أكدت دراسة أجراها فريق من الباحثين الكنديين بمعهد "بايكرست روثمان للأبحاث"، متخصص في دراسة عمل دماغ الإنسان، وجود علاقة بين عمل الدماغ بكفاءة من جهة، وتعلُّم الموسيقى وإتقان لغة أجنبية من جهة ثانية.

ووفقًا لنتائج الدراسة التي نشرتها دورية "أنالز أوف نيويورك أكاديمي أوف ساينسسز" تحت عنوان "الأنشطة العصبية المختلفة تدعم الذاكرة العاملة السمعية في الموسيقيين وثنائيي اللغة"، فإن الموسيقيين والأشخاص ثنائيي اللغة يستخدمون مصادر دماغية أقل عند أداء مهمات الذاكرة العاملة.

بدأت عينة البحث بـ51 مشاركًا، تم استبعاد 10 منهم لمشكلات فنية مثل عدم توافر بيانات تتعلق بحالتهم الفسيولوجية أو بسبب الحركة المفرطة لرؤوسهم، لذا اقتصرت عينة البحث على 41 شابًّا وفتاة تتراوح أعمارهم بين 19 و35 عامًا، جرى تقسيمهم إلى ثلاث مجموعات: الأولى ضمت 14 مشاركًا من غير الموسيقيين والذين يتحدثون الإنجليزية كلغة وحيدة (7 ذكور و7 إناث)، واشتملت الثانية على 14 مشاركًا (7 إناث و7 ذكور) مارسوا جميعهم الموسيقى ولا يتحدثون سوى اللغة الإنجليزية، أما المجموعة الثالثة فقد ضمت 13 مشاركًا (11 من الإناث و2 من الذكور) ممن يتحدثون لغتين ولا يعزفون على أي آلة موسيقية.

وملأ المشاركون استبانات استهدفت تعرُّف خلفيتهم الموسيقية واللغوية، وحدد الباحثون معيار اعتبار الشخص على أنه موسيقي بـ"أن يكون قد تلقى تعليمًا خاصًّا في مجال الموسيقى مدةً تقدر بـ7 سنوات أو أقل، وأن يكون قد سبقت له المشاركة في نشاط موسيقي سواء كان فرديًّا أو جماعيًّا".

ولم يكن بين ثنائيي اللغة أي شخص مولود في كندا، وجميعهم هاجر إلى الأراضي الكندية في سن الطفولة أو بدايات البلوغ (من عام إلى 15 عامًا)، باستثناء مشارك واحد هاجر إلى كندا في سن الـ30.

وكان ثنائيو اللغة جميعهم يتحدثون "الإنجليزية الكندية"، التي تُعَد مزيجًا من الإنجليزية الأمريكية والبريطانية معًا، أما لغتهم الثانية فقد تنوعت، إذ كان منهم 3 يتحدثون "الكَنْتُونية" أو "الكانتونية" وهي أحد الفروع الرئيسية للغة الصينية، وشخص آخر يتحدث لغة الماندراين الصينية، و5 يتحدثون الفرنسية، و2 يتحدثان الألمانية وشخص واحد يتحدث الرومانية، وآخر يتحدث اللغة الفارسية.

مناطق السيطرة الإدراكية

كما التقط الباحثون صورًا لدماغ كل مشترك بواسطة أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي في أثناء سماعهم أصواتًا متتالية، وطُلب من المشاركين تحديد ما إذا كان الصوت الذي يسمعونه هو نوع الصوت نفسه السابق سماعه أم لا، واستخدم الباحثون أصواتًا لآلات موسيقية، وأصواتًا من البيئة الطبيعية، وأصواتًا للبشر، وطُلب منهم أيضًا تحديد ما إن كان الصوت الذي سَمِعوه قادمًا من اتجاه الصوت نفسه السابق سماعه أم لا.

ووجدوا أن الموسيقيين يتذكرون نوع الصوت الذي سمعوه من قبل بشكلٍ أسرع من الأشخاص في المجموعات الأخرى، وأن ثنائيي اللغة والموسيقيين يمكنهم تحديد اتجاه الصوت بصورة أفضل من غيرهم، وأن ثنائيي اللغة والموسيقيين يبذلون نشاطًا دماغيًّا أقل لتحديد نوع الصوت أو اتجاهه.

وكشفت أشعة الرنين المغناطيسي الوظيفي ارتفاع مستوى الأكسجين في الدم "تأكسج الدم" لدى الموسيقيين في "قشرة الفص الجبهي البطني الجانبي" و"التلفيف الجبهي العلوي"، الذي يشكل حوالي ثلث الفص الجبهي من المخ عند الإنسان، فضلًا عن إمكانية تنشيط الموسيقى لـ"القشرة أمام جبهية"، التي تُعنى بالوظائف الإدراكية مثل التركيز والحكم والحس الابتكاري.

كما أظهرت الدراسة أن تعلُّم الموسيقى ولغة أجنبية ثانية يساعد على تنشيط المناطق الدماغية المعنية بالسيطرة الإدراكية، مثل "قشرة الفص الجبهي الأوسط".

حماية من الخرف

يقول "كلود ألين" -المؤلف الرئيسي في الدراسة وكبير العلماء في معهد بايكرست روثمان للأبحاث والأستاذ المساعد في معهد جامعة تورنتو للعلوم الطبية وعلم النفس- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة أظهرت أن الموسيقيين وثنائيي اللغة يبذلون جهدًا دماغيًّا أقل لتنفيذ المهمات المطلوبة منهم مقارنةً بغيرهم، ما قد يحميهم من الانحدار المعرفي ويؤخر إصابتهم بالخرف"، مضيفًا أن "الموسيقيين وثنائيي اللغة طالما أظهروا امتلاكهم لذاكرة أفضل، وقدرةً على حفظ الأشياء في الذاكرة، مقارنةً بغيرهم، وربما يرجع ذلك إلى قضاء الموسيقيين لساعات طويلة في الاستماع إلى الأصوات وحفظ المقطوعات الموسيقية بعناية. أما بالنسبة لثنائيي اللغة، فإن الأمر يرجع إلى تنقلهم بين لغتين مختلفتين، ما يجعلهم يمتلكون مفردات لغوية كثيرة".

وتعقيبًا على سؤال لـ"للعلم" حول قلة عدة عينة البحث وقصرها على فئة عمرية دون غيرها، يقول "ألين": "إن عدد المشاركين في التجربة كان كافيًا للكشف عن الفرق بين هذه المجموعات، إلا أنه ينبغي تكرار هذا البحث مع عينة أكبر من المشاركين؛ ليكون تعميم نتائج البحث أكثر دقة"، مؤكدًا أن "اختيار عينة البحث من البالغين الأصغر سنًّا كان الأفضل؛ لأن كبار السن غالبًا ما يعانون من ضعف السمع، مما يعقِّد تفسير النتائج"، على حد وصفه.

يضيف "ألين" أن "التدريب على الموسيقى يؤدي بالتبعية إلى نظام سمعي أكثر كفاءة، ومن المرجح أيضًا أن يعزز وظائف التحكم التنفيذية التي تتوسطها مناطق الفص الجبهي في الدماغ، وبالتالي فإن تعلُّم الموسيقى واللغة يساعد على تأخير الشيخوخة والخرف"، ولكنه يستطرد بقوله: "ما زلنا في حاجة إلى دراسات مطولة لتحديد السببية بين الموسيقى وتعلم اللغة وحدوث الخرف".

ويُرجع "ألين" قدرة الموسيقيين على تذكُّر نوع الصوت الذي سمعوه بشكلٍ أسرع من ثنائيي اللغة إلى أن "الأشخاص المتحدثين بلغتين قد يحتاجون إلى وقت أطول لمعالجة الأصوات؛ نظرًا إلى كون المعلومات تمر عبر مكتبتين لغويتين بدلًا من واحدة فقط، وفي أثناء هذه المهمة أظهرت أدمغة ثنائيي اللغة مؤشرات أكبر على التنشيط في مناطق معروفة لفهم الكلام، ما جعلها تدعم هذه النظرية"، وفق قوله.

تغيرات إيجابية

وكانت دراسة علمية أجراها فريق علمي من جامعة "أدنبرة" الاسكتلندية قد كشفت أن الموسيقى تُعد عاملًا مهمًّا في إعادة هيكلة الدماغ؛ إذ إن الاستماع للموسيقى في أثناء العلاج الفيزيائي، أو جلسات اليوجا، يمكنه تحفيز قدرة الدماغ عن طريق تغيير هيكلته.

وأكدت الدراسة أن عملية الاستماع للموسيقى أثبتت فاعليةً عند الأشخاص الذين يخضعون لعلاج فيزيائي نتيجة إصابتهم بالجلطة الدماغية؛ إذ تُعزز قدرة الاتصال في الجانب الأيمن من الدماغ، وتعمل على تطوير أكبر لقدرتي السمع والكلام.

وأثبتت الدراسة، التي أجراها الفريق على عدد من المتطوعين من أعمار مختلفة من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي، أن "الاستماع للموسيقى الهادئة البعيدة عن الصخب في أثناء أداء بعض الأعمال التي تتطلب الحركة يؤدي إلى تغيُّرات إيجابية في بنية المادة البيضاء في الدماغ".

في حين، أكدت دراسة أخرى أجراها باحثون بجامعة "ماونت سيناي" الأمريكية أنه يمكن استخدام الموسيقى كجزء أساسي في علاج آلام العمود الفقري، موضحةً أن "المرضى الذين كانوا يعالَجون من إصابات في العمود الفقري، شعروا بألم أقل عند سماع الموسيقى، مقارنةً بالأشخاص الذين خضعوا للعلاج التقليدي فقط".

وأظهرت تلك الدراسة أن طرق العلاج بالموسيقى تختلف من مريض إلى آخر؛ إذ تتنوع من الموسيقى الحيَّة والغناء المشترك إلى الطبل الإيقاعي، مشددةً على أن "توفير اختيارات عدة من الموسيقى العلاجية للمرضى قد يؤدي إلى نتائج أفضل".

وكانت الدراسة قد أُجريت على 60 مريضًا بين سن الـ55 والـ60 خضعوا لعمليات جراحية مختلفة في العمود الفقري. وقسم فريق البحث المرضى إلى قسمين، منهم مَن جرت معالجته باستخدام الطرق التقليدية إضافةً إلى العلاج بالموسيقى، أما القسم الآخر فلم يُستخدم في علاجه سوى الطرق التقليدية، ومن ثَم جرى تقييم نسبة الألم لدى المرضى كافة.

وأظهرت النتائج أن هناك فرقًا كبيرًا بين نسبة ألم ما بعد الجراحة لدى الأشخاص الذين تمت معالجتهم بالموسيقى والأشخاص الذين لم يتعرضوا سوى للعلاج التقليدي.

 تدريب المخ

من جهته، يشدد "أحمد عبد الله" -استشاري الطب النفسي بجامعة الزقازيق- على ضرورة الاستفادة من نتاج الدراسة الكندية في مصر.

يقول "عبد الله"، في تصريحات لـ"للعلم": "إن المجتمع المصري يعاني أشد المعاناة من عدم وجود الوعي الكافي بالأهمية النفسية والعصبية لتعلُّم الموسيقى واللغات، بل الأكثر من ذلك أن الإقبال على تعلُّم اللغات مثلًا لا يتأتى إلا لدواعٍ تخص العمل مثلًا، أو لدواعي السفر".

وأضاف أن "التجارب العلمية الحديثة جميعها أثبتت أن المخ يشبه العضلات في طريقة عمله، فعندما يتم تدريب المخ على عادة معينة أو سلوك معين يكبر حجم المراكز المختصة بهذا السلوك أو العمل، وتتشابك الخلايا العصبية بشكل أكبر عندما يعمل جزء معين بصورة أكبر من غيره، وهذا يسمى بناء، ويقع على النقيض من الهدم، الذي ينتج عادةً مع التقدم في السن".

ويرى "عبد الله" أن نتائج الدراسة متسقة تمامًا مع منظور أن مهارات تعلُّم الموسيقى واللغات تعمل على تشابُك الخلايا العصبية بشكل أكبر وتزيد من كثافتها، وبالتالي تكون هناك كفاءة أكبر في وظائف المخ والذاكرة العاملة السمعية، على حد وصفه.