"استخدم المصريون القدماء المعادن في قواربهم"، هذا ما توصل إليه فريق أثري مصري ياباني يعمل بموقع «مراكب الشمس» بجوار أهرامات الجيزة تحت قيادة <ساركوزي ياشيمور>، الباحث بجامعة واسيدا اليابانية، بعد أن استخرج قطعة كبيرة من الخشب من حفرة بالقرب من الهرم الأكبر الذي بناه الملك خوفو -الذي حكم مصر في عصر الأسرة الرابعة (2538- 2516 ق.م)- ليكون مقبرة له.

وتعود القطع المعدنية المكتشفة، والتي زاد عددها عن 50 قطعة، لمركبة شمسية خاص بخوفو. الأمر الذي يعزز فرضية أن مراكب الشمس كان لها أدوار وظيفية، وذلك على خلاف ما كان سائدًا من أنها لعبت أدورًا رمزية فقط. المركبة موضع البحث تم اكتشافها في أوائل خمسينيات القرن الماضي، وظلت على حالها حتى عام 2011، إلى أن جاء الفريق التابع لجامعة واسيدا اليابانية ليزيح عنها الستار، ويبدأ في استخراج القطع المكونة لها بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية.

يقول الأثري <ممدوح طه> -المشرف على آثار منطقة الأهرامات، والمرافق للبعثة المصرية اليابانية العاملة في مشروع ترميم مركب خوفو الثانية-: إن القطعة الخشبية المُستخرجة، والتي يبلغ طولها نحو ثمانية أمتار، تحوي قطعًا عديدة من المعدن، وتختلف عن أي قطعة أخرى استُخرجت من المكان حتى الآن، مضيفًا أن الأجزاء المعدنية المكتشفة نوعان، جزء معقوف على شكل حرف (S) بالإنجليزية وآخر على شكل حرف (U)، ويرجح أنها جميعًا تُستخدم لتفادي احتكاك المجداف بجسم المركب.

وأضاف طه: "إن هذا النوع من الحلقات المعدنية غير موجود في المركب الشهير الذي تم اكتشافه في منتصف القرن الماضي، ومن المتوقع أن يكشف الكثير عن تاريخ هذا النوع من المراكب في مصر القديمة، والغرض من إنشائها واستخداماتها المختلفة".

وبعد الانتهاء من تجميع هذا الكشف وترميم أجزائه، يتوقع طه الحصول على مركبة ضخمة لها 50 مجدافًا، وليس 12 مجدافًا مثبتة دون أية قطع معدنية بطريقة العاشق والمعشوق مثل مركبة الشمس الأولى. ويرجح طه أن تكون المركبة قد أبحرت فعليًّا في النيل، ما يدحض فرضية أن تكون هذه المراكب رمزية فقط، إذ كان الملك خوفو يستخدمها مع إله الشمس (رع) في رحلة الليل والنهار، وهو السبب الذي تعود إليه تسميتها بمراكب الشمس.

 
 

أغراض الاستخدام

وفي كتابه ’تاريخ المراكب في مصر القديمة‘، يبين الكاتب والباحث الأثري صدقي ربيع أن المراكب عمومًا جزء لا يتجزأ من الحياة المصرية القديمة، إذ لم يكن استخدامها مقصورًا على أغراض النقل، بل كانت تُستخدم لأغراض الترفيه والتنزه وأداء الطقوس الدينية أيضًا. وهذا النوع من المراكب موضع البحث -وفق صدقي- كان رمزيًّا يُستخدم للإله فقط، وفق ما كان سائدًا عن هذا النوع من المراكب من قبل.‏

أما المراكب الحربية‏،‏ فقد استُخدمت في الدولة الحديثة، وهناك العديد من الصور في المعابد تشير لذلك، خاصة معبد مدينة هابو، الذي يصور المعارك البحرية للملك رمسيس الثالث‏.‏

كما يظهر من النقوش المدونة على جدران المعابد أن المصري القديم استخدم المراكب أيضًا في النقل، سواء في النيل مثل نقل الجرانيت من محاجر أسوان‏،‏ أو الألباستر من حتنوب بمصر الوسطى‏،‏ أو الحجر الجيري من طرة‏، أو نقل المسلات من محاجر أسوان إلى معابد الأقصر والكرنك‏، أو للنقل عن طريق البحر سواء لإحضار أخشاب الأَرز من لبنان أو البخور والزيوت العطرية والذهب من بلاد بونت. ‏

جدل لا يزال قائمًا

ومنذ اكتشافهما، لم تكف مركبتا الملك خوفو عن إثارة جدل كبير بين العلماء والمتخصصين في توصيفهما، هل هما مركبتان جنائزيتان لهما أدوار وظيفية حقيقية أم مركبتان للشمس أي رمزيتان فقط؟ ويرجح فريق من علماء الآثار أنهما مراكب جنائزية بسبب حجمهما الكبير، إذ إن مراكب الشمس على الأرجح مراكب صغيرة رمزية.

وكانت المراكب الجنائزية‏ تُستخدم لنقل مومياء الملك لزيارة الأماكن المقدسة الخاصة بالإله أوزوريس، ومنها أبيدوس في الجنوب وبوتو في الشمال‏،‏ هذا بالإضافة إلى أن هذا النوع من المراكب كان يُستعمل أيضًا في نقل جثمان الملك من قصره الذي يقيم فيه إلى الجبانة حيث يوجد هرمه‏.

بينما يرجح الفريق الثاني أنهما ليستا جنائزيتين، بل هما مركبتان شمسيتان يستعملهما الإله رع -إله الشمس- مع الملك في رحلة الليل والنهار، تساعده النجوم في الإبحار والتجديف، حيث يقوم الإله في تلك الرحلة بتنظيف العالم من الأرواح الشريرة‏، وبالتالي يقدسه الشعب ويقدم له القرابين شكرًا وعرفانًا.

ويؤيد هذا الرأي عالم الآثار الدكتور زاهي حواس؛ إذ أشار في بحثه "آثار وأسرار مراكب الشمس" إلى أن العلماء احتاروا في تفسير وظيفة مركب الملك خوفو، نظرًا لأنهم يدرسون المركب كأثر قائم بذاته من الناحية الدينية فقط. ويشدد حواس على أنه من الخطأ دراسة أي عنصر معماري،‏ أو قطعة أثرية في أي موقع دون دراسة ما حولها من آثار ومعابد وأهرامات ومناظر ممثلة بالمعبد والتماثيل وغيرها‏.

ويذهب حواس إلى أنهما ليستا جنائزيتين، بل هما مركبتان شمسيتان‏، وأن بعض العلماء ذكروا أنهما مركبتان جنائزيتان دون أدلة موضوعية سليمة،‏ ويشدد على أن كمال الملاخ كان مصيبًا، من وجهة نظره، وذلك على الرغم من أنه لم ينشر أدلة علمية تدعم رأيه حين أطلق عليها‏ "مركب شمس‏" بعد كشفه لها في ‏25‏ مايو‏ 1954‏.

وقد يظن كثيرون أن مراكب الشمس تقتصر على مركبي الملك خوفو، ولكن الحقيقة أنه جرى الكشف عن العشرات منها في مصر، في أماكن متفرقة، أشهرها تلك المراكب الشمسية الملكية التي عُثر عليها في أبيدوس عام 2000، وقد جرى التعرف عليها لأول مرة عام 1988 بواسطة بعثة متحف جامعة بنسلفانيا. كما تعد مركب الملك <دن> من الأسرة الأولى من أهم مراكب الشمس المكتشفة حتى الآن، وقد تم اكتشافها عام 2012 في منطقة أبو رواش عن طريق المعهد الفرنسي للآثار الشرقية بالقاهرة. ويرجع تاريخ مركب دن لأكثر من 5000 عام، ويتكون من 11 قطعة خشبية بطول ستة أمتار وعرض متر ونصف. هذا بالإضافة إلى مراكب الأسرة الأولى التي عُثر عليها بسقارة، ومراكب الشمس الخاصة بالملك أمنمحات الثالث وسنوسرت الثاني في دهشور.

تاريخ الاكتشاف

ولاكتشاف مراكب الشمس قصة مثيرة، إذ كان عالِم الآثار المصري <كمال الملاخ> قد عثر عام 1954، عن طريق الصدفة، على حفرتين مسقوفتين عند القاعدة الجنوبية لهرم خوفو، أثارتا فضوله، هو وزميله الأثري المصري محمد نور، وبالحفر عثرا في قاع إحداهما على مركبة مفككة مكتملة الأجزاء مصنوعة من خشب الأرز، مع خمسة أزواج من المجاديف واثنتين من الزعانف، وقد أعيد تركيب المركبة، إذ بلغ طولها بعد اكتمال بنائها 42 مترًا.

وفيما يتعلق بالحفرة الثانية، فتقع إلى الشرق من الأولى، وقد قام بفحصها فريق أثري أمريكي عام 1987، مستخدمين كاميرات صغيرة أدخلت إليها، إذ تبين أن مركبًا آخر مفككًا موجود بداخلها. ولكن نظرًا لرائحة الخشب، وحالته السيئة، وارتفاع تكلفة استخراجه وبنائه، لم يكتمل المشروع.

وفي عام 2009، تجدد العمل في المشروع، حيث بدأ ترميم مركبة خوفو الثانية، بالتعاون بين المجلس الأعلى للآثار وفريق العمل الياباني، إذ قام الفريق بتنظيف حفرة المركب من الحشرات، ودراسة حالة ألواح المركب التي وُجدت في 13 طبقة تحت الأرض .

وفي عام 2010، تم رفع غطاء المركب المكون من 41 كتلة حجرية وزن كل منها 16 طنًّا، وأحلت محله كتل خشبية بمواصفات خاصة صُنِعَت في اليابان بهدف عزل الحفرة بالكامل. كما تضمن المشروع تسجيلًا وتوثيقًا علميًّا واسعًا للمنطقة المحيطة بحفرة المركب الثانية، باستخدام ما يُعرف بالمسح الراداري، ثم بدأ الاستخراج الفعلي للقطع الخشبية في عام 2011، وهي المرحلة التي ستنتهي في غضون عامين إلى ثلاثة، حسب ما يستجد خلال عمليات البحث والترميم.

 
 

 

اهتمام ياباني كبير

ساعدت التقنيات الحديثة كثيرًا في مشروع استخراج وبناء مركبتي الملك خوفو، إذ أسهم المسح الراداري للفتحة التي تقبع بها المركبة منذ آلاف السنين في تحديد عدد الطبقات الأرضية التي توجد بها الأخشاب. كما ساعد التصوير ثلاثي الأبعاد في التسجيل الأثري للأخشاب، أما التصوير بالأشعة تحت الحمراء فساعد على إظهار أي كتابات أو نقوش بالحبر الأسود مدونة على الأخشاب، إذ يستحيل على العين المجردة أن ترصدها بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة. وأهم هذه التقنيات على الإطلاق هي إعادة بناء المركب عبر محاكاتها عن طريق الكمبيوتر، مما سيساعد الأثريين على بناء المركب بشكل سليم.

تقول أكيكو نيشيساكا -كبيرة المرممين في البعثة اليابانية-: "ما زلنا في مرحلة استخراج القطع الخشبية، إذ جرى الكشف عن 704 قطع من أصل حوالي 1224". وتشير نيشيساكا إلى أنه بعد استخراج القطع يتم عمل الإسعافات الأثرية الأولية لها، إذ إن حالة الخشب تكون سيئة، فيتم معالجته وتدعيمه بصورة مؤقتة حتى يجري نقله بأمان إلى معامل الترميم الخاصة بالمتحف المصري الكبير بالجيزة، والذي من المتوقع افتتاحه في 2018.

يقول عيسى زيدان -مدير عام الترميم بالمتحف المصري الكبير-: "العمل في مشروع استخراج وترميم مركبة الشمس الثانية للملك خوفو يجري وفقًا لأحدث الأساليب العلمية المتبعة في الترميم الأثري منذ مرحلة الإسعافات الأولية التي تُجرى داخل الحفرة حتى عملية إخراج القطعة. وأشار زيدان إلى أنه تجري عملية أقلمة للقطعة بعد استخراجها من الحفرة حتى يمكن تخفيض درجة الحرارة والرطوبة، إذ لا بد من معالجة القطعة بشكل سليم قبل البدء في التعامل معها.

وتضيف المرممة اليابانية نيشيساكا: القطع الخشبية المستخرجة يجري ترميها ترميمًا دقيقًا في معامل المتحف المصري الكبير تمهيدًا لإعادة بناء المركب الجديد في مدخل المتحف، وهو ما يعد المرحلة الثانية للمشروع.

وكانت هيئة الآثار المصرية قد أقامت خيمة حول المنطقة التي عُثر فيها على المركبة الثانية، كما أقامت مركز ترميم مواز للموقع. وتوضح نيشيساكا أنه إبان إعادة بناء مركبة خوفو الأولى، جرى عمل العديد من السيناريوهات وكذلك المحاولات لإتمام عملية البناء حتى وصلوا للشكل النهائي الصحيح. وأضافت: لكن في حالة المركب الثاني الذي نحن بصدده، فأخشابه هشة وضعيفة بسبب عوامل الزمن والبيئة، ولا تحتمل التجربة والخطأ.

النانوتكنولوجي وإعادة الحياة

وعن الخطوات المتبعة في عملية الترميم تبعًا للقواعد العلمية، يقول زيدان -المشرف على الترميم الدقيق بمشروع مركبة خوفو الثانية- إن فريقًا من الأثريين يتولى ترميم قطعة واحدة في كل مرة، وبعد الانتهاء منها تُلف القطعة في غشاء واق من البلاستيك، وتُخزن في درجات حرارة تخضع للتحكم.

وأكد زيدان أنه حتى الآن تم عمل الإسعافات الأولية بالموقع لحوالي 686 قطعة قبل نقلها إلى مخازن مجهزة يمكن التحكم في درجتي الحرارة والرطوبة بها لحفظ الأخشاب، موضحًا أن الأخشاب في حالة سيئة جدًّا؛ إذ إن نسبة السيليلوز بها لا تتعدى 1 أو 2 بالمئة، هي نسبة ضئيلة جدًّا أدت إلى إصابة الخشب بالتحلل الحراري. ولفت إلى أنه تم إجراء دراسات تجريبية لتقييم المواد المستخدمة في تقوية أخشاب المركب من المواد التقليدية والمواد الحديثة، وخاصة مواد البارالويد 72 والنانو سيليلوز، والتي يتم استيرادها من اليابان.

وأردف زيدان أنه جرى عمل العديد من الاختبارات والفحوص اللازمة لهذه المواد، وأهمها اختبار التقادم لمعرفة تأثيرها على المدى المتوسط والبعيد على أخشاب المركب، حيث تم إجراؤه في اليابان تحت نفس الظروف من حيث الحرارة والرطوبة الموجودة فيها الأخشاب حاليًّا.

وأكد زيدان أن "هذه المواد غير مؤثرة على الأخشاب، وأن خواصها تتحسن مع مرور الزمن، مما يدعم الأخشاب ويساعد على تقويتها".