يستهلك ملايين الأشخاص حول العالم مياهًا ملوثة بمستويات الزرنيخ تفوق الحد الأقصى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية، الذي يبلغ 10 ميكروجرامات لكل لتر.

تطلق الميكروبات الموجودة في المياه الجوفية الزرنيخ بسبب تفاعلها مع الرواسب، وتقول دراسة نشرتها دورية "إنفيرومنتال ساينس آند تكنولوجي" (Environmental Science & Technology) إن المواد العضوية الطبيعية الموجودة في تلك الرواسب تساعد على تغذية التفاعل، وتؤثر على معدل ومستويات إطلاق الزرنيخ في المياه الجوفية.

ويوجد الزرنيخ بشكل طبيعي في المعادن التي يتكون منها الخزان الجوفي. ويُمكن لبعض أنواع البكتيريا إذابة تلك المعادن وإطلاق الزرنيخ في الماء. وفي محاولة لفهم العمليات البيوجيوكيميائية التي تتحكم في مستويات الزرنيخ في الماء، قام العلماء بمحاكاة تلك العملية داخل المختبر، للمساعدة في فهم الظروف التي من شأنها أن تساعد السلطات المعنية في التحكم في مستويات ذلك المعدن السام وتطهير إمدادات المياه الجوفية منه.

استخدم الباحثون مصادر كربونية بسيطة، تحتوي على الأسيتات واللاكتات كغذاء للبكتيريا الموجودة في المياه الجوفية، ووجدوا أن تلك البكتيريا لم تُطلق أي مستويات إضافية من الزرنيخ داخل المياه. إلا أن تلك التجربة لم تكن دقيقة بقدرٍ كافٍ؛ إذ تحتوي المواد العضوية الطبيعية الموجودة بالمياه الجوفية على مصادر كربون أكثر تعقيدًا؛ نتيجة اشتقاقها من النباتات والأحماض الأمينية والكربوهيدرات الموجودة بشكل طبيعي في الخزانات الجوفية.

أراد الباحثون توسيع التجربة، فحصلوا على عينات من رواسب خزان جوفي طبيعي بالقرب من قرية "فان فوك" الفيتنامية. وهو مكان تتلوث مياهه الجوفية بمستويات عالية من الزرنيخ؛ حيث جمعوا عينة من الرواسب من طبقة مياه جوفية يبلغ عمقها 45 مترًا تحت مستوى سطح الأرض، ووجدوا أن كميات كبيرة من المواد العضوية الطبيعية تحوي جزيئات شديدة التعقيد.

وبالتحليل، عثر العلماء على تلك الجزيئات بصورة أكبر في طبقات الطمي العلوية، مقارنةً بالرواسب الرملية السفلية.

عاد الفريق البحثي مرةً أخرى إلى المختبر؛ ليضعوا تلك المواد في أنابيب الاختبار. ثم أضافوا إليها المواد المستخدمة في التجربة الأولى، ليجدوا -في بادئ الأمر- أن البكتيريا تسببت في إطلاق الزرنيخ بشكل أبطأ من مصادر الكربون البسيطة، لكن مع مرور الوقت، أطلقت البكتيريا كمياتٍ كبيرةً من الزرنيخ، تُماثل تلك المستويات الموجودة في البئر الجوفي الفيتنامي.

يقول "أندرياس كابلر"، أستاذ علوم الأحياء الدقيقة بجامعة إبرهارد كارل الألمانية، والمؤلف الرئيسي للدراسة: إن العمليات الميكروبية مع المواد العضوية الموجودة في الطبقات العميقة يمكن أن تفسر غالبية نسب الزرنيخ المقاس في الماء، وتؤكد النتائج أيضًا أن تأثير المواد العضوية القادمة من السطح أقل بكثير مما كان يُعتقد سابقًا، ما يعني أن تلوث المياه الجوفية بالزرنيخ قادم في الأساس من تفاعلات الميكروبات داخلها، وليس من العمليات الصناعية أو حتى الصرف الصحي.

يضيف "كابلر" في تصريحات لـ"للعلم": تنبأنا لأول مرة بالمسارات والعمليات الرئيسية لإطلاق الزرنيخ في المياه الجوفية، ما يعني إمكانية منعها في المستقبل والحصول على مياه شرب مأمونة خالية من المستويات العالية من الزرنيخ السام.