هل ارتدى البشر البدائيون ملابس السباحة؟ على الأغلب لا. لكن دراسة جديدة تُشير إلى أن بعضهم ربما أمضى الكثير من الوقت على الشاطئ، وربما غرق أيضًا في مياه البحر المتوسط من أجل جمع القواقع.

تأتي هذه النتائج من فحص كهف خلاب يسمى "جروتا دي موسريني" (Grotta dei Moscerini) بإيطاليا، يقع على ارتفاع 3 أمتار فقط فوق شاطئ البحر بمنطقة "لاتيوم"، وهي المنطقة الوسطى الغربية من إيطاليا.

في عام 1949، اكتشف علماء الآثار العاملون في ذلك الموقع بعض القطع الأثرية غير العادية، والمكونة من عشرات من الأصداف البحرية التي التقطها إنسان النياندرتال، وشكلها في صورة أدوات حادة قبل نحو 100 ألف سنة.

والآن، اكتشف فريق بحثي بقيادة عالِمة الآثار المعروفة "باولا فيلا" أسرارًا جديدة في ذلك المكان الذي جاد باكتشافات عديدة طيلة العقود الماضية. إذ ذكرت نتائج الدراسة التي نشرتها دورية "بلوس وان" (PLOS ONE) اليوم "الأربعاء"، 15 يناير، أن البشر البدائيين لم يجمعوا فقط الأصداف التي كانت ملقاةً على الشواطئ، بل عملوا أيضًا على سبر أغوار البحر المتوسط للبحث عن أصداف مثالية تُلبي احتياجاتهم.

تُظهر النتائج أن البشر البدائيين ربما كانوا على صلة بالبحر أوثق بكثير مما كان يعتقده العديد من العلماء، إذ قاموا باستغلال المواد البحرية بصورة جيدة؛ بهدف تسهيل صناعة الأدوات الحادة.

حين عثر علماء الآثار لأول مرة على أدوات في ذلك الكهف، كانت مفاجأة. ففي الوقت الذي عرف فيه الباحثون أن البشر البدائيين يصنعون أدوات حادة ورماحًا من الحجارة، لم يكن من المعروف على الإطلاق أنهم استخدموا الأصداف وحولوها إلى أدوات.

ففي عام 1949، اكتشف العلماء وجود 171 قطعةً من أدوات حادة مصنوعة من نوع من أصداف رخويات تسمى "البطلينوس"، وهو حيوان لافقاري ينتمي إلى الرخويات، تُحيطه صدفة قوية من الكالسيوم. وقتها قال العلماء إن البشر القدماء استخدموا مطارق من الحجارة لتشذيب تلك الأصداف وتشكيل حوافها؛ لتظل حادةً مدةً طويلة.

لكن هل قام البشر البدائيون، مثلهم مثل العديد من رواد الشواطئ اليوم، بجمع هذه الأصداف في أثناء التنزه على طول الرمال؟

لمعرفة ذلك، ألقت "فيلا" وزملاؤها نظرةً فاحصةً على تلك الأدوات. وفي أثناء فحصها، وجدوا شيئًا لم يتوقعوه على الإطلاق، إذ إن قرابة 75% من تلك الأدوات كانت لامعةً على نحوٍ غامض، وكبيرة الحجم أكثر من مثيلتها، وهذا يعني أن إنسان النياندرتال قام باقتلاعها مباشرةً من قاع البحر بينما كان حيوان "البلطينوس" لا يزال حيًّا.

وذلك يعني أن البشر البدائيين جمعوا تلك الأصداف من قاع البحار، وبالتالي غطسوا في المياه على عمق يتراوح بين مترين وأربعة أمتار. دون وجود مُعدات غوص بالطبع، وهو أمر ربما جعلهم عرضةً للموت غرقًا بسبب تلك القواقع.

كما اكتشف الباحثون في تلك الدراسة أيضًا وجود عددٍ كبير من الصخور البركانية الزجاجية الخفيفة، المعروفة باسم "أحجار الخفاف"، استخدمها البشر البدائيون كأدوات "كشط". وقال الباحثون في تلك الدراسة إن تلك الأحجار جاءت من انفجار بركاني وقع على مسافة نحو 70 كيلومترًا إلى جنوب الكهف، وهذا يعني أن النياندرتال ربما مشى على قدميه على طول الشاطئ بحثًا عن أحجار يُمكن استخدامها في صقل القواقع.

ليست تلك هي الدراسة الوحيدة التي ترسم صورة إنسان النياندرتال كمُحب للشاطئ، على حد تعبير المؤلفة الرئيسية لتلك الدراسة "باولا فيلا"؛ ففي دراسة سابقة حدد فريق بقيادة عالِم الأنثروبولوجيا الشهير "إريك ترينكاوس" نمو تكوين عظمي غير طبيعي على الآذان الخارجية لبعض الهياكل العظمية البدائية للنياندرتال، وهو تكوين يُمكن مشاهدته في الأشخاص الذين يُمارسون الرياضات المائية اليوم.

تقول "فيلا" في تصريحات لـ"للعلم": إن تلك النتائج تُعد دليلًا إضافيًّا على أن البشر البدائيين كانوا مرنين ومبدعين مثلهم مثل أقاربهم من البشر الحاليين، خاصةً عندما يتعلق الأمر بصناعة أدوات تُسهل الحياة. وهو أمر يقع على النقيض من تمثيلهم في الثقافة الشعبية بوصفهم رجال كهوف عاشوا على الصيد بجانب حيوانات عملاقة كالماموث.

كما تنضم هذه النتائج إلى قائمة متزايدة من الأدلة على أن البشر البدائيين في أوروبا الغربية كانوا يمارسون الغوص في المياه الساحلية لجمع الموارد، قبل وقت طويل من ممارسة الإنسان العاقل لهذه العادات.

تؤكد "فيلا" أن فرنسا وإسبانيا تحويان مزيدًا من الأدلة على أن صيد الأسماك في المياه الضحلة والصيد في المياه العذبة في الأنهار كان نشاطًا شائعًا لدى البشر البدائيين، مضيفةً أن "تلك الورقة تثبت أن استغلال الموارد المائية المغمورة وجمع الأحجار والأصداف كانت من النشاطات الشائعة عند النياندرتال، وهو الأمر الذي يؤكد أن هؤلاء البشر البدائيين تمتعوا بالكفاءة التقنية والقدرة على الابتكار والمعرفة الواسعة بالموارد البيئية بعمق زمني أكبر بكثير من المعترَف به عمومًا".