منذ أسابيع قليلة، وتحديدًا في 26 يونيو الماضي، صدحت مواقع الصحافة وأجهزة الإعلام بما كشف عنه بحث مدهش أجراه علماء الحيوان في جامعة أوكسفورد وجامعة ولاية كلورادو عن الأفيال، جاء العنوان كما لو كان تبشيرًا لذكور البشر المسنين بدوام العنفوان، أكثر منه إماطةً للثام عن سر من أسرار تزاوج الفيلة، يقول: "كلما تقدمت في السن، اشتد سعيك". وفي التفاصيل جاء أنه "على عكس المعهود من زهد الذكور في طلب الإناث مع تقدمهم في السن، كشفت الدراسة أن الأفيال الإفريقية المسنة تزيد من طاقتها للحصول على الإناث بغية التكاثر".

وصل الباحثون إلى هذه النتيجة بعد مقارنة سلوك ذكور أفيال السافانا الإفريقية في حالتها العادية، مع حالتها الدورية الاستثنائية وهي في حالة الهياج الجنسي شبه الجنوني التي تغذيها زيادة هرمون التستوسيرون في أجسامها بمعدلات مرتفعة (تصل إلى 60 ضعف الحالة العادية)، ويطلق على هذه الحالة musth، أخذًا عن كلمة هندية تصف سلوك الأفيال الآسيوية حال هذا الهياج، وتوحي بمعنى الجنون بالتسمم، فذكور الأفيال البالغة في حالتها تلك تبدو وكأنها جُنَّت، وتنتابها هذه الحالة مرة كل 3 ــ 6 أشهر، وقد تَبيَّن أن الأفيال المُسنَّة تفوق الأسود الشابة جنونًا خلال هذه الفترة، وهو ما تعكسه حركتها، فهي في عمر الخمسين تقطع -بحثًا عن الإناث- مساحات تزيد 3.5 مرات عما يقطعه الشباب في عمر العشرين، وبسرعة تزيد عن ضعف سرعة هؤلاء الشباب.

إنهن يُفضِّلن المسنين!

     هذا البحث الذي أشرفت عليه الدكتورة لوسي تايلور من قسم الحيوان بجامعة أكسفورد، توصل إلى هذه النتيجة بتقصِّيات دقيقة وموسعة عبر الملحوظات الميدانية ومعطيات نظام تحديد المواقع العالمي GPS، التي شملت 25 من الأفيال الذكور تتراوح أعمارها بين 20 و52 عامًا، في محمية "سامبورو" بشمال كينيا، كجزء من مشروع رصد طويل المدى قامت به مؤسسة "أنقذوا الأفيال"Save the Elephants  بين عامي 2000 و2018.

Credit: CC0 Public Domain شمل البحث رصد 25 من الأفيال الذكور تتراوح أعمارها بين 20 و52 عامًا، في محمية "سامبورو" بشمال كينيا

وبرغم أن الخلاصة الأساسية لذلك البحث انصبت على اكتشاف الحالة الاستثنائية في النشاط الجنسي لذكور الأفيال مع تقدمها في السن، واستثمارها لطاقة أكبر في هذا النشاط، وتوسيع استخدام بيانات تتبُّع المواقع GPS كأداة بحثية جديدة موثوقة لدراسة السلوك التناسلي للأفيال من خلال حركتها الدائبة، ومعرفة مواعيد عربداتها وعدوانيتها في هذه الفترة، واتقاء عواقبها التي تكون تدميرية غالبًا، إلا أن هناك نتيجة جانبية مرَّ عليها المنشور من البحث دون تركيز، وتتعلق بتأكيد اكتشاف ليس جديدًا تمامًا لكنه لافت للانتباه، فقد أشار إيان دوجلاس هاملتون -مؤسس "أنقذوا الأفيال" وكبير باحثي قسم الحيوان بجامعة أكسفورد- إلى أن "إناث الأفيال تميل إلى تفضيل الذكور الأكبر سنًّا، ربما لسبب يوضح حجم مهارات بقائهم على قيد الحياة على مدار سنوات عديدة"!

     هذا الاستنتاج عن تفضيل الإناث للذكور كبار السن في عالم الأفيال، تقوم حقائقه على أسس عملية وواقعية تمامًا، وليست رومانسية أو خيالية أو نفسية كما في عالم البشر، كافتتان بُثينة بمحمد -أبيها بالتبني- في قصة "العذراء والشعر الأبيض" لإحسان عبد القدوس، أو تعلُّق إلكترا إبنة أجاممنون بصورة أبيها إلى درجة الحقد على أمها التي خانت الأب ومحاولة قتلها كما في الأسطورة اليونانية القديمة، وقد استخدم اسمها عالِم النفس كارل جوستاف يونج لإعادة تسمية "عقدة أوديب الأنثوية" التي سبق أن اقترحها سيجموند فرويد كنقيض لعقدة أوديب الذكورية، فكانت "عقدة إلكترا".

ومن الجانب الآخر، فإن أنثى الفيل الشابة التي يتعلق بها ذكر مسن، ليست "لوليتا" غلامة الرابعة عشرة التي جُنَّ بها الرجل الأربعيني في رواية نابوكوف التي تحمل الاسم نفسه.

تفضيلات إناث الأفيال (اللائي يصلن إلى النضج الجنسي في الرابعة عشرة ويتوقفن عن الإنجاب في الخمسين) لذكور كبار السن للتزاوج، لا علاقة لها بكل تلك العقد والقصص والأساطير والروايات البشرية، بل لعلها تُلقي -عبر التناقض بين العالمين- بضوء كاشف جديد، على ظاهرة ارتباط الفتيات الصغيرات بكبار السن -طوعًا أو كرهًا- في دنيا البشر، فالعيش في السافانا برغم وجود عاطفة ومشاعر قوية لدى الحيوان، خاصةً الأفيال، يحتِّم وجود أنوية واقعية صريحة، تنبت منها أية عاطفة، وينهض كل شعور، وتتحدَّد كل رابطة.

قوانين أخرى للعُمر في البرية

     إن تفضيل إناث الأفيال الشابات لكبار السن وراءه حقيقة أن ذكر الفيل كبير السن الخالي من الأمراض والإصابات، يستمر في زيادة كتلة جسمه المتين طوال حياته، ولا يعتريه ضمور وذبول ووهن الأجسام بالشيخوخة، كما لدى البشر. والمُلاحَظ أن الأفيال الذكور الأكبر سنًّا تصل حجومها كثيرًا إلى ضِعف حجوم الإناث والذكور في عمر الشباب. كما أن الأفيال الذكور الكبار يستفيدون من زيادة حجمهم وشدة بأسهم، في مزيد من بذل الجهد للبحث عن الإناث بكفاءة أكبر، إذ تصير خطواتهم أوسع وجلَدهم على السير والسفر أشد، وهم يسعون نحو الأماكن البعيدة التي تأتي منها أغنيات الإناث في دورة الشبق، التي يطلقنها همهمات تحت صوتية ذات تردد منخفض لا تسمعها آذان البشر، وترتحل لمسافات طويلة في الهواء دون أن يعوقها تكاثف أعشاب السافانا المتطاولة، أو تشابك الأشجار حول حُفر الماء، بل تسري حتى في الأرض وتدركها الأفيال بالمُستقبِلات العصبية الحساسة، في أقدامها! ثم إن الحجم الأضخم وخبرة القتال الكبيرة، لدى الذكور المسنين -خاصة المُهيمنين منهم dominant males (بين 40 و50 سنة)- يكونان لصالحهم في مصارعات التنافس على الإناث مع الذكور الأصغر سنًّا، وحجمًا، والأقل خبرةً قتالية. كما أن عالم الأفيال -مثل معظم الكائنات البرية- طوَّر حياةً "عاطفية" لا تعرف الازدواج، فليس ثمة زوج في العلن وعشيق في السر، هذا لا وجود له في عالم الحيوان لسبب تكويني عضوي يحتم ذلك، وهذه الفطرة يدعمها أمران: أولهما عدم الفصل بين النشاط الجنسي والإنجاب، وثانيهما انعدام أية وسائل لمنع الحمل! فالاقتران الجنسي عند هذه الكائنات يعني -لدى الأنثى خاصة- عواقب مُحدَّدة: حمل فولادة فإرضاع فرعاية، وهي رحلة طويلة وشاقة في البرية، وأطول وأشق ما تكون لدى إناث الأفيال.

Credit: CC0 Public Domain  تفضيل إناث الأفيال الشابات لكبار السن وراءه حقيقة أن ذكر الفيل كبير السن الخالي من الأمراض والإصابات، يستمر في زيادة كتلة جسمه المتين طوال حياته، ولا يعتريه ضمور وذبول ووهن الأجسام بالشيخوخة، كما لدى البشر

لأنهن لا يعرفن منع الحمل

      باستثناءات قليلة جدًّا لا يعرف عالم الحيوان فصلًا بين الجنس والإنجاب، صحيح أنه توجد ممارسات جنسية نادرة وعابرة للتهارش والتحرش وحتى الشذوذ، لكن الأعم أن اللقاء الجنسي مرتبط بالإنجاب، خصوصًا لدى الأنثى. لا يوجد جنس للمتعة أو التسلية دون إنجاب بين الرئيسيات إلا فيما ندر، وضمن هذه النُّدرة يُذكر: البشر والخنازير والدلافين وقِرَدة البونوبو bonobos التي تتخذ من الجنس تسلية تستغرق 75% من نشاطها!

وعمومًا، يتحدد النشاط الجنسي لدى أغلب إناث الثدييات البرية بفترة الشبقoestrus ، وهو موسم حدوث التبويض لديها، ويكون سنويًّا أو نصف سنوي أو لأكثر من مرة في العام، وفي إناث الأفيال لا يتكرر إلا كل 4-6 سنوات، فتفكَّر، وتَدَبَّر! إنها صرامة تقطع بأن الحمل المُقرَّر بعد لقاء جنسي، ليس لعبةً على مسرح الطبيعة الفطرية، وليس "غلطة" يمكن تصحيحها، فالحيوانات البرية لا تعرف منع الحمل إلا بالتدخل البشري، الجراحي غالبًا، وغالبًا للحد من الزيادة العددية لنوع ما أو لحصار انتشار مرض ما، في محمية، أو في حديقة حيوان. لا يوجد منع حمل ولا إجهاض اختياري بين الثدييات البرية، وبالكاد يُذكر أن الفأرة الحامل حديثًا من ذكر عبر عليها، عندما يساكنها ذكر جديد، تُجهَض تلقائيًّا ما إن تشم رائحة جسد الأخير، (فرموناته)!

وليد بوزن 120 كيلوجرامًا

     إذًا، وما دام الجماع يُرجِّح حملًا، أو -بالأحرى- يُحتِّمه، يكون حق مَن يتجشم فيه العناء الأكبر أن يختار الشريك، لهذا تحسم الأنثى الاختيار، واختيارها لا يكون "عاطفيًّا" يصوغه "الهوى"، بل يكون موضوعيًّا لصالح نسلها الذي تضع فيه استثمارها العضوي الأكبر، فبويضتها أكبر بآلاف المرات من حيمن الذكر بالغ الضآلة، وهي، كأنثى فيل -في الرابعة عشرة أو الخمسين- تحمل جنينها على امتداد سنتين، وتحديدًا 22 شهرًا عند الأفيال الإفريقية، وأقل قليلًا لدى الأفيال الآسيوية، وبعد هذا الحمل الطويل الثقيل تنتبذ ركنًا قصيًّا، لتعاني -منفردة- أوجاع ولادة ساحقة لصغير أعمى، وأشعر، طوله ثلاثة أقدام، ووزنه بين 90-120 كيلوجرامًا، ويكون عليها أن ترضعه 3 جالونات (يعادل المتر المكعب 219.969 جالونًا) من حليبها يوميًّا، ولمدة عامين قد يمتدان إلى أربعة، ويظل متعلقًا بذيلها الذي يتشبث به خرطومه أينما ذهبت، حتى السادسة. بل يظل في رعايتها ورعاية أخواتها في قطيع الأفيال الذي يكون أموميًّا matriarch إلى أن يبلغ عمر النضوج الجنسي في حوالى الخامسة عشرة، فيُطرد من القطيع -لتحاشي سفاح المحارم وتشوهات النسل- بالغريزة، ويهيم مع عصابات الذكور. ولا يعود إلى قطيع أمومي إلا بعد العشرين إذا نجح في الاقتران بإحدى إناث هذا القطيع، وغالبًا لا ينجح، فهو إما أن يموت مبكرًا في التقاتل بين الذكور في أثناء فترات فيضان التستوستيرون، الجنوني، العنيف، في عروقهم.. أو يهزمه ذكر مُهيمِن كبير محنك. وقد تدنو منه الفرصة بعد عشر سنين أو عشرين سنة، إذا نجح في أن يصير فيلًا كبيرًا قويًّا مُهيمنًا. وثمة ذكور أفيال يمضون أعمارهم المُقدَّر متوسطها بنحو 70 عامًا.. بلا تزاوج.

Credit: CC0 Public Domain

تراجيديا ذُكورية وإيثار أنثوي

     يا لها من تراجيديا يُشَدُّ الستار على كثير من فصولها قبل الاكتمال الآن، بزحف الانفجار السكاني البشري على المراتع البرية للأفيال لزراعتها والسكنى فيها، فتدهس الأفيال حقول البشر، ويرد البشر بقتل الأفيال بالرصاص، وبالرصاص أيضًا يقتل الصيادون الأفيال للحصول على أنيابها، لصناعة الحلي وتذكارات السفاري، والمسابح والعقود القيِّمة، ومنمنمات تماثيل القديسين! وهذا القتل الأخير ينتقي كبار الأفيال خاصة؛ فأنيابها تكون في أوج نموها وبهائها، لكن الذي لا يدريه وحوش الصيد الجائر من البشر، أنهم بقتل هؤلاء الفحول العظام في البيئة الفطرية، إنما يبدِّدون مستودعًا لجينات مصطفاة لكائنات عظيمة، صمدت وهي مُعشبة ومسالمة، ولآلاف آلاف السنين، في وجه أنياب ومخالب الضواري واللواحم، ومَن يعرف ولو القليل عن حقائق البراري الإفريقية والأدغال الآسيوية، يدرك أن القوة العظمى الوازنة للتنوع الحيوي والاستدامة في هذه البيئات التي يغتال حمقى البشر عذريتها، إنما هي أكبر الكائنات البرية في كوكبنا، الأفيال، ومن بين الأفيال يضطلع ذكورها الكبار -المسنون، الفحول حقًّاــ بردع تغوُّلِ وحوش تلك البيئات، بهيبة الضخامة العظيمة والدهس الساحق تحت الأقدام الرواسخ. ويشهد كاتب هذه السطور برؤيته العيانية المدهوشة لمنظر زمرة من الأسود في محمية جنوب إفريقية، يتوارون في العشب رقودًا على بطونهم حول حفرة الماء، مؤجِّلين إرواء عطشهم الحارق، خوفًا ورهبة، لإقبال قطيع من الأفيال جاء إلى حفرة الماء يشرب، قطيع أمومي من الإناث يحيط بالصغار في الوسط، فيما لم يكن هناك غير فحل عظيم واحد، وبضعة أفيال شباب، يمضون على مهل راسخ، في ذيل الموكب المهيب الوئيد. موكب القوة العظمى في تلك البيئة الفطرية، ذكورًا يحرسون النوع من بعيد، وإناث مكرسات للأمومة واستمرار النوع، وما اصطفاؤهن لكبار السن من الأفيال الكبار الأقوياء للتزاوج، إلا حكمة عضوية فطرية في بيئتها، حيث لا بيع ولا شراء ولا أهواء، كما في قنص عواجيز البشر لصبايا وحرائر البشر، المغلوبات.. اضطرارًا، أو توهمًا، أو بعقدة!

......................

مرتكزات:

*The older you get, the harder you seek: the mating secrets of Africa's bull elephants .News & Events.thy university of oxford,Published 25 Jun 2019

* https://sciencing.com/elephants-mate-4574022.html Updated August 16, 2018

*https://sciencing.com/elephants-mate-4574022.html Updated August 16, 2018*Elephant Reproduction, Birth and Care of Young. BioExpedition | Jun 12, 2013

*http:/endangered_species/elephants/african_elephants/afelephants_threats/index.cfm. Still poached for ivory.2019 WWF - World Wide Fund For Nature.