يعتبر العلاج الكيميائي طريقة فعالة لعلاج العديد من أنواع السرطان، وأبرزها سرطان الكبد؛ لأنه يستخدم موادَّ كيميائية قوية لقتل الخلايا الخبيثة سريعة النمو في الجسم، لكنه في المقابل ينطوي أيضًا على مخاطر حدوث آثار جانبية، أبرزها فقدان الشعر والشهية، ومشكلات في القلب والكلى والأعصاب، بالإضافة إلى الأضرار التي تلحق بالخلايا السليمة.

وتظهر تلك المشكلات نتيجة عدم الدقة في توجيه الدواء لقتل الخلايا السرطانية، وهي معضلة يمكن حلّها باستخدم ما يسمى بـ"طب النانو"، الذي يستعين بتقنيات "النانوتكنولوجي" لتوجيه جرعات الدواء إلى الخلايا المصابة بالسرطان دون غيرها.

تقنيات "العلاج الموجه" للسرطان لا تزال في مهدها، ورغم إجراء مئات الدراسات على الحيوانات حول العالم، لاختبار فاعليتها في استهداف سرطان الكبد، لا تزال هذه التقنيات تفتقر إلى دليل مرجعي يرصد خلاصة ما توصل إليه العلم في هذا الشأن، وأبرز التحديات التي تواجه تطبيقه على الإنسان، ويتيح الفرصة للبناء على ما تم التوصل إليه للوصول بهذه التقنية إلى التطبيق العملي على البشر.

فريق بحثي مصري من جامعات عين شمس وحلوان والقاهرة وطنطا، بالتعاون مع باحثة من الجزائر، أخذ على عاتقه تلك المهمة، ونجح في استخلاص دليل مرجعي، ونشر تفاصيل دراسته المرجعية في العدد الأخير من دورية سيمينارز إن كانسر بيولوجي، لتحسين فاعلية العلاج الكيميائي وسلامته لمقاومة سرطان الكبد، باستخدام ناقلات من الجزيئات النانوية؛ لتقوم باستهداف الخلايا السرطانية ونقل الدواء اليها.

هذه الدراسة تأتي نتاج عمل لفريق يطلق على نفسه اسم "تيترابلويد" (Tetraploid Team)، يضم مجموعةً من الباحثين الشباب في المجال الطبي من جامعات مصرية وعربية، هدفها إنتاج أبحاث علمية قيّمة تفيد المجال الطبي في مصر والعالم العربي، ونشر ثقافة البحث العلمي في المجتمع المصري.

من جانبه، قال محمد النجار، الباحث المشارك بقسم الكيمياء الحيوية، كلية العلوم، جامعة عين شمس، ورئيس فريق تيترابلويد: "ركّزت دراستنا على أحد التطبيقات في هذا المجال، وهو استخدام تقنية النانو في استهداف خلايا سرطان الكبد، عن طريق تغليف العلاج الكيميائي بجزيئات النانو، وتوجيهه إلى الخلايا السرطانية، ما يسمح بتجميع الدواء داخل الخلايا الخبيثة المستهدفة دون الإضرار بباقي خلايا الجسم السليمة.

وأضاف، في حديث لـ"للعلم": تُعَد تقنية النانو الطبية (Nanomedicine) واحدةً من التقنيات الطبية الحديثة التى تُستخدم في التشخيص والعلاج والوقاية من عدة أمراض، وتعتمد ببساطة على استخدام مواد علاجية أو تشخيصية متناهية الصغر مصنَّعة بحجم النانو، يتراوح حجمها بين 1-100 نانومتر (1 مليمتر يساوي مليون نانو).

ويضيف عبد الرحمن أبو شوق -الباحث المشارك في الدراسة، بمركز البحوث الطبية، كلية الطب، جامعة عين شمس- أن "هناك علاجات متعددة للسرطان، لكنها لا تؤثر فقط على خلايا السرطان، بل تصل إلى الخلايا السليمة، ما يزيد آثارها الجانبية الخطيرة، على أعضاء الجسم الرئيسية مثل الكبد والكلى وغيرها، لكن الميزة التي تعطيها العلاجات التي تعتمد على تطبيقات النانو الطبية هي توصيل الأدوية إلى الخلايا السرطانية المراد علاجها بدقة شديدة دون أن تتعرض الخلايا السليمة المحيطة بها للأذى".

وأوضح -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الفريق استند في دراسته إلى أكثر من 140 دراسة أجريت في هذا الشأن، للخروج بدليل مرجعي، يمكن أن يسير على نهجه الباحثون في هذا المجال؛ لإجراء دراساتهم المستقبلية، حول العلاج الموجه إلى سرطان الكبد.

ولإجراء الدراسة، أضاف "أبو شوق" أن الفريق استعان بقواعد البيانات العالمية التي تنشر الأبحاث المتخصصة في التطبيقات الطبية لتقنيات النانوتكنولوجي، مثل قاعدة بيانات (PubMed)، التابعة للمكتبة الطبية الأمريكية، لاستدعاء الدراسات التي أُجريت في هذا الشأن، وتم وضع نتائج هذه الدراسات في نموذج إلكتروني؛ لاستخراج البيانات الموجودة في الدراسات، لمناقشتها وصياغتها بشكل مختلف.

3 قواعد للعلاج الموجه

ولتوجيه الدواء إلى الخلايا السرطانية باستخدام تقنيات النانو بدقة، خلصت الدراسة إلى أن ذلك يتحقق عن طريق 3 قواعد رئيسية، أُولاها أن يتم وضع جرعة العلاج الكيميائي في النواقل النانوية (Nanocarriers)، وهي مواد نانوية تُستخدم كوحدة نقل للعقار لتوجيهه إلى الخلايا السرطانية دون غيرها، وثانيتها أن يُوجَد على سطح تلك النواقل ما يسمى بـ"الربيطات الكيميائية" (Ligands)، ووظيفتها أن تتعرف على العنصر الثالث في العملية وهي "المستقبلات" (Receptors) التي توجد بكمية كبيرة على سطح الخلايا السرطانية دون السليمة، وعند اتحاد الربيطات والمستقبلات معًا، يتم إفراغ جرعة الدواء الموجه داخل الخلايا السرطانية بدقة متناهية، دون أن يصل الدواء إلى الخلايا السليمة.

يقول "النجار" إن "الفريق ركز في دراسته على تلخيص الخواص المختلفة للنواقل النانوية والمستقبلات والربيطات الكيميائية، ودراسة الفروق بين أنواعها المختلفة، ومميزات وعيوب استخدام كل نوع منها في العلاج، إذ جرى تعرُّف الكثير من المستقبلات الموجودة على سطح الخلايا (Membrane Receptors) المنقسمة في أثناء تطور السرطان الكبدي، ووُجد أن معظم تلك المستقبلات هي جزء طبيعي من مكونات الغشاء البلازمي لخلايا الكبد السليمة، لكنها تكون موجودة بكميات كبيرة، ويزيد عرضها على سطح الخلايا السرطانية فقط".

وأضاف: "من هنا جاءت فكرة دراسة تركيب هذه المستقبلات لاستخدامها في استهداف الخلايا الخبيثة، إذ ركزت الدراسة على رصد 6 أنواع من المستقبلات بالتفصيل، وتركيبها الكيميائي وأشكالها المختلفة، ومميزات استخدام كل نوع منها وعيوبه، مثل عدم الدقة أو قلة الجودة".

وركزت الدراسة على 3 جوانب رئيسية، وهي: تحديد أكثر الأدوية الكيميائية فاعليةً في علاج سرطان الكبد، وأكثر المستقبلات شيوعًا، بالإضافة إلى أكثر الربيطات الكيميائية، ما يضمن وضع خطة مكتملة للعلاج، كمقدمة للدراسات التطبيقية التي ستُجرى في المستقبل.

وأشار "النجار" إلى أن الدراسة خلصت إلى أن أكثر الأدوية التي يمكن أن تتلاءم مع النواقل النانوية لقتل خلايا سرطان الكبد هو دواء "الدوكسوروبيسين" (HPMA-doxorubicin)، ويتم استخدام هذا العقار مع مستقبِلات خاصة لتوصيل الدواء إلى الخلايا الخبيثة؛ إذ وجدت الدراسة أن أكثر المستقبلات دقةً في الاستهداف هو مستقبِل (Asialoglycoprotein Receptor) (ASGP-R)، إذ يوجد بأعداد كبيرة على سطح خلايا الكبد السرطانية، ولا يوجد على الخلايا السليمة، ما يضمن وصول الدواء إلى الخلايا الخبيئة، أما أفضل الربيطات الكيميائية التي تلتصق بالمستقبلات بكفاءة ودقة عالية فهي مركبات "اللاكتوز" Lactose و"الجالاكتوزامين" Galactosamine.

لكن بعض الأبحاث وجدت أن أعداد مستقبلات (ASGP-R) الموجودة على سطح الخلية السرطانية تختلف مع تطور المرض، لذا يجب فحص المريض وتحديد مرحلة مرضه قبل تطبيق هذا العلاج عليه للتأكد من صلاحية العلاج.

تحديات ومعوِّقات

ورغم التقدم الذي أحرزه العلم في التوصل إلى أنواع جديدة من النواقل النانوية، التي تتميز بدقة عالية، وتقلل من تعرُّض المريض للتسمم، لكن هناك تحديات تواجه هذا المجال العلاجي الواعد، وتعوق تقدُّمه، إذ اعتبر "النجار" أن التحدي الأساسي هو أن معظم هذه الأبحاث التي أُجريت في هذا الشأن تمت على الحيوانات، ولم يتم تطبيقها في تجارب سريرية حتى الآن.

وأضاف أن أحد أهم الأسباب التي تعوق هذا التطبيق هو صعوبة دراسة الخواص الكيميائية والفيزيائية للمواد النانوية المستخدمة في العلاج، والتي يتطلب تصنيعها دقةً عالية، لأن أي خطأ ولو بسيط سوف يغير تمامًا في خواصها، ويغير من تركيب الدواء، ما قد ينجم عنه مضاعفات وتسمُّم وعدم توافُق بين الدواء والمريض.

وأوضح "النجار" أن من الصعوبات الأخرى محاولة حفظ الجزيئات النانوية من التحلُّل بعد تصنيعها، وهو ما يتطلب ظروفًا خاصة لمنع حدوث أي تغيرات في خواصها إلى حين استخدامها، ناهيك بالتحدي الأكبر الذي يقف حائلًا في وجه الكثير من الأبحاث وهو التكلفة؛ إذ إن تكلفة المواد الخام والأجهزة المستخدمة عالية، وهو ما يقف حائلًا أمام إجراء هذا النوع من الأبحاث، فتضيع الكثير من الأفكار هباءً بسبب قلة الإمكانيات وعدم توافر الدعم اللازم لتطوير البحث العلمي في بعض البلدان.

في حين رأى "أبو شوق" أن تنوُّع النواقل النانوية من شركة أدوية إلى أخرى، ومن بلد إلى آخر، يمكن أن يؤدي إلى اختلاف في النتائج، وقد يخلق مزيدًا من الآثار الجانبية، ولا يقود إلى نتائج موحدة، لذا يعمل الباحثون على وضع "نموذج موحد" لهذه الجسيمات، تسير عليه الشركات المصنعة لها، حتى تعطي النتائج ذاتها في مختلِف التجارب، لأن هذه القواعد لا تتوافر حاليًّا.

وأضاف أن هناك تحديًا آخر، وهو وضع قواعد لرصد وحصر السموم التي يمكن أن تُحدثها "جسيمات النانو" في الجسم، بعد أن تفرغ الشحنة الدوائية، وبالتالي تصنيع جسيمات من مواد تتحلل ما دامت في بيئة سائلة، ولا تتفاعل داخل الجسم، وتتحلل دون أن تتركز آثارٌ سامة في الجسم.

كما تطرَّق إلى أن تجربة الدواء في الحيوانات، عادةً تعطي نتائج واعدة، لكنها تتغير تمامًا وتقدم نتائج مخيبة للآمال إذا تمت التجربة السريرية على البشر؛ وذلك لأن "النموذج" الذي أجراه الفريق على الحيوانات لا يماثل البشر تمامًا، لأن الباحثين يعملون على إعطاء الحيوانات مواد معينة تصيبهم بسرطان الكبد، وبالتالي تختلف هذه الحالة عن البشر المصابين بالسرطان، ولمحاكاة ما يحدث لدى البشر، أوصى الفريق بوضع خلايا بشرية مصابة بالفعل بسرطان الكبد وزرعها في الحيوانات؛ كي تعطي نتائج مشابهة لما يحدث لدى المرضى.

رؤية وقراءة متعمقة

من جانبها، قالت شيماء يحيى، أستاذ مساعد بالشعبة الطبية في المركز القومي للبحوث: إن البحث ينتمي إلى فئة الأبحاث المرجعية، التي تكتسب أهميةً كبيرةً بين الباحثين العاملين في المجال الطبي، لما تقدمه من خلاصة للتجارب التي أُجريت في تخصص بعينه، لإعطاء فرصة لباحثين آخرين للبناء على ما تم التوصل إليه، والوصول في النهاية إلى علاجات ناجعة للأمراض.

وأضافت في حديث لـ"للعلم"، أن ما يميز هذه الدراسة أنها ركزت على حقل جديد نسبيًّا، وهو "العلاج الموجه" للسرطان بواسطة تقنية النانوتكنولوجي، وهو مجال لا يزال في طور التجارب المعملية، ويحتاج إلى المزيد من البحث والتعمُّق، لرصد آثاره الجانبية، ومميزاته، قبل التطبيق الفعلي على البشر في التجارب الإكلينيكية.

وأوضحت أن الدراسة قدمت رؤيةً وقراءةً متعمقة لما جرى التوصُّل إليه في هذا المجال، واستخلصت أبرز المستقبِلات التي يزيد إنتاجها فى الخلايا السرطانية للكبد، والعلاجات الكيميائية الفعالة التي يمكن أن تستهدفها، وشرحت الطرق التي يمكن من خلالها نقل جرعات الأدوية عبر مواد نانومترية، تستهدف بدقة خلايا السرطان في الكبد، وبالتالي تزيد فاعلية العلاج وتنخفض آثاره الجانبية، والمميز أنها قدمت أبرز التحديات التي تواجه هذا النوع من العلاج، والمخاوف المتعلقة بآثاره الجانبية؛ لأخذها بعين الاعتبار في التجارب المستقبلية.

وأشارت إلى أن الأبحاث المرجعية جزء مهم من العمل البحثي؛ إذ لا دور للباحث في إجراء تجارب معملية لإثبات فرضية علمية بعينها أو نفيها، لكن يمتد دوره إلى إجراء أبحاث مرجعية تُلقي الضوء على أبرز ما تم إنجازه من تجارب وما تم التوصل إليه من نتائج، وتستخلص منها أهم التوصيات التي يمكن أن يستفيد منها العاملون في الحقل العلمي والطبي.

واتفقت معها داليا إبراهيم بدران -أستاذ الكيمياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية المساعد بكلية طب جامعة قناة السويس- مؤكدةً أن هذه الدراسة المرجعية تقدم استعراضًا جيدًا جدًّا من حيث طريقة الكتابة العلمية والمعلومات العلمية الحديثة، في مجال استهداف خلايا السرطان بتقنية النانو، ما قد يُسهم في اكتشاف طرق علاجية حديثة تزيد نسبة الشفاء من مرض سرطان الكبد.

ورأت -في تصريحات لـ"للعلم"- أن استخدام جزئيات النانو في توصيل العقاقير الكيميائية لاستهداف خلايا سرطان الكبد مباشرةً دون الإضرار بالخلايا السليمة مجالٌ علاجيٌّ واعد، إذا تم التحقق من جدواه في دراسات على البشر.

وأشارت إلى أن هذا النوع من العلاج يتميز عن العلاجات الكيماوية التقليدية، بزيادة تركيز الدواء وزيادة مدة فاعليته داخل الخلية السرطانية؛ إذ ترتبط جزيئات النانو بمستقبلات خاصة على الخلايا السرطانية، ما يضمن فاعليتها، بالإضافة إلى احتوائها على مواد شديدة السمية؛ لقتل الخلايا السرطانية دون تأثير يُذكر على الخلايا السليمة.