عادةً يتم التنبيه على الأم بوقف التدخين خلال فترة الحمل، خشية تعرُّض جنينها لأضرار بالغة، تؤثر على نموه وتطوره داخل الرحم، لكن دراسة أمريكية كشفت أن هذا التحذير يسري أيضًا على فترة ما بعد الولادة، وخاصةً خلال فترة الرضاعة الطبيعية؛ لأن تعرُّض الرضَّع للنيكوتين قد يحولهم إلى مدمنين في المستقبل.

ورغم أن أبحاثًا سابقة ربطت بين تعرُّض حديثي الولادة للنيكوتين وميلهم إلى الإدمان لاحقًا، إلا أن آلية حدوث ذلك ظلت غيرَ معروفة، حتى أجرى فريقٌ من كلية سان دييجو للطب بجامعة كاليفورنيا الأمريكية، دراسته الأخيرة.

وكشفت الدراسة المنشورة في دورية (Biological Psychiatry) أن التعرُّض للنيكوتين في الأسابيع القليلة الأولى من الحياة، وتحديدًا خلال فترات الرضاعة الطبيعية، يسبب مجموعةً متنوعةً من التغيرات العصبية في أدمغة حديثي الولادة على المدى الطويل، وخاصةً ما يُعرف بدائرة المكافأة في الدماغ، ما يزيد من تفضيلهم للمخدرات في مرحلة البلوغ.

الباحثون أوضحوا أن النيكوتين يسبب الإدمان من خلال إحداث مرونة عصبية لدائرة المكافأة، ما يغير نشاط الخلايا العصبية الدوبامينية في منطقة تسمى "سقـف البُطين" أو (Ventral Tegmental Area) وهي مجموعة من الخلايا العصبية تقع بالقرب من وسط الدماغ، وتعتبر أصل أجسام الخلايا الدوبامينية لنظام الدوبامين في المخ، وهي مسؤولة على نطاق واسع في دائرة المخدرات والمكافأة الطبيعية للدماغ، وتؤدي هذه المنطقة دورًا مهمًّا في عدد من العمليات، تتضمن الإدراك والتحفيز والنشوة والعواطف الشديدة المتعلقة بالحب، بالإضافة إلى العديد من الاضطرابات النفسية.

والدوبامين هو مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على كثير من الأحاسيس والسلوكيات، بما في ذلك الانتباه، والتوجيه وتحريك الجسم، ويؤدي الدوبامين دورًا رئيسيًّا في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان، كما يعتبر ضمن المجموعات الكيميائية أو النواقل العصبية التي تحمل المعلومات من خلية عصبية إلى أخرى.

وكشفت أبحاث سابقة أن النيكوتين يمكن أن يُحدِث مرونةً عصبيةً في دائرة المكافأة في أدمغة الصغار والكبار، لذلك عمل الباحثون على دراسة آثار تعرُّض الفئران حديثة الولادة من الذكور والإناث للنيكوتين على أدمغتها في مرحلة البلوغ.

credit: Science Photo Library/ Alamy Stock Photo  يسبب النيكوتين الإدمان من خلال إحداث مرونة عصبية لدائرة المكافأة، ما يغير نشاط الخلايا العصبية الدوبامينية في منطقة تسمى "سقـف البُطين" وهي مجموعة من الخلايا العصبية تقع بالقرب من وسط الدماغ، وتعتبر أصل أجسام الخلايا الدوبامينية لنظام الدوبامين في المخ.

وبعد إجراء فحوصات لأدمغة الفئران في مرحلة البلوغ، وجدوا أن التعرُّض للنيكوتين في الصغر، يعزِّز تفضيل الفئران البالغة للمخدرات، ويجعلها أكثر تقبلًا للنيكوتين، وأكثر جاهزيةً للسلوك الإدماني لاحقًا، وذلك لأنه يُحدث تغييرات في الخلايا العصبية في وسط الدماغ​، ويزيد من عدد الخلايا العصبية التي تعبر عن الدوبامين في "سقـف البُطين"، مقارنةً بالصغار الذين لم يتعرضوا للنيكوتين.

"ذاكرة" جزيئية

دافيدي دولسيس -أستاذ الطب النفسي، وقائد فريق البحث- قال: إن دراستنا أظهرت كيف أدى التعرُّض للنيكوتين في الأسابيع القليلة الأولى من الحياة إلى مجموعة متنوعة من التغيرات العصبية على المدى الطويل لدى الفئران بعد سن البلوغ.

وفي تصريحات لـ"للعلم"، أضاف أن هذا الأمر تسبَّب -على وجه التحديد- في شكل من أشكال المرونة العصبية التي نسميها "لدونة الناقل العصبي"، وقد أدى ذلك إلى زيادة أعداد الخلايا العصبية "المعدّلة" في مناطق الدماغ التي تنظم المكافأة والإدمان، بعد إعادة تعريض البالغين للنيكوتين.

وشرح "دولسيس" الآلية الجزيئية وراء ذلك، قائلًا إنها تكمن في أنه عندما تتعرض الخلايا العصبية الصغيرة لمركَّب غريب، مثل النيكوتين، فإنها تخلق "ذاكرة جزيئية"، تجعلها مختلفةً عن الخلايا العصبية التي لم تتعرض للنيكوتين، وتجعلها أكثر تقبلًا له وذات جاهزية أكبر لسلوك الإدمان في وقت لاحق، وذلك عن طريق زيادة التعبير عن مستقبلات النيكوتين والعلامة الجزيئية التي تسمى Nurr1، وهي عبارة عن بروتين موجود فقط في الخلايا العصبية الدوبامينية.

وأشار إلى أنه عندما تتعرض الحيوانات نفسها للنيكوتين في مرحلة البلوغ، يبدأ جزء صغير من هذه الخلايا العصبية في مركز المكافآت في التعبير عن الجينات المطلوبة لإنتاج الدوبامين، إذ يولِّد إنتاج المزيد من الدوبامين في الدماغ استجاباتٍ مكافئةً محسّنة، تؤدي إلى زيادة تفضيل النيكوتين، ومن ثم الإدمان.

وعن أهمية نتائج الدراسة، كشف أن البحث يذكِّرنا بمدى مرونة الدماغ لدى الصغار بشكل لا يصدق، ومدى تأثير المواد الكيميائية الضارة على أدمغتهم على المدى الطويل، حتى لو لم يكن من الممكن اكتشافها على الفور.

وواصل حديثه قائلًا: "بالإضافة إلى ذلك، أثبتت الدراسة أنها مصدر معلوماتيٌّ مفيد لبرامج مكافحة التبغ الوطنية، والسياسات التي تكافح التبغ، وقد لا تنظم هذا النوع من التعرُّض للنيكوتين"، إذ إنها رصدت تأثيراته على حديثي الولادة خلال عملية الرضاعة الطبيعية.

وعن خطواتهم المقبلة، قال "دولسيس" إن الفريق سيواصل أبحاثه لمعرفة ما إذا كان التعرُّض لمواد أخرى شائعة الاستخدام -مثل الكحول أو الماريجوانا أو المواد الأفيونية- في مرحلة مبكرة من الحياة، يمكن أن يؤدي إلى تكيفات مماثلة لمركز المكافآت الذي يؤثر على تفضيلات المخدرات في مرحلة البلوغ أم لا.

وأضاف: كما أننا مهتمون بالتحقيق فيما إذا كان هذا الشكل من مرونة ناقل الحركة العصبية يمكن تعديله في المراحل المختلفة من الحياة عندما يكون الدماغ لا يزال شديد اللدونة وعرضةً لإدمان المخدرات، كما هو الحال في فترة المراهقة.

الإدمان السلوكي

من جانبه، قال وائل صفوت أبو جبل، استشاري الصحة العامة، ورئيس اللجنة الدولية للجمعية الأمريكية لعلاج إدمان التبغ: إن نتائج الدراسة تأتي استكمالًا لأبحاث سابقة أُجريت حول أخطار تعرُّض الأطفال للنيكوتين، وهو إحدى المواد الإدمانية التي تثير الخلايا العصبية للكبار.

وأضاف لـ"للعلم" أن أهمية نتائج الدراسة تكمن في توعية المدخنين بأن خطر تدخينهم لا يقع عليهم فقط، لكنه يشمل أبناءهم، ويؤثر على مستقبلهم، ويجعلهم عرضةً للإدمان، وهو لا يشمل إدمان المخدرات أو السجائر فحسب، بل يمكن أن يتضمن الإدمان السلوكي، مثل الإدمان على الجنس والقمار والإنترنت والتسوق، وغيرها من السلوكيات الخطأ.

وأوضح أن خطر النيكوتين على الأطفال يبدأ من رحم الأم، حينما يتأثر نمو الأجنة بتدخين أمهاتهم في مرحلة الحمل، وخاصةً في مرحلة تكوين الدماغ، إذ تتغير تركيبة الخلايا العصبية للدماغ وتكوينها، فتجعله أكثر استعدادًا وعرضةً للإدمان عند الكبر، وهذا ما يحدث أيضًا لخلايا الرئتين ويجعلها أكثر استعدادًا لتطور سرطان الرئة.

ووفق "أبو جبل"، فإن التدخين يعتبر أكثر أنواع الإدمان ضررًا؛ لأنه يؤثر على الأجنة عبر مسارين، الأول عضوي، عبر التأثير على الدورة الدموية التي تؤدي دورًا رئيسيًّا في تغذية الجنين، واكتمال نمو الأعضاء الحيوية كالرئة والمخ والقلب والأذن، بالإضافة إلى المسار الثاني، وهو تأثيره على السلوك والشخصية والقابلية للإدمان.

وعن الأخطار الأخرى لتعرُّض الأطفال لدخان التبغ، أشار إلى أن هناك أبحاثًا أثبتت أن تدخين الأم أو تعرُّضها لدخان التبغ خلال الحمل، يجعل الأجنة أكثر عرضةً لتطور اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة في مرحلة الطفولة، وهو أحد أشهر أمراض اضطراب السلوك العصبي، يصيب الأطفال في مرحلة الدراسة، ويتميز المصابون به بأنهم لا يمكنهم التركيز أو إعطاء الاهتمام الكافي لشيء محدد.

لذلك، نصح "أبو جبل" الآباء والأمهات بضرورة الإقلاع فورًا عن التدخين، لوقاية أنفسهم وأبنائهم من الأخطار الصحية، فإقلاع السيدات عن التدخين قبل فترة الحمل أو خلالها ربما يقي أطفالهن هذه الأخطار، التي تتعاظم خاصةً خلال الثلث الثالث من الحمل، الذي يشهد اكتمال الأجزاء الحيوية من جسم الجنين مثل القلب والرئتين والدماغ، وفيما يتعلق بالأب إن لم يستطع التوقف عن التدخين، فيجب عليه أن يبتعد عن زوجته عند التدخين.

أسباب وراثية

من جانبها، رأت "نهلة ناجي" -أستاذ الطب النفسي، بكلية الطب جامعة عين شمس- أن العلاقة بين تعرُّض الطفل للنيكوتين خلال السنوات الأولى من حياته، وإصابته بالإدمان عند الكبر معقدة، وتحتاج بطبيعة الحال إلى دراسات أوسع على البشر لإثباتها.

وأضافت في تصريحات لـ"للعلم"، أن التاريخ العائلي للإدمان على المخدرات يؤدي دورًا محوريًّا في إصابة المواليد بالإدمان في وقت لاحق من حياتهم، إذ تمثل العوامل الوراثية سببًا إضافيًّا لإدمان الأطفال الذين لديهم استعداد جيني لذلك، إذا كان أحد أقاربهم بالدم مدمنًا، مثل أحد الوالدين.

وأوضحت أن الأسباب الوراثية تهيئ الأطفال للإدمان على المخدرات عن طريق التأثير على المستقبلات العصبية المسؤولة عن المزاج والانبساط في الدماغ، إذ يولدون ولديهم نسب منخفضة من هذه المستقبلات، وبالتالي يكبر الأطفال ولديهم إحساس وميول إلى تعويض هذا النقص عن طريق البحث عن السعادة الزائفة أو اللحظية التي تأتي من وراء المخدرات، وبالتالي يقعون في براثن الإدمان.

وأشارت "ناجي" إلى أن أخطر أنواع الإدمان الذي يمكن أن ينتقل خطره إلى الأطفال هو إدمان الأبوين على مخدر الحشيش؛ إذ تشير الأبحاث إلى أن الآباء الذين يتعاطون الحشيش قد تصل نسب الإدمان لدى أطفالهم إلى 40%.

ونوهت بأن إدمان الأشخاص تحدده أيضًا عوامل تتعلق بشخصية الطفل، ومدى تأثُّره بالمحيطين به عامةً وبأصدقائه المقربين خاصة، بالإضافة إلى المشكلات والمواقف العائلية الصعبة، وضعف الروابط مع الوالدين، ونقص الإشراف الأبوي على الأطفال، ناهيك بالاضطرابات العصبية والنفسية مثل الاكتئاب.