوعًا في صفوف الثدييات الطائرة بين سنوات 1992 و2006، وهو رقم غير نهائي وفي تصاعد.

ومما يستحق الذكر في هذا السياق أن الدراسة نفسها التي نشرتها زوتاكسا في 2014 أعلنت حينها اكتشاف نوعين جديدين يعيشان في  المنطقة المغاربية، أما الدراسة الإسبانية التي كشفت عن الخفاش الزناتي فانطوت هي الأخرى على اكتشاف خفاش آخر جديد من النوع الخفي (M. crypticus) يعيش في عدة دول أوروبية.

وتضم شبه الجزيرة الأيبيرية وحدها ما يزيد على 20% من الأنواع الخفية التي نجح الباحثون حتى الآن في تقديم وصف رسمي لها.
وإذا كانت القارة الأوروبية موئلًا لـ53 نوعًا، فإن المغرب وحده يُؤوي نحو ثلاثين نوعًا، أي نحو ثلث الثدييات في البلاد، الأمر الذي يفيد بوجود تنوع بيئي في غاية الغنى في المنطقة المغاربية، بشكل خاص، والمتوسطية بشكل عام، وهو تنوع مشترك كذلك، بوجود 18 نوعًا مغربيًّا شائعًا في أوروبا.

أهمية تحديد الأنواع

يعجّ العالم بمئات الثدييات الصغيرة من فصيلة الخفاشيات (Chiroptera)، إلا أنه بالنظر إلى تشابهها الكبير ونمط حياتها الليلي وأماكن عيشها المنزوية والبعيدة، يُعَد عدم وضوح الحدود الفاصلة بين أنواع الخفافيش أمرًا شائعًا في علم الأحياء، ما يحجب الكثير من الحقائق حولها ويعرضها لمخاطر الانقراض، معرِّضًا التوازنات الإيكولوجية نفسها الآن للخلل. كما أن عدم إيلاء اهتمام كافٍ بتنوع الأنواع المحلية والعالمية لتمكين الحفظ الحيوي الذي يبحث في كيفية بقاء الأنواع (Conservation Biology) يزيد من مخاطر الاندثار المحدقة بها، تمامًا كما يضر التقليل من أهميته بالنظم البيولوجية.
وفي سياق متصل، تذكر دراسة حديثة منشورة في مجلة "Frontiers"[6] العلمية بعنوان "التنوع الخفي للخفافيش الصفراء الأفريقية" أن التحديد الدقيق للأنواع "أساسي لإجراء تقييمات فعالة لخدمات النظم البيولوجية ونقاط التنوع البيولوجي الساخنة.. ولفهم العمليات المسؤولة عن الاختلافات الحادة في أعداد الأنواع بين مجموعات الكائنات الحية". وتستدل الدراسة بالقول: "إنه ثبت أن العلاقة بين غنى الأنواع وبين الجغرافيا -التي تمثل أساس تحديد النقاط الساخنة للتنوع البيولوجي العالمي- يمكن أن تكون مغلوطة إلى حدٍّ كبير إذا كان عدد الأنواع أقل من تقديره".

إن هذا الأمر ذاته ينبه إليه الباحث الإسباني، حين يؤكد أن التوصل إلى تحديد نوعين (خفيين) كاملين ومستقلين بيولوجيًّا داخل مجمع الأنواع خفاش ناتريري "له تأثير مهم على حفظ الأنواع"، وينطوي على "حاجة ملحَّة إلى تقييم حالة مجتمعاتها". وبناء عليه، دعت الدراسة إلى إعادة النظر في معايير القائمة التي يصدرها الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (UICN)؛ من أجل تأمين الاهتمام المناسب لحفظ الأنواع.

ويقتصر تصنيف حالة حفظ خفافيش ناتيريري في تلك القائمة على جزء صغير من مجموعته المعروفة سابقًا، وتقع ضمن الأنواع المتوافرة في الطبيعة، أي في خانة الأنواع ذات الأهمية القليلة (Least Concern).

ولفتت الدراسة إلى أن جزءًا كبيرًا من شمال أفريقيا وأوروبا الغربية والجنوبية وجزر البليار بات معروفًا الآن بأنواع أخرى من الخفافيش (مثل M. escalerai أو M. crypticus sp. nov. أو M. zenatius sp. nov.)، وفي كورسيكا هناك احتمال وجود نوع آخر غير موصوف.

 جهود دولية ومحلية للحفظ

يؤكد "خوستي" أن الخفاش المغاربي زيناتيوس جدير بجهود حفظ الطبيعة، و"يستحق أن يُدرج في قائمة الأنواع المهددة بالانقراض" وفق معايير UICN؛ فهو "واحد من أكثر الخفافيش ندرةً في أفريقيا وعلى مستوى العالم"، وندرته تفيد بوجوده في وضعية هشاشة مقلقة. وساق الباحث الإسباني ما عاينه في إحدى مناطق شمال المغرب (تطوان)، حيث يعيش الخفاش الزناتي على حافة مقلع تم استغلاله بشكل مكثف، محذرًا من أن تأثير ضغط أنشطة بشرية كهذه "غير معروف" على الخفافيش.
ومما يتصل بالضغوط البشرية المتعلقة بالتعمير والفلاحة وقطع الغابات والتصنيع، ما أشار إليه الخبير المغربي في التنوع البيولوجي، العياشي سِحار، من تجارة غير مشروعة تتصل بمعتقدات خرافية وممارسات الطب الشعبي التي تطارد الخفاش في عقر  داره، "حين تغادر الخفافيش أوكارها ليلًا في الهضاب الوسطى لأجل الطعام، يتم إغلاق تجاويف الكهوف بالشباك لتعلق بها أسراب الخفاش لدى عودتها من الصيد".
إن الخفافيش تمثل "مجموعة الثدييات المنسية التي تعيش في الخفاء، وتخدم الإنسان في الخفاء". ويستدل "سِحار" -المهتم بحفظ التنوع، وخاصة لدى الثدييات الطائرة في المغرب- بنظامها الغذائي القائم على الاقتيات على الحشرات. "إنها غير مؤذية على الإطلاق، بل هي -على العكس- مفيدة للغاية لكلٍّ من الإنسان والحيوان والنبات".
ولأنها تعتمد في طعامها على اصطياد الحشرات، تُنعت بالخفافيش الحَشَريَّة؛ لتمييزها عن الخفافيش آكلة الفاكهة والأخرى مصاصة الدماء. ويمكن أن تتشكل وجبة واحدة لخفاش الحشرات من 500 بعوضة أو أكثر في الليلة.

إن حماية الخفافيش التي تُسهم كذلك في مكافحة الآفات وتعمل على تلقيح النباتات ونشر بذورها في مناطق تحرُّكها باتت إحدى جبهات الجهود الدولية للحفاظ على التنوع الحيوي للثدييات الصغيرة، وهي جهود تتقاطع مع الجهود المحلية التي لا تزال متعثرةً في المغرب، على الرغم من وجود قانون صدر في 2011 ينسحب على حماية الخفافيش؛ إذ يُعنى بحماية أنواع النباتات والحيوانات المتوحشة ومراقبة الاتجار فيها.

ويقول "سِحار"، نقطة الاتصال العلمية مع يوروباتس Eurobats بالمغرب الذي يحمل صفة بلد ملاحظ في هذه المنظمة المعنية بحماية الخفافيش الأوروبية والمنضوية في الأمم المتحدة: "لقد تجاوزنا حالة الانعدام الكلي للاهتمام بالخفافيش، لكن يتعين العمل الآن على تشكيل ثقافة حولها بين المغاربة، وتعبئة أصحاب القرار وتمويل دراسات حول الوضعية العامة لهذه الثدييات في المغرب؛ نظرًا لحيوية دورها في المنظومة البيئية".
وأشار في هذا السياق إلى ورشة مغاربية نُظِّمت العام الماضي بالرباط بدعم من يوروباتس وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بهدف تشجيع حماية الخفافيش. واستهدفت الورشة تكوين مسيري المناطق الطبيعية في المغرب والجزائر وتونس.
ولم تفته الإشارة إلى مشاريع مستقبلية، مثل "ليلة الخفاش" التي يُحتفى بها دوليًّا كل عام في أحد شهور فصل الصيف، ومشروع التعاون الذي عرضه عليه الباحث الإسباني "خوستي" عبر يوروباتس لحماية الخفاش الزناتي. 

إن مستقبل الخفافيش وبيئتها مرتبط بمستقبل البشرية وبيئتها وجودة حياتها؛ لأنها جزء مهم من الثروة الطبيعية ومؤشر على صحة البيئة. لذلك يتوجب تضافُر الجهود لمواجهة التهديدات الرئيسية للخفافيش المرتبطة بتدهور موائلها وتدميرها[7].

المصادر:

[1]  عنوان الدراسة موضوع المقال: Two new cryptic bat species within the Myotis nattereri species complex (Vespertilionidae, Chiroptera) from the Western Palaearctic 

  [2] يشير الباحث الإسباني إلى أن قبيلة زناتة "معروفة قليلًا"، لكنها في الواقع غير ذلك، ومذكورة عند ابن خلدون في مؤلفه العبر وغيره من المؤرخين

  [3]  'أعظم قبيلة مغاربية'.. ماذا تعرف عن زناتة؟  https://www.maghrebvoices.com/a/431311.html

النسخة الإلكترونية للدراسة نشرت في يناير 2019  [4]