منذ أكثر من ثلاثين عامًا، زعم باحثون أن موسيقى المؤلف النمساوي العبقري "فولفغانغ أماديوس موزارت" يُمكن أن تُساعد المصابين بالصرع، مشيرين إلى أن مقطوعاته الموسيقية لها تأثيرات على أدمغة المرضى.

تعامل المجتمع العلمي مع تلك الفكرة بالكثير من الشك، لكنه لم يتجاهلها أيضًا؛ فالعديد من الدراسات عملت على فحص تأثير الموسيقى بشكل عام، وتأثير ألحان موزارت بشكل خاص، على المرضى.

لم تستطع تلك الدراسات إثبات الأمر بشكل فعلي، لكن دراسة حديثة عُرضت نتائجها ضمن فعاليات المؤتمر السابع للأكاديمية الأوروبية لطب الأعصاب قلبت تلك الشكوك إلى يقين؛ فموسيقى "موزارت" تأتي بالأعاجيب، وتُصلح ما أفسده مرض الصرع.

أظهر البحث الجديد أن موسيقى موزارت لها تأثير على الدماغ مضاد للصرع، وقد تكون علاجًا محتملًا للوقاية من نوبات الصرع، ويعتقد الباحثون أن الخصائص الصوتية داخل الموسيقى هي المسؤولة عن هذا التأثير.

ينجم مرض الصرع عن اضطرابات فسيولوجية في الجهاز العصبي المركزي؛ إذ يتسبب النشاط غير الطبيعي للدماغ في حدوث نوبات غير مسوَّغة من التشنجات، وللصرع علاج فعال يستطيع السيطرة على المرض، لكنه -شأن جميع الأدوية- له آثار جانبية تتفاوت شدتها وفق جرعة العلاج، وربما يحتاج المرء إلى الاستمرار في تناول ذلك الدواء طيلة حياته.

لكن فكرة العلاج بالموسيقى -التي ظهرت قبل العديد من السنوات وربما لم تكن تخطر على بال العبقري "موزارت"- يُمكنها السيطرة -إلى حدٍّ ما- على النوبات دون آثار جانبية تُذكر، وهو ما يجعلها نقلةً نوعيةً كبيرة في إستراتيجيات علاج الصرع.

تقول الدراسة إن الاستماع إلى السوناتا التي وضعها الملحن الشهير في القرن الثامن عشر والمعروفة باسم Two Pianos K448 أدى إلى انخفاض يقدر بنسبة 32٪ في التفريغ الصرعي، وهو تلك الموجات الدماغية الكهربائية المرتبطة بالصرع، والتي يمكن أن تسبب نوبة أو نوبات من النشاط الكهربائي تؤثر مؤقتًا على كيفية عمل الدماغ وتؤدي إلى حدوث التشنجات.

يقول "إيفان ريكتور" -أستاذ الأمراض العصبية بمركز الصرع في مستشفى "سانت آن" التشيكية، والمؤلف الأول لتلك الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن ذلك التأثير "حصري على موسيقى موزارت"؛ فبمقارنة تأثيرات الاستماع إلى سوناتا موزارت K448 مع سمفونية هايدن رقم 94 اتضح أن التأثيرات على نشاط الدماغ والتي جرى قياسها بواسطة أقطاب كهربائية تم زرعها في أدمغة مرضى الصرع أكدت أن سيمفونيات "هايدن" تسببت في زيادة التفريغ الصرعي بنسبة 45٪، أما الاستماع إلى موسيقى "موزارت" فقد أدى إلى انخفاض التفريغ الصرعي بنسبة 32٪.

وجدت الدراسة أيضًا أن "الرجال والنساء يتجاوبون بشكل مختلف مع المقطعين الموسيقيين، كما أظهرت الخصائص الصوتية للموسيقى، مثل الإيقاع والديناميكيات والنغمة، أن السمات الصوتية لتكوين الموسيقى لها تأثير مختلف على الرجال والنساء، وأن تلك السمات تؤثر على موجات الدماغ المسؤولة عن تقليل حالات التفريغ الصرعي".

قديمًا، افترض الباحثون أن تأثير تلك الموسيقى مرتبط بالعاطفة؛ إذ يتم إطلاق هرمون "الدوبامين" -المعزز لشعور السعادة والناقل العصبي الرئيسي لنظام المكافأة في الدماغ- عند الاستماع إلى الموسيقى.

لكن "ريكتور" يقول إن "الدراسة التي استمرت ثلاث سنوات كاملة لم تؤكد ذلك الافتراض، ولم نستطع –ببساطة- التأكد من السبب وراء تناقص حدة التفريغ الصرعي حتى الآن".

لكن القياسات أوضحت أن الانخفاض في التفريغ الصرعي كان أكبر في الفص الصدغي الجانبي، وهو جزء من الدماغ يشارك في ترجمة الإشارات الصوتية، بدلًا من الفص الحوفي الواقع في المنطقة المتوسطة الصدغية، التي تؤدي دورًا مهمًّا في الاستجابة العاطفية للموسيقى.

وبالتالي، فإن تأثير الاستماع إلى الموسيقى على الصرع لا يمكن تفسيره بتأثير الدوبامين الذي يطلقه نظام المكافآت؛ فلم يكن المرضى خبراء في الموسيقى، كما قالوا إنهم كانوا غير مبالين عاطفيًّا بقطعتين من الموسيقى.

يعتقد الخبراء أن نتائج الدراسة يمكن أن تمهد الطريق أمام تطوير علاجات موسيقية فردية للوقاية من نوبات الصرع والسيطرة عليها في المستقبل، كما يقترحون دراسة استخدام المقطوعات الموسيقية ذات الخصائص الصوتية المحددة جيدًا كوسيلة غير جراحية لتقليل نشاط الصرع لدى مرضى الصرع.

يقول "ريكتور": يُمكن تحديد التركيب الأمثل للعلاج بالموسيقى في المرضى بشكل فردي تمامًا، هذا يعني أن ما يناسب مريضًا قد لا يُناسب مريضًا آخر.

ويؤكد "ريكتور" في تصريحاته لـ"للعلم" أن الموسيقى -في الوقت الحالي- لا يُمكن استبدالها بالعلاجات الحالية، مضيفًا: "لكنني أنصح الأطباء باستكشاف تأثيرات أنواع مختلفة من الموسيقى على مرضاهم؛ بهدف إيجاد أنماط فردية بناءً على الخصائص الصوتية للموسيقى".