ربما تعتقد أن أسنانك التي تمتلكها داخل فمك ما هي إلا أدوات تقطيع وطحن للطعام، ولكن ما لا تعلمه أنها بمنزلة 32 بصمة يمكنها أن تميز جنسنا البشري عن غيره من الأجناس الأخرى. ويمكن للعلماء بسهولة دراسة هذه البصمات لتتبُّع مسار تطور الجنس البشري، إذ يُعَد وجود أو عدم وجود نتوءات أو قمم على تلك الأسنان وأشكال تلك القمم من بين العلامات التي تمكِّنهم من التمييز بين جنس بشري وآخر. ويستخدم علماء الأنثروبولوجيا (علم دراسة تطور الإنسان) هذه السمات الدقيقة للأسنان لتحديد متى انفصلت أنواع البشر المختلفة وتمايزت، وكيف انفصل الإنسان العاقل (Homo sapines) عن الإنسان البدائي (H. neanderthalensis)، ومؤخرًا استطاع أحد هؤلاء العلماء تصحيح المسار الزمنى الذي أدى إلى ظهور نوعنا على سطح هذا الكوكب.

تصحيح المسار

في دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ساينس أدفانسز"، كشفت "عايدة جوميز" -الباحثة بكلية لندن الجامعية- عن عدة أدلة تتمحور حول إيضاح أن سلالات البشر البدائيين "النياندرتال" (H. neanderthalensis) والبشر المعاصرين (هومو سابينس Homo sapiens) قد انفصلت قبل نحو 800 ألف عام على الأقل، وهذه فترة زمنية بعيدة جدًّا عما كان يعتقده العلماء. وكانت معظم تقديرات العلماء السابقة والمعتمدة على تحليل أجزاء الحمض النووي (DNA) قد أشارت إلى أن الانفصال بين الـ(نياندرتال) والبشر المعاصرين قد حدث في الفترة من 500 وحتى 300 ألف سنة مضت فقط،أي أن التقديرات الجديدة هي أكثر من ضعف الزمن الذي كان يعتقده العلماء سابقًا. ولتوفير تسلسُل زمني دقيق لهذه الاكتشافات أكدت "جوميز" نتائجها بتحليلات الحمض النووي (DNA)، الذي دعمت به نتائج هذه الورقة العلمية.

تحدثت  "عايدة جوميز" لـ "للعلم" قائلة: لاحظت أن نتائج الدراسات السابقة، في هذا الإطار، لا تتناسق مع المشاهدات والملحوظات التشريحية، وكان لا بد من دلائل علمية تعيد وضع الأمور في نصابها، من وجهة نظرها.

وتضيف: إن إحدى أهم سمات الأسنان أنها تطورت بمعدلات متشابهة للغاية لدى جميع أنواع البشر، ما يتيح لنا بناء مسار زمني لدراسة هذه السلالات وتتبُّعها، مشددةً على أن هذا ما يجعلها موضع اهتمام علماء الأنثروبولوجيا؛ فعلى سبيل المثال يتفق العلماء على أن أول صفات شبيهة بالإنسان تظهر في السجل الأحفوري للسلالة البشرية هي المشي على طرفين (الأقدام)، وكذلك الأنياب الحادة، التي تختلف اختلافًا جذريًّا عن تلك الأنياب الطويلة التي يمتلكها الشمبانزي، وكان أول مَن مشى على قدمين في أسلافنا هي القردة الجنوبية "أسترالوبيثكس" (Australopithecus)، التي تطورت أسنانها لتكون لها ضروس كبيرة وطبقة سميكة من المينا على الأسنان. ولكن هذه الصفات سرعان ما تغيرت في الأنواع البشرية التي ظهرت عقب أسترالوبيثكس (Australopithecus).

وعن أهمية هذا الكشف، يتحدث "هشام سلام" -مدير مركز جامعة المنصورة للحفريات الفقارية، والباحث غير المشارك بالدراسة- الذي كان قد تنبأ من قبل بنتائج هذه الدراسة في تصريح سابق لـ"للعلم" حين قال: "أعتقد أن الإنسان العاقل انفصل عن إنسان النياندرتال قبل مئات الآلاف من السنين، وأتوقع أن تشهد الفترة القادمة مزيدًا من الاكتشافات والدراسات لتتضح الصورة أكثر وأكثر".

وبما أن نبوءته قد تحققت عقّب "سلام" على نتائج هذه الأطروحة الجديدة قائلًا: كنا نحتاج إلى فك شيفرات هذا المسار التطوري وفهم حقائق انفصال هذه الأنواع بعضها عن بعض؛ لأن الدراسات كثيرة والجدل محتدم حول هذه النقطة تحديدًا داخل مجتمع الأنثروبولوجيا، وأعتقد ان هذه الورقة البحثية قوية بما فيها من نتائج إحصائية اعتمدت على عدد كبير من العينات وأشركت أيضًا الاعمار المختلفة للعينات في شجرة الأنساب.

ومجيبًا عن سؤاله حول مدى دقة استخدام الأسنان في دراسة المسار التطورى البشري، أجاب "سلام": طبغرافيا الأسنان (خاصة الضروس) بين الأنواع المختلفة في الثدييات عمومًا -وليس البشر فقط- مثل بصمة الأصابع، ويتم استخدامها في تمييز بعض الأنواع عن بعض من خلال مقارنة أماكن النتوءات والتجاويف في ضروس أسنان الأنواع المختلفة.

ويضيف: الدراسة الحالية قامت بتلك المقارنة لأسنان جنس الهومو، وهي طريقة فعالة، ولا سيما أن الدراسة طعمت بطريقة (tip dating Bayesian analysis) التي  تدرس شجرة أنساب جنسنا البشري وتأخذ في الاعتبار البعد الزمني للحفريات تحت الدراسة.

سكان كهوف إسبانيا

تتمحور دراسة "جوميز" حول نمط الأسنان في ثمانية أنواع مختلفة من الجنس البشري وأسلافه.

 مع إيلاء اهتمام خاص لمجموعة من البشر البدائيون (نياندرتال) الذين عاشوا في موقع "سيما دي لوس هويسوس" (Sima de los Huesos) في إسبانيا، والتي تعتبر المجموعة الأقرب لنقطة انفصال إنسان النياندرتال عن البشر المعاصرين.

"سيما دي لوس هويسوس" هو كهف في جبال أتابويركا ((Atapuerca حيث عثر علماء الآثار على حفريات لحوالي 30 شخصًا. تُرجع الدراسات السابقة عمر هذا الكهف إلى حوالي 430 ألف سنة مضت في العصر الجليدي الأوسط. وهذا يجعلها واحدةً من أقدم وأكبر مجموعات الرفات البشرية التي تم اكتشافها حتى الآن.

تعتبر أحافير سيما أسلافًا من البشر البدائيين (نياندرتال) استنادًا إلى كلٍّ من الخصائص التشريحية وتحليل الحمض النووي. ومع ذلك، فإنه تبعًا لوقت انفصال النياندرتال عن البشر المعاصرين فإن هذا لا يتوافق مع أوجه التشابه بين الخصائص التشريحية التي لوحظت في البشر البدائين من Sima de los Huesos.

لاحظت "جوميز" وجود اختلافات صغيرة النطاق تفصل أسنان البشر البدائيين (نياندرتال) عن نمط الأسنان في البشر المعاصرين، (وهي اختلافات من المحتمل ألا تكون مرتبطةً بتأثيرات وظيفية قوية، ولكنها رغم ذلك تميِّز بين أنواع البشر المختلفة).

توضح "جوميز"  ذلك قائلةً: مجموعة البشر البدائيين الذين عاشوا في موقع "سيما دي لوس هويسوس" في إسبانيا يتميزون بالحجم الصغير جدًّا للأسنان (خاصة الأسنان الضواحك –الأمامية- والضروس)، وهي صفات قريبة جدًّا من النياندرتال الكلاسيكيين (عاشوا في الفترة ما بين 130 ألف سنة إلى 47 ألف سنة)، لكن بطبيعة الحال فلا تزال هذه الأسنان مختلفة.

وهذا يعني أنه لكي يكون تاريخ تطور الأسنان للإنسان البدائي (نياندرتال) منطقيًّا وفي سياق المسارات الزمنية التطورية الأخرى التي يعرفها العلماء فإن زمن انفصال البشر البدائيين (النياندرتال) عن البشر المعاصرين (هومو سابينس) يجب أن يتم إرجاعه للوراء كثيرًا.

وعند سؤالها عن إمكانية وجود تفسيرات أخرى لهذا الاختلاف في نمط الأسنان، أجابت "جوميز" في تصريحها الخاص لـ"للعلم" بقولها: نعم يمكن أن يكون هناك سبب آخر، ولكن التفسير الذي عرضته في دراستي هو الأقرب للصواب، إلا إذا كانت هناك آلية مجهولة لنا سببت هذا التغير المهول في نمط الأسنان.

وتشدد"جوميز" على أن أي وقت أحدث من 800 ألف سنة سيكون معناه حدوث تطور سريع جدًّا وغير متوقع في الأسنان، وهو سيناريو غير صحيح على الأرجح.

تعقِّب "أيلونيد بيرس" -أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة أوكسفورد، والباحثة غير المشاركة بالدراسة- على هذا قائلة: تناولت هذه الدراسة الجديدة الوقت الذي كان يجب فيه تباعُد البشر البدائيين والإنسان الحديث لجعل المعدل التطوري للإنسان البدائي (نياندرتال) من سيما دي لوس هويسوس مماثلةً لتلك التي لوحظت في البشر الآخرين.

وتضيف "بيرس" لـ"للعلم": استخدم البحث بيانات كمية لقياس تطور شكل الأسنان عبر أنواع الهومين بافتراض أوقات متباينة مختلفة بين البشر البدائيين والبشر المعاصرين، وحساب عدم اليقين بشأن العلاقات التطورية بين أنواع الهومينين المختلفة. تختلف أسنان "نياندرتال سيما" عن تلك التي نتوقع أن نجدها في آخر أجدادهم مع البشر المعاصرين، مما يوحي بأنها تطورت بشكل منفصل على مدى فترة طويلة من الزمن لتطوير مثل هذه الاختلافات الصارخة.

وأكدت على أن رفات النياندرتال من إسبانيا وخباياها الكثيرة لا يدع مجالًا سوى أن نبحث في خبايا هذا النوع الذي طالما أسر خيالنا عند البحث في ماضينا العتيق.

من هو إنسان النياندرتال؟

اكتُشِفت أول حفرية لإنسان نياندرتال عام 1856 بقرية "نياندر" بألمانيا، ومن هنا اكتسب اسمه، إذ إن المقطع الأول يُشير إلى اسم المكان الذي اكتُشف فيه، أما المقطع الثاني (تال) فيعني (قرية) بالألمانية، ويُعد النياندرتاليون هم المجموعة الشقيقة لجميع البشر المعاصرين (هومو سابينس).

عاش إنسان النياندرتال قبل نحو 430 ألف عام، ويُقسم العلماء ذلك النوع إلى ثلاث فئات فرعية: إنسان النياندرتال المبكر الذي عاش في الفترة ما بين 430 ألف سنة إلى 130 ألف سنة، وأعقبه إنسان نياندرتال الكلاسيكي الذي عاش في الفترة ما بين 130 ألف سنة إلى 47 ألف سنة، ثم إنسان النياندرتال المتأخر الذي عاش ما بين 47 ألف إلى 25 ألف سنة.

كان البشر البدائيون (نياندرتال) أبناء عمومة للبشر الحاليين ولم يكونوا سلفًا مباشرًا -وهما من النوعين المنفصلين عن سلف مشترك. النياندرتال هم أكثر أقربائنا الذين تَمكنَّا من دراستهم، وتشير الأحافير والمكتشَفات التي تعود لهم إلى أنّهم كانوا صيادين مهرة، وكانوا يمارسون الصيد في جماعات، ممّا مكنهم من مواجهة الأخطار المحدقة بهم. كما تشير الأحافير إلى أنه من المرجح أن النياندرتال دفنوا موتاهم، ويبدو أيضًا أن مفهوم الحياة الآخرة كان ضمن معتقداتهم، بالإضافة إلى ذلك، كانت وجباتهم الغذائية وسلوكياتهم مرنةً بشكل مدهش، فلقد استخدموا فن الجسد مثل الأصباغ والخرز، وكانوا الفنانين الأوائل، كما يظهر ذلك مع فن كهف النياندرتال في إسبانيا، الذي يُعَد -على ما يبدو- أقدم فن إنساني حديث بعمر حوالي 20 ألف عام.

يُحسب لإنسان النياندرتال أولى الكلمات، لكن لا يوجد ما يشير إلى أنّهم تمكنوا من ترتيب كلامهم؛ فقد ظلّوا بدائيين جدًّا. وقد عاصر إنسان النياندرتال الإنسان المعاصر، لكنّه لم ينجح في التأقلم مع المتغيرات الطارئة في حين نجح أسلافنا في البقاء. كما كان إنسان النياندرتال قادرًا على إشعال النار .

حين خرج الإنسان الحديث من أفريقيا، تقابل مع إنسان النياندرتال في غرب أوراسيا –وهي كتلة أرضية امتدت بين ما يُعرف الآن بإسبانيا في الغرب وحتى روسيا في الشرق- نجم عن ذلك اللقاء تزاوُجٌ ترك بصمة جينية من إنسان النياندرتال في الحمض النووي للإنسان الحديث.

واكتشف العلماء أن هذا التزاوج بين البشر وإنسان "نياندرتال" بدأ بعد وقت قصير على هجرة الإنسان الحديث من القارة الأفريقية إلى سهول آسيا وأوروبا قبل نحو 75 ألف سنة، كما يعتقد العلماء أن هذا التزاوج قد ساعد في رفع كفاءة جهازنا المناعي.

يُذكر أن الدراسات الجينية أظهرت أن ما نسبته 2 في المئة من شفرتنا الوراثية (حمضنا النووي) تعود إلى جينات أصلها إنسان "نياندرتال"، وأنها انتقلت إلينا عبر التزاوج بين الجنسين، بينما وصلت نسبة تلك الجينات إلى ما نسبته 12 في المئة من جينات "نياندرتال" في سكان شرق آسيا.

كيف انتهى إنسان النياندرتال؟

لم تتطرق أطروحة "جوميز" الحالية إلى أسباب انقراض النياندرتال، ولكن مما لا شك فيه أن هذا التساؤل ربما يطرح نفسه وبقوة في عقول الكثير منا الآن. في الحقيقة فإن هناك العديد من النظريات حول ما أدى إلى انتهاء إنسان النياندرتال؛ إذ اقترح العلماء أن البشر الأوائل ربما يكونون قد حملوا أمراضًا استوائية معهم من إفريقيا، قضت بدورها على أبناء عمومتنا من النياندرتال. بينما يدعي آخرون أن انخفاض درجات الحرارة بسبب تغيُّر المناخ كان هو السبب في القضاء عليهم. لكن النظرية السائدة في ذلك هي أن النياندرتال انتهوا ربما من خلال التنافس على الغذاء والسكن. لأن القوة العقلية التي يتمتع بها الإنسان العاقل وتقنيات الصيد تدع النياندرتال البدائيين بدون منافسة.

وتأكيدًا لهذا التفسير يقول "سلام": تعايشنا جنبًا إلى جنب مع النياندرتال قبل انقراضهم. ويعتقد أننا أدينا دورًا مهمًّا وكنا سببًا من الأسباب التي أفضت الى انقراض النياندرتال.

فيما كشفت دراسة أُجريت على جماجم النياندرتال أنهم تعرضوا للانقراض بسبب أن أعينهم كانت أكبر حجمًا من أعين الإنسان من فصيلتنا البشرية، وكذلك كان حجم أدمغتهم أصغر. وهذه العمليات الدماغية هي التي مكَّنت جنسنا البشري -(الإنسان العاقل)- من تصميم ملابس أكثر دفئًا، وتطوير شبكات اجتماعية أوسع، ما ساعدنا على النجاة خلال العصر الجليدي في أوروبا.

سلف غامض

يتقاسم البشر المعاصرون سلفًا مشتركًا مع البشر البدائيون (نياندرتال)، وهو النوع المنقرض الذي كان أقرب أقربائنا في عصور ما قبل التاريخ.

تقول "جوميز": عندما تبحث عن آخر سلف مشترك لإنسان نياندرتال والبشر المعاصرين فإن إنسان هايدلبيرغ (Homo heidelbergensis) يميل إلى أن يكون هو ذلك الجد الأكبر، ومع ذلك ووفق نتائجي فإنه لا يمكن لإنسان هايدلبيرغ احتلال هذا الموقع التطورى بعد اليوم؛ لأنه أحدث بكثير من نقطة الانفصال بين كلا النوعين.

وتعقب "بيرس" على هذا قائلة: هذا يعني أننا بحاجة إلى الرجوع إلى الأنواع القديمة عند البحث عن ذلك السلف الغامض، والذي افترضت جوميز  في الدراسة أنه ربما يكون هومو أنتيسيزور (Homo antecessor).

يتكون اسم هذا الإنسان من شقين: فالأول كلمة "إنسان" وهي باللاتينية "هومو"، أما الشق الثاني فهو كلمة "سلف" وهي ترجمة لـantecessor  التي تدل على الأقدمية أو الأسبقية، وهذا يعني أن هؤلاء الناس ينتمون إلى أول أفواج المهاجرين الذين رحلوا من أفريقيا صوب قارة أوروبا، مما يُفسر العثور على أجزاء منهم في القارتين معًا.

هومو أنتيسيزور هو أقدم أسلاف البشر الذين تم تسجيلهم من أوروبا، وعاش في الفترة من 1.2 مليون وحتى 800 ألف سنة مضت في أوروبا. يُذكر أن بعض العلماء يعتقدون أن هومو أنتيسيزور ما هو إلا نوع بدائي من أنواع أخرى وليس بفريد من نوعه.

وتقول "بيرس": أغرب ما نعرفه عن هذا السلف القديم أنه في المناطق التي وُجد فيها "هومو أنتيسيزور"، استُخرجت أمثلة عديدة على عظام منزوعة اللحوم، وبناءً على هذه الاكتشافات، يفترض بعض علماء الأنثروبولوجيا أن "هومو أنتيسيزور" كان يتغذى على لحوم البشر.

في ختام حديثه  لـ"للعلم" عاد "سلام" للتنبؤ من جديد قائلًا: أعتقد أنه في المستقبل القريب سيكون هناك مزيد من الاكتشافات من صخور أقدم من ٤٠٠ ألف سنة قد تؤكد هذه الدراسة أو تنفيها.