منذ بداية الجائحة والباحثون في سباق وسعي مستمرَّين من أجل اكتشاف وتطوير لقاحات تحمي من الإصابة بالفيروس أو عقاقير وأدوية تعالج المصابين به، ورغم تطوير عدة لقاحات وحصول نحو 62% من سكان العالم على جرعة واحدة على الأقل من تلك اللقاحات، لا يزال خطر متحورات الفيروس الجديدة يثير قلق المجتمع العلمي، فالفيروس في تطور مُستمر، وقد نجد أنفسنا في "موقف حرج ومعقد" إذا أدت المتحورات إلى انخفاض فاعلية اللقاحات.

لذا هناك حاجة مُلحة إلى تطوير عقاقير تعالج المصابين بالفيروس، الأمر الذي دفع العديد من معامل الأبحاث حول العالم إلى تغيير مسارها البحثي وإنشاء مجموعات عمل لإجراء الأبحاث حول كوفيد-19، وهو ما حدث مع إحدى المجموعات البحثية في جامعة نورث ويسترن الأمريكية في مارس 2020، والتي يتركز عملها في الأساس حول أبحاث السرطان، ولكن ظروف الجائحة جعلت هويبينج ليو -أستاذ مساعد علوم الأدوية وأمراض الدم بمدرسة فينبرج للطب بجامعة نورث ويسترن الأمريكية- تجتمع مع فريقها البحثي عدة اجتماعات افتراضية منتظمة عبر تطبيق زووم لمناقشة مشاريع بحثية مرتبطة بـكوفيد-19، أسفرت هذه الاجتماعات عن تعاوُن الباحثين من مختبر "ليو" مع فريق بحثي آخر من مركز "إم دي أندرسون" بجامعة تكساس الأمريكية.

استطاع الفريق البحثي تحديد فقاعات نانوية طبيعية تحتوي على بروتين (ACE2) -الذي يستخدمه فيروس سارس-كوف-2 لغزو خلايانا- في دماء مرضى كوفيد-19، واكتشفوا أن هذه الفقاعات يمكن أن تمنع العدوى من سلالات مختلفة من الفيروس، وبمجرد تطويرها كمنتج علاجي يمكن أن تفيد البشر كعلاج بيولوجي اقتصادي وبأقل قدر من السُّمِّيَّة.

وجد الفريق البحثي أن الفقاعات النانوية البروتينية evACE2 موجودة في دم الإنسان كاستجابة طبيعية مضادة للفيروسات، وكلما زادت حدة المرض، زادت مستويات evACE2 المُكتشَفة في دم المريض.

ووفقًا للدراسة التي نُشرت في دورية نيتشر كومينيكيشنز فإن هذه الفقاعات تفرزها الخلايا المصابة لتعمل كأفخاخ للفيروس في الجسم، ويمكن أن تكون بمنزلة علاج يتم تطويره على شكل رذاذ أنفي للوقاية والعلاج من السلالات الحالية والمستقبلية من فيروس كورونا والفيروسات التاجية بشكل عام.

 خبرة وابتكار

تفرز الخلايا الحية حويصلات أو جزيئات بحجم النانو -يمكن وصفها بـ"الفقاعات النانوية"- تنشقُّ هذه الحويصلات من الخلايا إلى البيئة الدقيقة المحيطة بها، حاملةً معها بعض البضائع مثل البروتينات والحمض النووي الريبي RNA، إذ تعمل هذه الحويصلات أو الفقاعات كوسيلة اتصال بين الخلايا.

 تقول لمياء الشناوي -باحثة مصرية في مختبر "ليو" بجامعة نورث وسترن، والمؤلفة الأولى في الدراسة- في حديثها مع "للعلم": "يتمتع مختبرنا بخبرة جيدة في مجال أبحاث الحويصلات الخلويَّة الخارجيَّة، لذا كان أحد مشاريعنا يهدف إلى التحقيق في إمكانية استخدام حويصلات تحتوي على بروتين ACE2 كطُعم للفيروس، هذه الحويصلات قد تكون بمنزلة تقنية لعلاج الفيروس والوقاية منه". 

وفقًا لنتائج الدراسة التي أجرتها "الشناوي" وزملاؤها فإن evACE2 هي فقاعات دهنية صغيرة في حجم الجسيمات النانوية مُرصعة ببروتين ACE2، الذي يعمل مثل المقابض التي يمكن للفيروس أن يمسك بها كي يدخل إلى الخلية ويغزوها، تعمل هذه الفقاعات باعتبارها فخًّا للإيقاع بالفيروس كي يمسك بها بدلًا من بروتينات ACE2 الموجودة على خلايانا، مما يمنعه من دخولها.

تضيف "الشناوي": "بمجرد التقاط الفيروس بواسطة فقاعات evACE2، فإنه إما أن يطفو بشكل غير ضار أو يتم تطهيره بواسطة خلية مناعية من البلاعم، وفي هذه المرحلة يفقد الفيروس قدرته على إحداث العدوى". 
تخرجت "الشناوي" في كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية، حصلت على درجة الماجستير من معهد الدراسات العليا والبحوث بجامعة الإسكندرية، ودرجة الدكتوراة من كلية الصيدلة بجامعة إلينوي الأمريكية، ثم عملت في منصب مدرس بقسم الدراسات البيئية بمعهد الدراسات العليا والبحوث، وهي الآن باحثة ما بعد الدكتوراة في جامعة نورث ويسترن الأمريكية.

سر الفقاعات

يمكن أن يتسبب التحور المستمر للفيروس في فقدان اللقاح لفاعليته وقوته وكذلك الأجسام المضادة العلاجية، بينما يكمن سر فقاعات evACE2 في قدرته على منع سلالات واسعة من الفيروسات التاجية المختلفة وحتى تلك التي من الممكن أن تصيب البشر مستقبلًا، كما يعتقد الباحثون أن فقاعات evACE2 يمكن أن تُسهم في حماية الأشخاص الذين يعانون من نقص المناعة -والذين يمثلون على الأقل 2.7٪ من الأشخاص البالغين في الولايات المتحدة- وكذلك الأشخاص الذين لم يتلقوا اللقاح بعد والذين قد تصل نسبتهم إلى 94٪ في البلدان منخفضة الدخل وأكثر من 30% في الولايات المُتحدة.

أشاد حسن عزازي -أستاذ الكيمياء بالجامعة الأمريكية بالقاهرة- بالدراسة التي أجرتها "الشناوي" وزملاؤها، قائلًا: "إنها دراسة مثيرة للاهتمام، وتقدم تفاصيل كمّية مهمة تشير إلى فاعلية عالية جدًّا للحويصلات الخلويَّة الخارجيَّة التي تمتلك بروتينات ACE2 في الوقاية من عدوى كوفيد-19 مقارنةً باستخدام بروتينات ACE2 الحرة".

يضيف "عزازي": "الدراسة تمهد الطريق لإجراء المزيد من الدراسات والتحقيقات لإعداد حويصلات خلويَّة خارجيَّة مُرصعة ببروتين ACE2 باعتبارها وسيلةً علاجيةً ووقائيةً لعدوى كوفيد-19". 

كما أوضح "عزازي" أن الدراسة الحالية تستند إلى نتائج دراسة صينية سابقة، نشرتها دورية أدفانسد ماتيريالز في أكتوبر 2021، وتتفق معها في النتائج، وهو ما علقت عليه "الشناوي" بقولها: "لقد أجرينا دراستنا بالفعل قبل الدراسة الصينية، ونشرنا مسودة تتضمن النتائج التي توصلنا إليها في ديسمبر عام 2020".

من جانبه، يقول علاء البيطاني، الباحث في كلية الصيدلة بجامعة كارديف البريطانية، والمدرس في كلية العلوم بجامعة دمياط، لم يشارك في الدراسة- في حديثه مع "للعلم": "تُظهر نتائج الدراسة انخفاضًا ملحوظًا في عدوى النسيج الظاهري الرئوي لدى الفئران المصابة بكوفيد-19، ونتيجةً لذلك انخفض التهاب الرئة لديها بشكل كبير، ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كان استخدام evACE2 كعلاج ضد عدوى كوفيد19 سيكون فعالًا".

 المزيد من الدراسات

أشار "البيطاني" إلى أنه للاستفادة من الخصائص العلاجية لـevACE2، سيكون هناك حاجة إلى مزيد من الاختبارات على الحيوانات المصابة بكوفيد-19 لتقييم الفائدة العلاجية لـ evACE2قبل الحديث عن أي تجارب سريرية أخرى، يتفق رفعت عبد الله شرف -استشاري باطنة عامة وزميل الكلية الملكية بلندن- مع ذلك الرأي قائًلا: "هناك العديد من العقاقير التي نجحت في الاختبارات المعملية، ولكنها لم تنجح على البشر، مثل «هيدروكسي كلوروكين» و«إيفرمكتين»"، ويوضح "شرف" أن علينا الانتظار حتى تكتمل التجارب حول evACE2، مضيفًا: "في البداية تجري تجربة أي دواء جديد في المختبر، ثم على الحيوانات، ثم على عدد محدود من المتطوعين، وذلك للتأكد من كونه آمنًا للاستخدام، ثم تجربته على عدد أكبر من المتطوعين للتأكد من فاعليته". 

في هذا السياق توضح "الشناوي": "نتائجنا الأولية على الحيوانات لم تُظهر أي آثار سلبية، ونحن نُجري المزيد من الدراسات لتقييم دور evACE2 كعلاج، والتحقيق في أي آثار جانبية محتملة".

واجه الفريق البحثي عددًا من المعوقات العلمية والفنية في أثناء العمل على الدراسة، كما توضح "الشناوي": "أعتقد أن العقبة الرئيسية كانت أننا كنا نعمل في ذروة الوباء وفي أثناء الإغلاق، وكان علينا تحليل عينات البلازما من المرضى الذين يعانون من عدوى حادة وكذلك المتعافين في فترة النقاهة"، وتضيف أنهم تمكنوا من التغلُّب على هذه العقبات بفضل قوة العمل الجماعي، إذ تعاون في الدراسة أكثر من 30 باحثًا، والآن لدى جامعة نورث ويسترن ومركز إم دي أندرسون براءة اختراع معلقة على evACE2، ويهدف الفريق البحثي إلى التعاون مع شركاء الصناعة لتطوير evACE2 كمنتج دوائي يُستخدم كبخاخ للأنف أو من خلال الحَقن لعلاج كوفيد-19 والوقاية منه. 

خطوة إلى الأمام

أسست "ليو" -بالتعاون مع أحد أعضاء الفريق- شركة ناشئة تُدعى Exomira للعمل على تطوير evACE2 كمنتج علاجي، كما نجح الفريق البحثي في جذب انتباه هيئات التمويل وشركات الأدوية، توضح "الشناوي": "حصلنا على تمويل لإجراء التجارب القادمة، ونحن في مرحلة إنتاج هذه الحويصلات على نطاق واسع من أجل إجراء المزيد من التجارب على الحيوانات، لتقييم تأثير العلاج بالحويصلات، لذلك نعمل على بناء فريق مُدرب للعمل على هذه التجارب، كي نخرج بورقة بحثية أخرى تجيب عن كل الأسئلة المتعلقة بتأثير evACE2".

من جانبه، يختتم "البيطاني" حديثه مع "للعلم" قائلًا: "تعتبر هذه الدراسة خطوةً مهمةً إلى الأمام نحو علاج مرضى كوفيد-19، ومع ذلك، لا يزال هناك حاجة عالمية ملحَّة إلى تطوير المزيد من العلاجات الجديدة وتقييمها بشكل أسرع، لتوفير أداة سريعة وآمنة واقتصادية للاستخدام في أثناء الجائحة الحالية -بما في ذلك تغطية جميع متحورات الفيروس- وكذلك ضد أي تفشٍّ مستقبلي لأمراض الجهاز التنفسي والحالات ذات الصلة".

يقول راغو كالوري، الأستاذ في قسم بيولوجيا السرطان بمركز إم دي أندرسون، والذي شارك في الإشراف على الدراسة الحالية: "جسمنا لا يستسلم ولا يتخلى أبدًا عن القتال من أجل أن تتحسن صحتنا، وهو يفوز في مرات عديدة، ولكنه يخسر في بعض الأحيان"، موضحًا أنهم يعملون على تطوير آليات الدفاع الطبيعية لدى الجسم البشري كأدوية لمكافحة الالتهابات الفيروسية وكذلك لمكافحة السرطان.