توصل فريق من العلماء إلى تقنية جديدة لتنقية المياه الملوثة ومعالجة بقع الزيت الناتجة عن حوادث تسرب النفط، باستخدام مركبات كيميائية مستوحاة من "بلح البحر".

 ويُعرف "بلح البحر" بقدرته على الالتصاق بالصخور وهياكل السفن، لمقاومة التيارات البحرية، باستخدام خيوط رقيقة تفرز مادةً كيميائيةً تساعد الحيوان الرخو على الالتصاق بالأجسام الصلبة، وتشكل هذه المادة مصدر إلهام لكثير من الباحثين في الكيمياء والابتكارات الهندسية، للتوصل إلى حلول غير تقليدية لكثير من المشكلات، بدايةً من تنقية المياه من الشوائب، وحتى التخلص من آثار التسريبات النفطية.

ووفق دراسة نشرتها دورية "ماتر" (Matter) اليوم "الأربعاء"، 10 يوليو، فقد توصل علماء من الصين والولايات المتحدة الأمريكية إلى أن خيوط "بلح البحر" -التي يُطلق عليها اسم "بيسوس" (Byssus)- تعتمد على إفراز مجموعة من الأحماض الأمينية، منها مركب معروف باسم "ثنائي هيدروكسي فينيل ألانين" (DOPA)، يمكنها الالتصاق بالأسطح الصلبة عن طريق إجراء سلسلة من التفاعلات الجزيئية، تتضمن تفاعلات الروابط الهيدروجينية، وعمليات كيميائية كهروستاتيكية.

ووجد العلماء أن تلك المركبات يمكنها الالتصاق بجميع الأسطح الصلبة من خلال هذه التفاعلات، وهو ما يعني أن مركبات "دوبامين" (Dopamine)، التي تتميز بأن لها الخصائص والبنية الجزيئية نفسها، يمكن أن تشكل غلافًا خارجيًّا لمجموعة واسعة من الركائز البحرية، مما يحفز الكيميائيين على دراسة إمكانية الاستفادة من مركبات مستوحاة من "بلح البحر" في أبحاث هندسة أسطح المواد، وفي العلوم البيئية.

يقول "هاو تشنج يانج" -الباحث في كلية الهندسة الكيميائية والتكنولوجيا بجامعة "صن يات - سين" الصينية- في البيان الصحفي المُصاحب للدراسة، الذي حصل موقع "للعلم" على نسخة منه: "يُنظر إلى بلح البحر على نطاق واسع باعتباره مصدر إزعاج للصناعات البحرية؛ بسبب قدرته على استعمار الأسطح المغمورة، ولكن من وجهة نظر أخرى، فإن قدرته الكبيرة على الالتصاق بالركائز البحرية تحت الماء ألهمت الباحثين بوضع إستراتيجية محاكاة بيولوجية، يمكن من خلالها تحقيق التصاق قوي بين المواد الموجودة في الماء".

ويجري بالفعل العمل على مجموعة من الابتكارات المستوحاة من "بلح البحر"، منها قيام مجموعة من الباحثين الصينيين بتطوير خلية دم حمراء، يمكن قبولها لدى الأشخاص من جميع فصائل الدم، تعتمد على تغليف الخلية بمركبات مستوحاة من "بلح البحر"؛ لحمايتها من مضادات الجهاز المناعي، وبالتالي تجنُّب ردود الفعل التي قد تتسبب في تدمير الخلية.

كما نجحت تجارب أخرى في استخدامه لتطوير مواد يمكنها فصل الزيت عن الماء، بما يساعد في التخفيف من الأضرار الناجمة عن حوادث تسرُّب النفط على البيئة البحرية.

ويعتقد الباحثون أن المركبات الجديدة المستوحاة من "بلح البحر" ربما تكون أكثر ملاءمةً للإنتاج على نطاق واسع، بالإضافة إلى تحقيق نجاحات أخرى في تقنيات تنقية المياه، من خلال تطوير مواد مستوحاة أيضًا من "بلح البحر"، يمكنها التعامل مع المعادن الثقيلة والملوثات العضوية ومخلفات الصرف الصحي، باستخدام "الدوبامين المبلمر"، الذي يمكنه الالتصاق بتلك الملوثات أو غيرها من المواد الأخرى بسهولة.

وعن طبيعة التفاعلات المستوحاة من "بلح البحر"، التي يمكن أن تساعد في تنقية المياه، يقول "سيث دارلنج" -مدير مركز الهندسة الجزيئية والمواد المتقدمة لأنظمة الطاقة المائية، في "مختبر أرجون الوطني" بالولايات المتحدة، والذي شارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن مصدر قوة هذه المركبات الكيميائية يكمن في طبيعتها العالمية؛ إذ تتميز الإستراتيجية الخاصة بهندسة الكيمياء وخصائص الأسطح بمرونتها إلى حدٍّ كبير، مما يسمح بتعديل أي مادة عمليًّا لتزويدها بمجموعة من الخصائص المنشودة في تطبيقات معالجة المياه، وأثبتت هذه التقنية فاعليةً في مختلِف أنواع المياه، سواء العذبة أو المالحة".

وعلى الرغم من أن قدرة "بلح البحر" على الالتصاق بالعديد من المواد الأخرى كانت مصدر إلهام لكثير من الأبحاث خلال الفترة الأخيرة، هناك مجموعة من التحديات يجب التغلب عليها قبل أن تصبح هذه الابتكارات محل تطبيق على أرض الواقع.

يوضح "دارلنج" أن أبرز هذه التحديات يتمثل في أن غالبية المركبات المستوحاة من "بلح البحر" غير متاحة، نظرًا لعدم إنتاجها على نطاق واسع لاعتبارات اقتصادية، مضيفًا أنه "يجري إحراز تقدُّم كبير في مجال إيجاد بدائل آمنة وأقل تكلفة".

ويسعى العلماء للحصول على فهم كامل لطبيعة العلاقات بين مكونات المركبات المستوحاة من "بلح البحر"، مثل "البولي دوبامين"، ولفهم الشبكة المعقدة في التفاعلات بين تلك المكونات والأحماض الأمينية، التي تمنحها خصائص تجعلها تزيد قدرتها على الالتصاق بالمواد الأخرى، وفق "دارلنج".