شددت دراسة حديثة على أهمية الاعتماد على التجارب الميدانية الطبيعية لفهم ظاهرة البطالة، مشيرةً إلى أن هذا النوع من التجارب، والذي بدأ في العقد الأول من الألفية الجديدة، يفتح المجال أمام معرفة أعمق لظاهرة البطالة، خاصةً أن عدد العاطلين عن العمل تجاوز الـ192 مليون شخص على مستوى العالم، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة.

وأوضحت الدراسة، التي نشرتها دورية "نيتشر هيومان بيهيفيور" (Nature Human Behavior)، أن هناك ثلاثة استنتاجات رئيسية تعمِّق من عدم قدرتنا على فهم ظاهرة البطالة: أولها أن عدم قدرة أصحاب العمل على مراقبة أداء العاملين لدى مؤسساتهم يعقِّد من إقدامهم على اتخاذ قرار بتوظيف عمال جدد للعمل بمؤسساتهم، والثاني أن عدم قدرة أصحاب العمل على تحديد المهمات الوظيفية للعامل عند توظيفه يجعل المتقدم لشغل هذه الوظيفة عرضةً لـ"التمييز المنهجي" بجميع أشكاله، سواء كان تمييزًا على أساس الجنس أو العرق أو السن، ما يزيد من تفشِّي ظاهرة البطالة بين الأقليات التي تتعرض لهذا التمييز.

أما الإستراتيجية الثالثة، فتمثلت في اعتماد أصحاب العمل على تقييم العمال وفق معايير العلاقات الاجتماعية والشخصية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى حدوث "بطالة قصيرة الأجل".

يقول "عمر العبيدلي" -مدير برنامج الدراسات الدولية والجيو-سياسية في مركز البحرين للدراسات الإستراتيجية والدولية والطاقة، والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "اعتمدنا في دراستنا على مراجعة عدد كبير من الدراسات والتجارب المنهجية التي أُجريت لبحث ظاهرة البطالة، وانتهينا إلى أن التجارب الميدانية الطبيعية تُعَد أفضل وسيلة منهجية لدراسة ظاهرة البطالة".

ويُعرِّف "العبيدلي" التجارب الميدانية الطبيعية بأنها "تجارب يتم إجراؤها في مواقف طبيعية؛ إذ إن الأشخاص المشاركين في التجربة يكونون غير مدركين لحقيقة أنهم يخضعون لتجربة، ما يجعلهم يتصرفون بطريقة طبيعية تلقائية، وهو أمر مهم جدًّا للكشف عن كثير من الظواهر التي يحاول الناس إخفاءها إذا عرفوا أنك تُجري دراسة مصممة لاكتشاف تلك الظواهر، ومنها ظاهرة التمييز القائم على العرق والجنس على سبيل المثال".

ويضيف أن "جميع منهجيات البحث لها مزاياها وسلبياتها، لذا لا يمكننا القول بأن هناك طريقة محددة متفوقة عالميًّا، وقد سبق التجارب الميدانية الطبيعية تقنيتان بديلتان هما التجارب المعملية والدراسة الوصفية، وكلتاهما تعاني كثيرًا من السلبيات؛ إذ تعاني التجارب المعملية -على سبيل المثال- من أن معرفة الأشخاص الذين يمثلون عينة البحث بخضوعهم للتجربة يمكن أن يقوِّض جهود الباحثين في الكشف عن السلوكيات غير المرغوب فيها اجتماعيًّا، مثل العنصرية والانتقام والكسل".

ويشدد "العبيدلي" على أهمية إقناع المؤسسات الدولية بتمويل التجارب الميدانية الطبيعية في ظل تكلفتها العالية، مضيفًا أن "معرفة الجوانب الحقيقية لظاهرة البطالة تساعد "صناع القرار" والسياسيين الحكوميين على مواجهة العقبات التي تواجههم لتمرير اللوائح التي من شأنها حماية حقوق المواطنين والعمال، مثل وضع حدٍّ أدنى للأجور وحماية العمال في حالة تعرُّضهم لأي فصل تعسفي، وتحسين نوعية العمل وضمان تقاسم مكاسب النمو بشكل عادل وحظر مظاهر التمييز ضد العاطلين عن العمل ومساعدتهم على حماية أنفسهم من التعرُّض لأي تمييز على أساس الجنس أو العرق أو السن، وتوعيتهم بكيفية مواجهة أي شكل من أشكال التمييز بشكل قانوني، فضلًا عن توعية العاطلين عن العمل بكيفية كتابة سيرتهم الذاتية ومعرفة المجالات التي يراها أصحاب العمل نقاطَ ضعف في العاطلين عن العمل".

ويرى "العبيدلي" أن التجارب الميدانية الطبيعية ستكون أداةً رئيسية لتعميق الفهم العلمي لظاهرة البطالة، وأنه ما زال أمام العالم الكثير لمعرفة البواطن الخفية لتلك الظاهرة.