بالرغم من التطور التكنولوجي المذهل في مجال الكشف عن السرطان باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي والنظائر المشعة، نستطيع القول إننا كنا نخوض ضده "حربًا عمياء". حرب تقوم على انتظار الورم حتى ينمو بصورة كبيرة ليمكن التقاطه وتصويره بأساليب التصوير التقليدية، ما يجعل استئصاله صعبًا، بل ومستحيلاً في بعض الأحيان.

لقد كان لدى العلماء حلم الوصول لإمكانيات تتبُّع تطوُّر السرطان في الوقت الحقيقي، وهذا ما نجح فريق بحثي من جامعة روتجرز الأمريكية في تحقيقه. نتائج الدراسة التي نشرتها مجلة "نيتشر بيوميديكال إنجنيرينج" مطلع الشهر الحالي، ربما تقرِّبنا من خط النهاية في رحلة الانتصار على "المرض الخبيث"، بعدما ابتكر فريق من العلماء بالجامعة آليةً تُسهِم في الكشف المبكر عن الأورام السرطانية التي ما زالت في مهدها، وتتبُّع انتشارها.

تعتمد التقنية الجديدة على حقن الجسم بـ"جسيمات نانومترية باعثة للضوء"، تصدر منها موجات ضوئية قصيرة من الأشعة تحت الحمراء، بحيث تسافر عبر مجرى الدم، وتلتصق بالخلايا السرطانية الصغيرة.

وكشفت التجارب الأولية -التي أُجريت على مجموعة من الفئران- عن تمكُّن هذه الجسيمات من الكشف المبكر عن الأورام السرطانية الصغيرة وتعقُّبها، خاصةً فيما يتعلق بسرطان الثدي، وذلك قبل انتشارها في أجزاء أخرى من الجسم.

يقول برابهاس موجهي -المشرف على الدراسة، وأستاذ الهندسة الطبية الحيوية والكيمياء الحيوية بالجامعة- لـ"للعلم": "لقد تمكنَّا من تتبُّع المرض في مراحله الأولى".

يوضح موجهي أنه "بالرغم من فاعلية التقنيات المستخدمة حاليًّا، فهي لا تستطيع اكتشاف مجموعات الأورام متناهية الصغر"، كاشفًا عن أنه على النقيض من ذلك فإن التقنية الجديدة تستطيع أيضًا تتبُّع الأورام الصغيرة، من خلال ضوء معين عبر الأنسجة دون أن يحدث لها تشتُّت أو ضعف.

وتستخدم التقنية وسيلةً بصرية تعتمد على استثارة المعادن النادرة في جسيمات النانو، بحيث تبعث ضوءًا في طول الموجات تحت الحمراء في أثناء مرورها في مجرى الدم.

وتُحقَن في الجسم من خلال الوريد مجسات بحجم النانومتر، يمكنها اكتشاف الأورام الثانوية خلال ساعات. "نأمل في توجيه المجسات للسرطانات الأولية؛ ليتم صبغ الأورام لسهولة استئصالها قريبًا"، وفق موجهي.

يقول ربيعي يونس -أستاذ مساعد بمعمل الكيمياء التحليلية بالمركز القومي للبحوث- لـ"للعلم": "إن المواد النانومترية، سواء كانت عضوية أو غير عضوية أو خليطًا بينهما، لها أهمية قصوى في تطوير كفاءة المستشعرات الحيوية المستخدَمة في الكشف عن الأمراض، مثل الإصابة بالسرطان والفيروسات والميكروبات المعدية (مثل البكتيريا أو الفطريات). وهناك العديد من المجموعات البحثية الدولية تعمل على تحضير واستخدام المواد النانوية بأشكالها المختلفة في التطبيقات الطبية التشخيصية؛ إذ ليس تصنيعها بالأمر الصعب، ولكن التحكم في شكل الرقائق النانومترية وحجمها وأبعادها هو ما يشكل التحدي الأهم للباحثين".

 

 

100 نوع

 

يتوقع موجهي تطبيق هذه التقنية على الإنسان، بعد نجاحها على الفئران، في مدة تتراوح بين 3 و5 سنوات؛ نظرًا لضرورة الحصول على موافقة هيئة الغذاء والدواء الأمريكية.

ويضيف أن "هذه التقنية يمكن استخدامها في كشف أكثر من 100 نوع من السرطانات وتتبُّعها، كما يمكنها مراقبة الإصابة بالسرطان وقت حدوثها، وتحديد المرحلة التي وصل إليها المرض بنسبة كبيرة، ومن ثَم التعامل السليم مع كل مريض".

ويشدد على أنه يمكن الاستعانة بالطب الشخصي لوضع علاج تفصيلي لكل مريض وفق حالته، والاستعانة كذلك بالطب الجزيئي الذي يشهد ثورةً في الوقت الحالي، بحيث يمكن أخذ عينات من الأورام من المرضى وتنميتها داخل جسد الحيوان، وتجربة الأدوية عليها لمعرفة أفضل الأدوية التي يستجيب لها المريض.

بدوره، يؤكد ستيفن ليبوتي -مدير معهد روتجرز للسرطان في نيوجرسي- لـ"للعلم" أن "المجسات النانومترية المشار إليها في هذه الدراسة ستقطع شوطًا طويلًا في مواجهة الأورام الثانوية الصغيرة في جسم الإنسان، والتي تُعَدُّ أكبر مشكلة أمام التدخل الجراحي من حيث تحديد مرحلة المرض والتخطيط لعلاجه".

 

تحديد عنوان السرطان

من جهتها، توضح فيديا جاناباثي -الباحثة المشاركة في الدراسة، وأستاذ الأبحاث المساعد في قسم الهندسة الطبية الحيويةـ لـ"للعلم" أن "المجسات النانومترية كانت أسرع بكثير من التصوير بالرنين المغناطيسي في اكتشاف الانتشار المتعدد للإصابات بالأورام الصغيرة في الغدد الكظرية والعظام لدى الفئران، وهذا يعني إمكانية اكتشافها مبكرًا بفترة زمنية قد تصل لشهور لدى الإنسان، ما يعني إنقاذ حياة الكثيرين.

ومن المعروف أن الخلايا السرطانية قد تستقر في مواضع مختلفة بالجسم، ولكن تلك المجسات تتتبعها أينما ذهبت، وفق جاناباثي، ما يمكِّننا من علاج السرطان بذكاء؛ لأننا نستطيع ببساطة تحديد عنوانها.

ويتطلع الباحثون في هذه الدراسة لتطوير المجسات النانومترية في المستقبل؛ لاستخدامها في أي عمليات جراحية لتحديد الأنسجة المراد استئصالها.

كما يمكن الاستفادة من هذه المجسات في تتبُّع فاعلية العلاج المناعي، الذي يتطلب استثارة جهاز المناعة لمحاربة الخلايا السرطانية، وهو أمر مهم؛ لأن الأورام التي لا تحظى بمتابعة جيدة فيما يتعلق بالمناعة تنمو بشكل عنيف، وتَضعُف استجابتها للعلاج الدوائي.

شارك في الدراسة 16 باحثًا من كلية الهندسة بجامعة روتجرز من أقسام مختلفة، هي الهندسة الطبية الحيوية والكيميائية الحيوية وعلوم الكمبيوتر، فضلاً عن باحثين من "مركز روتجرز للصحة" في نيوجيرسي وجامعة سنغافورة للتكنولوجيا والتصميم.

الكشف عن الأورام الثانوية

وعن فاعلية التقنية الجديدة في الكشف عن الأورام الثانوية، يوضح شريف شوقي -زميل ما بعد الدكتوراة، المتخصص في مجال النانوبيوتكنولوجي بمركز علوم الجينوم بجامعة زويل- أنها فعالة جدًّا؛ لاعتمادها على خاصية الإشعاع.

يشرح شوقي آلية عمل تلك المجسات، في تصريحات لـ"للعلم"، قائلًا: "إن هذه المجسات تستجيب للأشعة تحت الحمراء عند تعرُّضها لليزر بطول موجة محدد".

ويضيف أنه يجري استقبال الانبعاث الحراري الصادر عنها بكاميرا مخصصة لهذا الغرض، وترجمته لصور توضح مكانها بالجسم، وبالتالي تحدد موضع الأورام الثانوية.

ويؤكد أن هذه التقنية تتميز بالدقة في الكشف عن مكان الورم دون تعارُض مع الانبعاثات الذاتية الصادرة عن الخلايا، بالإضافة إلى قدرة المجسَّات على الكشف عن أكثر من ورم صغير في عدة أعضاء بالجسم في وقت واحد، مما يوفر الوقت والجهد، ويقلل من تكلفة التشخيص مقارنةً بالوسائل المتاحة حاليًّا مثل جهاز الرنين المغناطيسي.

ويوضح أن "المجسات النانومترية المصنعة من المعادن (التي تستجيب للأشعة تحت الحمراء) آمنة ولا تُحدِث آثارًا جانبية، ويمكن استعمالها مع البشر، ولكن بعد استكمال الأبحاث المتعلقة بمدى سلامتها"، مشيرًا إلى وجود أنواع أخرى من المجسات يعمل الباحثون بجامعة زويل الآن على تصنيعها للغرض نفسه ولأغراض طبية أخرى، وفق قوله.