يؤدي نقص المهنيين المؤهلين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات إلى إبطاء معدلات النمو والابتكار في "اقتصاد المعرفة"، القائم على اكتساب المعرفة والاستثمار فيها؛ بهدف تحقيق معدلات تنموية متسارعة. الأمر الذي دفع الدول المتقدمة والنامية -على حدٍّ سواء- إلى تبنِّي برامج تعليمية تقدر بمليارات الدولارات؛ لزيادة أعداد خريجي هذه المجالات من خلال نظام التعليم (STEM)، الذي يجمع بين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، باعتبارها مواد التعليم الأساسية الأربع.

وتواجه مؤسسات التعليم العالي تحدياتٍ كبيرةً للحد من الكلفة المتزايدة لتوظيف أعضاء هيئة التدريس واستقطاب مزيد من المؤهلين في هذه المجالات. ويبلغ متوسط تكلفة الحصول على درجة البكالوريوس بعد أربع سنوات من الدراسة ما بين 65 إلى 80 ألف دولار للطالب الواحد، وقد يصل إلى 100 ألف دولار في مجال الهندسة، ما دفع دولًا مثل الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية إلى البحث عن سياسات بديلة لتدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات على نطاق واسع وبتكلفة أقل.

في هذا السياق، كشفت دراسة أمريكية- روسية مشتركة أجراها باحثون من المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة البحوث الوطنية في روسيا وآخرون من جامعات كاليفورنيا بيركلي وستانفورد وكورنيل الأمريكية، أن التعليم عبر الإنترنت يمكن أن يساعد في تقليل تكاليف نظام التعليم (STEM) مقارنةً بالتعليم التقليدي.

وأظهرت الدراسة التي نشرتها دورية "ساينس أدفانسز" Science Advances، أن التعليم عبر الإنترنت يتيح الفرصة للجامعات ذات الموارد المحدودة لتسجيل مزيد من الطلاب دون أن يؤثر ذلك على مُخرَجات العملية التعليمية.

مرونة تعليمية

اهتم الباحثون بدراسة الاختلافات بين ثلاثة أنماط دراسية، هي "التعليم داخل الفصول"، و"التعليم عبر الإنترنت"، و"التعليم المدمج"، الذي يجمع بين كلا النظامين. واقتصر الباحثون في عملهم على دراسة مؤسسات التعليم العالي محدودة الموارد.

يقول إيجور تشيريكوف -كبير الباحثين بمركز دراسات التعليم العالي بجامعة كاليفورنيا بيركلي، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن الاستثمار في برامج التعليم يعزِّز المرونة التعليمية، حين يتعذر حضور الطلاب، أو أعضاء هيئة التدريس إلى الكليات كما هو الحال الآن؛ إذ اضطرت معظم الجامعات الأمريكية إلى غلق أبوابها بسبب تفشِّي جائحة كوفيد-19.

وتابع: لم يؤثر التعليم عبر الإنترنت سلبًا على مستوى إتقان الطلاب لمحتوى المنهج؛ إذ جاءت نتائج المجموعات الثلاث متشابهة، كما ساعد الجامعات ذات الموارد المحدودة على تقليل تكلفة التعلُّم لكل طالب.

وافقت ثلاث جامعات إقليمية روسية على المشاركة في الدراسة، ولأن الجامعات التي تم إجراء التجربة بها صنفت في مؤخرة 458 مؤسسة للتعليم العالي، فقد تم إنتاج الدورات عبر الإنترنت من قِبَل المدرسة العليا للاقتصاد بجامعة البحوث الوطنية في روسيا، التي تُعد إحدى أفضل المؤسسات التعليمية الروسية.

وضمت عينة البحث 325 طالبًا في العام الدراسي 2017-2018، وتنوعت اختصاصاتهم بين الهندسة الميكانيكية (EM) وتكنولوجيا مواد البناء (CMT)، وجرى توزيعهم بشكل عشوائي إلى ثلاث مجموعات: الأولى لطلاب تم إخضاعهم للدراسة عبر منصة OpenEdue، وهي منصة روسية تضم ثمانيًا من المؤسسات الأكاديمية الروسية الكبرى، والثانية لطلاب درسوا بطريقة تقليدية من خلال التعليم وجهًا لوجه في جامعاتهم المحلية، في حين ضمت المجموعة الثالثة طلابًا دمجوا بين التعليم عبر الإنترنت والتعليم التقليدي.

ووجد الباحثون أن "التعليم القائم على الدمج بين حضور المحاضرات في الكليات واستخدام منصات التعليم عن بُعد قلل تكلفة التدريس لكل طالب في مجال تكنولوجيا مواد البناء بنسبة 15%، وقلل تكلفة التعليم لكل طالب في مجال الهندسة الميكانيكية بنسبة 19%، أما التعليم عبر الإنترنت (فقط) فقد خفض تكلفة التدريس لكل طالب في مجال تكنولوجيا مواد البناء بنسبة 79.1%، ولكل طالب من طلاب الهندسة الميكانيكية بنسبة 80.9%.

يشار إلى أن محتوى المنهج التعليمي (مُخرَجات التعلم، وموضوعات المنهج، والمحاضرات المطلوبة، والتكليفات الدراسية) كان متطابقًا لدى جميع الطلاب، ومتوافقًا مع معايير التعليم الفيدرالي للدولة (FSES). يحدد نظام التعليم الفيدرالي للدولة متطلبات كلٍّ من مُخرَجات تعلُّم الطلاب والموضوعات التي يجب تغطيتها في البرامج الأكاديمية (مع ترك تصرُّف محدود للمعلم)، وتتوافق معظم المناهج التعليمية المتاحة على منصة OpenEdu عبر الإنترنت مع تلك المعايير.

رضا الطلاب

 وجد الباحثون أن درجات الاختبار النهائي لم تختلف بشكل كبير بين طلاب المجموعات الثلاث، وإن كان الطلاب الذين درسوا عبر الإنترنت قد حققوا معدلات  أعلى بمعدل 7.2 نقاط مئوية، ومع ذلك كانوا أقل رضا بقليل عن تجربتهم التعليمية عن بُعد، مقارنةً بالذين درسوا في قاعات المحاضرات، أو الذين دمجوا بين النظامين التعليميين.

لكنَّ تراجُع معدلات رضا الطلاب عن التعليم عبر الإنترنت يتضاءل عند مقارنته بفوائد خفض التكلفة الدراسية والتوسع في توفير برامج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات بتكلفة معقولة للدول التي تواجه نقصًا في أعضاء هيئة التدريس وتنامي القدرة على دخول حلبة التنافس في مجال اقتصاد المعرفة، وفق "تشيريكوف".

وتكشف نتائج الدراسة أنه "على الرغم من أن التعليم عبر الإنترنت يوفر معدلات الإنفاق على المدى الطويل، إلا أن تكاليف بدء تشغيله كبيرة، موضحةً أنه "يمكن تغطية التكاليف الأولية من خلال اتحادات الجامعات".

ويتوقع الباحثون أن يكون لنتائج تلك الدراسة آثار مهمة على تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، وهي المجالات المطلوبة بشدة من قِبَل القوى العاملة، موضحين أن "الطلب على التعليم العالي آخذٌ في الارتفاع في ظل الاقتصاد الرقمي الذي نعيشه الآن، ولكن أسعاره تضخمت، وهناك نقصٌ في عدد القادرين على تدريس هذه الدورات، خاصةً في المناطق الريفية".

خفض التكاليف

يقول "تشيريكوف": تبرهن الدراسة على أن التعلُّم عبر الإنترنت يمكن أن يعالج مشكلة ارتفاع التكلفة ونقص المدرسين مع تقديم نتائج التعلُّم نفسها.

ويضيف: يحتاج سوق العمل إلى المهنيين المتخصصين في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويقدم بحثنا نهجًا ميسور التكلفة لتخريج مزيد من تلك الكوادر المؤهلة. ويتطلب توسيع نطاق الدراسة بنظام (STEM) بتكلفة معقولة تضافُر جهود القائمين على المؤسسات والأكاديميات الوطنية وتوفير مزيد من المنصات الوطنية للتعليم عن بُعد، والتي جرى إنشاؤها مؤخرًا في العديد من الدول؛ حيث يمكن لمنصات التعليم عبر الإنترنت الوطنية أو المعتمدة أن توفر بديلاً عمليًّا للنماذج التقليدية للتعليم وزيادة معدلات تسجيل الطلاب في هذه المجالات، دون إنفاق كبير أو خسائر في مُخرَجات التعلم.

تهيئة البنية التحتية

من جهتها، تقول نهال لطفي -مدرس علم النفس التربوي بجامعة قناة السويس، وغير المشاركة في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": كان الهدف من تعليم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات تحسين خبرات التعلُّم في هذه المجالات الحيوية التي تدعم الابتكار وتعتمد على الخبرات العملية المباشرة، وخصصت الولايات المتحدة الأمريكية ملايين الدولارات لإنشاء هذه النوعية من المدارس في العديد من ولاياتها، إضافةً إلى العديد من دول العالم، ومن بينها مصر.

وفي ضوء التحول إلى التعلم عن بُعد، الذي فرضته ظروف انتشار فيروس كورونا المستجد، كان هناك توجه مماثل لتحويل تعلم هذه التخصصات إلى نظم التعلم عبر الإنترنت، وكان التحدي الأكبر هو كيفية تقديم هذه العلوم بطريقة التعلم عن بعد، في حين أن الفلسفة الأساسية لها تقوم على الخبرات العملية المباشرة، وفق "لطفي".

وتتابع: وجدت الدراسة أن التعلم المدمج، الذي يتضمن محاضرات مباشرة أو مسجلة، بالإضافة إلى مجموعة من المهمات المطلوبة من الطلاب من خلال منصات التعلم عن بُعد، كان الأكثر ارتباطًا بالدرجات المرتفعة في التحصيل في نهاية المقرر، كما ارتبط بدرجة أعلى من الرضا بين الطلاب. ويمكن الاستفادة من هذه النتائج في إمكانية تحول تدريس STEM بالتعلم المختلط (Blending Learning)، الذي يؤدي إلى نتائج مرضية جدًّا في مقابل تخفيض كبير للنفقات، ومن هذا المنطلق يمكن للمؤسسات التعليمية التوجه إلى التعلم عن بُعد من خلال توجيه ميزانية التعلم إلى تهيئة البنية التحتية لدعم هذا النوع من التعلم في مقابل توفير تكاليف بناء المؤسسات التعليمية.

مظلة مؤسسية

بدورها، ترى عفاف عطية -المدرس المساعد في علم النفس التربوي بجامعة قناة السويس- أن أهم ما يميز هذه الدراسة هو الاهتمام بمسألة التكلفة، وهي المسألة التي تعوق التقدم في مجال التعليم عن بُعد، وبخاصة في الدول الفقيرة والنامية.

تقول "عطية": ما يحدث حاليًّا في هذا المجال هو جهد متشتت، يمكن وصفه بالاجتهادات؛ إذ تختار كل مؤسسة المنصة التي تناسبها، لكن ما تتحدث عنه الدراسة يسعى إلى توحيد المنصات تحت رعاية مؤسسية، وهو ما يُسهم بشدة في إنجاح الجهود وتقليل التكاليف ودقة التفاعل بين المعلمين والطلاب، وتلافي عيوب المنصات المتوافرة على الإنترنت التى لا تتمتع بمظلة مؤسسية.