توصل فريق من الباحثين في جامعتي "لندن كوليدج" و"برشلونة المستقلة" وعدة معاهد أمريكية وأوروبية إلى أنه يمكن رصد نشاط وحركة جزء من المخ عند تعرُّض صاحبه للتهميش والإقصاء الاجتماعي باستخدام تقنيات التصوير العصبي وأشعة الرنين المغناطيسي.

وجد الباحثون أن هناك علاقة بين نشاط جزء من المخ يسمى "التلفيف الجبهي السفلي" وميول البعض إلى ارتكاب عمليات إرهابية دفاعًا عما يرون أنها "قيم مقدسة"؛ إذ إن هذا الجزء من المخ -وهو المسؤول عن استرجاع القيم المقدسة- ينشط حينما يتعرض الشخص لتهميش اجتماعي.

وتشدد نتائج الدراسة على أن التأثير العصبي للإقصاء ساعد على تحوُّل قضايا لم يكن الفرد يعتبرها قابلةً للانتهاك في وقت سابق، مثل إدخال المناهج الإسلامية في المدارس أو بناء المساجد بشكل غير مقيد، إلى قضايا مقدسة تستحق القتال من أجلها، ما قد يدفع الشخص للانخراط في تنظيمات إرهابية.

ووفق الورقة البحثية التي نشرتها دورية "فرونتيرز إن سيكولوجي" (Frontiers in Psychology)، فقد تشكلت عينة البحث من 535 مسلمًا إسبانيًّا من أصول مغربية، يعيشون في مدينة برشلونة الإسبانية ومحيطها، ويحملون أفكارًا جهادية، وأن 38 شخصًا منهم فقط هم الذين وافقوا على الخضوع لـ"الفحص باستخدام الرنين المغناطيسي"، مشترطين الحفاظ على سرية بياناتهم لتجنُّب ملاحقتهم، إذ إنهم أبدوا استعدادهم للانخراط في -أو تسهيل- العنف المرتبط بـ"قضايا جهادية".

أخضعت الدراسة عينة البحث لاختبار يتعرضون فيه للتهميش والإقصاء لمعرفة تأثير ذلك على المخ، وتم التقاط أشعة بالتصوير المغناطيسي لأدمغتهم في أثناء ممارستهم لعبة "سايبربول" على الكمبيوتر مع أشخاص ذوي جذور إسبانية، وهي لعبة يلقي فيها الشخص الكرة إلى ثلاثة أشخاص آخرين بصورة تساعد على رصد مشاعر الإقصاء الاجتماعي، وتعمَّد الفريق البحثي إظهار رفض ذوي الجذور الإسبانية منح الكرة لعينة البحث من ذوي الأصول المغربية، وتم تقييم نشاط المخ لدى المشاركين الذين أبدوا استعدادهم للقتال والموت من أجل القيم المقدسة داخل المجموعة قبل ممارسة اللعبة وفي أثنائها وبعدها.

تشابه الصفات

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول السبب وراء اقتصار عينة البحث على الإسبان والجهاديين الإسلاميين دون غيرهم، يقول "نفيس حميد" -الأستاذ في جامعة "لندن كوليدج"، والباحث الرئيسي في الدراسة- إنه "تم اختيار إسبانيا لأنها كانت بين أكبر الدول الأوربية التي لفتت الأنظار من جرّاء تعرُّضها للإرهاب والتطرف؛ إذ ارتبطت الهجمات الإرهابية، التي تعرضت لها إسبانيا وتحديدًا برشلونة في أغسطس 2017، بشكل حصري تقريبًا بشبان من أصول مغربية، الأمر الذي أثار مخاوف من أن تكون المملكة الإسبانية قد أصبحت أرضًا خصبة للجهاديين، وأن تُعَد برشلونة نقطة البداية للتطرف في إسبانيا"، على حد وصفه.

وقال "حميد"، وفق تصريحات لـ"للعلم" عن طريق البريد الإلكتروني: "إن السبب الرئيسي في اقتصار الدراسة على الجهاديين الاسلاميين ممن يحملون أفكارًا متطرفة دون غيرهم من التيارات والقوميات الأخرى يرجع إلى عدة عوامل أساسية"، مضيفًا أن أهمها أن التمويل الذي حصل الباحثون عليه لم يكن كافيًا إلا لدراسة مجتمع وعرق واحد، كما أن الخضوع للرنين المغناطيسي يتطلب من المشاركين أن يكونوا متشابهين في كثير من الصفات، إضافة إلى أن الجهاديين الإسلاميين المنتمين إلى تنظيمات متطرفة كانوا الفاعلين الرئيسيين في العنف والإرهاب في إسبانيا وأوروبا خلال السنوات العشر الماضية، وفق قوله.

القيم المقدسة

يعرِّف "حميد" القيم المقدسة بأنها "القيم التي تتولد نتيجة صراعات عصية على الحل لها، مثل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي وحق العودة بالنسبة للفلسطينيين والصراع بين الهند وباكستان، فعندما يتم انتهاك القيم التي تعتبر "مقدسة"، يستعصي العداء على الحل، مضيفًا أن "التلفيف الجبهي السفلي من المخ يقوم باسترجاع هذه القيم، ووجدنا أنه حينما يتعرض الشخص لتهميش اجتماعي فإن هذا الجزء من المخ ينشط بشكل أكبر، ويحول القيم والقضايا العادية إلى قضايا مقدسة تستحق الموت من أجلها".

وردًّا على سؤال لـ"للعلم" حول ما إذا كان من الممكن تثبيط نشاط ذلك الجزء من المخ عن طريق محاولة احتواء ذوي الميول المتطرفة بما يضمن ابتعادهم عن التطرف، يقول "حميد": لا أدرى إذا كان من الممكن حدوث ذلك أم لا، فهذا الأمر يحتاج إلى اختبار، وكل ما سعينا إليه في هذه الدراسة هو اختبار الدور الذي يؤديه الإقصاء الاجتماعي في دفع الأشخاص باتجاه الانخراط في أعمال إرهابية أو تسهيلها، ووجدنا أن السلوك المتطرف المؤيد للمجموعة يزداد بعد الاستبعاد الاجتماعي".

واستطرد بقوله: "نتمنى إجراء دراسات أخرى في المستقبل لمعرفة احتمالات تكرُّر هذه النتائج مع مجموعات عرقية وسكانية أخرى أو عدمها".

الانعزال والتطرف

من جهته، يقول "سعيد صادق" -أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن النتائج التي توصلت إليها الدراسة ليست جديدة أو مفاجئة لدارسي علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي، لكنها تُعَد أول دراسة استقصائية طبية تثبت بالدليل العلمي ما ذهب إليه علماء الاجتماع منذ فترة طويلة، ومنهم عالِم الاجتماع الفرنسي الشهير "إميل دوركايم"، الذي كان يرى أن التهميش قد يؤدي إلى الانعزال، وأن الانعزال يؤدي إلى التطرف في مشاعر الفرد بصورة قد تدفعه إلى الإقدام على الانتحار".

ويضيف "صادق" أن "النتائج المترتبة على التهميش تتوقف على نوع التهميش نفسه، فإذا كان التهميش والانعزال قرارًا ذاتيًّا نابعًا من الشخص ذاته فإنه قد يقوده إلى الاكتئاب أو الانتحار، أما إذا كان التهميش نتيجة سلوك مجتمعي ونتيجة اضطهاد اجتماعي فإنه يصيب الشخص بالإحباط، وقد يقوده إلى تبنِّي العنف وارتكاب أعمال إرهابية، كما أن الشخص المنعزل يصبح أكثر قابليةً للتجنيد من جانب التنظيمات المتطرفة، في حين أن الاختلاط يساعده على تطوير تفكيره بصورة سليمة"، مشددًا -في الوقت ذاته- على أنه "بالرغم من أن الدراسة مهمة جدًّا، إلا أنها ليست كافيةً لتفسير التطرف".

التهميش والعنف

بدوره، شدد "كمال حبيب" –الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية والحاصل على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية من كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة- على أهمية الدراسة.

يقول "حبيب" في تصريحات لـ"للعلم": "إن التهميش بكافة أنواعه، سواء كان تهميشًا سياسيًّا أو ثقافيًّا أو حضاريًّا أو اجتماعيًّا او عرقيًّا، يؤدي إلى الإحباط، وقد يتحول الإحباط إلى عنف، وفي المقابل، فإن اندماج الشخص الذي يمتلك ميولًا مبكرةً إلى العنف والتطرف في المجتمع ومساعدته في تحقيق ذاته وإبعاده عن مظاهر التهميش والإقصاء العرقي والثقافي والجنسي، سيساعد على تغيير دفة الشخص ودفعه باتجاه التخلي عن الأفكار المتطرفة أو العنيفة"، على حد وصفه.

 وكان "برنامج الأمم المتحدة الإنمائي" قد حذر في دراسة صدرت عام 2017 تحت عنوان "رحلة إلى التطرف في أفريقيا.. العوامل والحوافز ونقطة التحول للتجنيد"، من خطورة التهميش، معتبرًا أنه أحد أقوى دوافع التطرف.

وأوضحت الدراسة، التي امتدت لعامين وتضمنت إجراء مقابلات مباشرة مع 495 أفريقيًّا انضموا طواعيةً إلى الجماعات المتطرفة العنيفة، أن الفقر والحياة على هامش المجتمع والحرمان من الحقوق الاجتماعية من أهم العوامل التي تلعب عليها التنظيمات المتطرفة لتجنيد عناصر جديدة".