على مدار عقدين من الزمان، شهدت أبحاث علوم المخ والأعصاب نقلة نوعية في عدد من البلدان الأفريقية، لكن هذا الحراك لا يزال منخفضًا بوجه عام، ولا يتناسب مع حجم القارة التي يمثل عدد سكانها 15٪ من سكان العالم، وتتحمل 25٪ من عبء المرض العالمي، وتحوي أكبر تنوع جيني بشري في العالم.

وتقود حركة النّشر العلمي القوية إلى زيادة فهمنا لطبيعة الأمراض البشرية، وعلى رأسها أمراض المخ والأعصاب، وعلى الرغم من التقدّم الملحوظ في أبحاث الأعصاب بـ5 دول أفريقية أبرزها مصر، لم تشهد بقية بلدان القارة السمراء هذا الحراك، لأسباب أبرزها ضعف التمويل والبنية التحتية البحثية، وانخفاض عدد الباحثين الناشطين، بالإضافة إلى "هجرة العقول" في هذا المجال كما هو الحال مع مجالات العلم المختلفة.

ويكتسب الرصد الدقيق لمخرجات البحوث أهميةً خاصة، فمن دونه لن نتمكن من وضع سياسات جديدة للنهوض بأبحاث علوم الأعصاب في أفريقيا.

في هذا الإطار، وضعت دراسة جديدة شارك فيها باحثون مصريون تقييمًا للوضع الحالي لأبحاث علوم المخ والأعصاب في 54 دولة أفريقية، على مدار عقدين من الزمان، في سياق عالمي.

أفريقيا وعلم الأعصاب

يقول الباحث المصري بكلية الطب بجامعة هارفارد الأمريكية، عبد الرحمن أبو شوك، المُشارك في تلك الدراسة: إن نتائج البحث تكتسب أهميةً خاصةً لعلوم المخ والأعصاب بشكل عام، ولأفريقيا بشكل خاص؛ إذ تُعد أعلى قارات العالم في معدل انتشار أمراض الأعصاب.

وأضاف -في حديث لـ"للعلم"- أن هذا يرجع إلى أن هناك أمراضًا تنتشر بشكل أساسي في القارة السمراء، ولا تُدرس مسبباتها بدقة في البلدان التي تتوطّن فيها، ومنها الأمراض العصبية الناجمة عن العدوى، بالإضافة إلى تلك الناجمة عن اضطراب ما بعد الصدمة، أو ما يُعرف بالتروما النفسية (Trauma)، وهي حالة من الضرر الفيزيائي للجسم ناجمة عن مؤثر خارجي يتعرض له الإنسان، كما في الحوادث والحروب.

وأوضح أن الدراسة كشفت عن أن ضعف البنية التحتية للمؤسسات البحثية، وانخفاض التمويل الموجه إلى أبحاث الأعصاب، يُسهمان إلى حد كبير في هجرة العقول البشرية والكوادر الشبابية من أفريقيا إلى الدول المتقدمة، لإنجاز أبحاثهم، وهذا يؤدي إلى قلة الأبحاث الصادرة من القارة السمراء جودةً وعددًا بشكل عام، بالإضافة إلى اعتماد معظم الأبحاث التي تُجرى في أفريقيا على التمويل الخارجي من جهات مثل معاهد الصحة الوطنية الأمريكية ومؤسسة "ويلكوم ترست" الخيرية في المملكة المتحدة.

"أبو شوك" أشار إلى أن التمويل الموجه من الخارج إلى المؤسسات البحثية الأفريقية يشترط العمل على أمراض عصبية بعينها تنتشر في بلدان أوروبا والدول المتقدمة الممولة للأبحاث، ومنها التصلب المتعدد على سبيل المثال، وقد لا تكون بالضرورة موجودةً في أفريقيا، وبالتالي فإن هذا التمويل لا يلبي بشكل أساسي احتياجات القارة من حيث فهم طبيعة الأمراض العصبية المنتشرة بها والظروف المحيطة التي تساعد على تفشِّيها.

تقييم الأبحاث

وجاءت نتائج الدراسة التي استمرت حوالي 3 سنوات، وشارك فيها 22 باحثًا، بعد مراجعة جميع الأبحاث التي نُشرت في أفريقيا عن علوم المخ والأعصاب بين عامي 1996 و2017، والتي بلغت 12326 بحثًا.

ومن الأبحاث التي تمت مراجعتها، استبعد 7107 أبحاث خرجت من دول غير أفريقية، وإن كان قد شارك فيها باحثون أفارقة بحكم وجودهم في بلدان معينة كالولايات المتحدة وبريطانيا على سبيل المثال، في حين خضع 5219 بحثًا للتقييم، وهي تلك الأبحاث التي خرجت بالفعل من دول أفريقية.

وأظهرت الدراسة أن مصر جاءت في مقدمة البلدان الأفريقية من حيث عدد بحوث علوم الأعصاب؛ إذ نشرت (1478 بحثًا بنسبة 28%)، يليها جنوب أفريقيا (1181 بحثًا بنسبة 23٪)، ثم نيجيريا (566 بحثًا بنسبة 11%)، والمغرب (409 أبحاث بنسبة 8%)، وتونس (388 بحثًا بنسبة 7%)، هذه البلدان الـ5 تنشر أكثر من 3 من كل 4 أوراق بحثية في علم الأعصاب بأفريقيا.

وعن سبب تفوُّق الدول الـ5 أفريقيًّا، قال "أبو شوك": إنه نابع من أنها تُعد من أكبر الدول من حيث عدد السكان والاقتصاديات وفيها مراكز متعددة لعلوم الأعصاب، كما أنها من الدول التي تولي البحث العلمي اهتمامًا، بالإضافة إلى أن مصر وجنوب أفريقيا والمغرب، توجد فيها الفروع الرئيسية للمنظمة الدولية لأبحاث الدماغ (IBRO)، وهي اتحاد عالمي لمنظمات علم الأعصاب يهدف إلى تعزيز هذا المجال ودعمه في جميع أنحاء العالم.

ولوضع تلك النتائج في سياق عالمي، قورنت هذه الأرقام مع 220 بحثًا اختيرت عشوائيًّا من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة واليابان وأستراليا والبرازيل.

وعن سبب اختيار هذه الدول بالتحديد، أوضح "أبو شوك" أن الفريق لجأ إلى اختيار بحوث من أكثر الدول تقدمًا وإنتاجًا لأبحاث علوم الأعصاب من كل قارة؛ لعقد مقارنة بينها وبين البحوث الأفريقية.

وأضاف أن تقييم الأبحاث اشتمل على عدة محددات، أبرزها المجالات التي نُشرت فيها، وعدد الاستشهادات بها، بالإضافة إلى مصادر تمويل البحوث، ونماذج حيوانات التجارب المستخدمة في الدراسات، ونوعية الأجهزة المستخدمة أيضًا، ناهيك بمدى استخدام الباحثين للنباتات الطبية الشائعة في القارة الأفريقية ضمن نطاق البحث، ومدى التعاون بين الباحثين الأفارقة في المجال داخل القارة وخارجها.

تحليل النتائج

ووفقًا للنتائج تلك المقارنة، فإن الأبحاث الأفريقية كانت الأقل في عدد الاستشهادات بنتائجها، إذ تراوح مُعدل الاستشهاد بين 13 و31 مرة، مقابل متوسط 77 اقتباسًا لكل بحث من المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، واليابان وأستراليا.

"أبو شوك" رأى أن هذا التبايُن يعود إلى عدة عوامل، أبرزها أن الأبحاث الأفريقية تستخدم طرقًا وأجهزة أقل تعقيدًا من تلك الموجودة في البلدان المتقدمة، كما أن استخدام الباحثين لنماذج معدلة وراثيًّا من فئران التجارب في دراسات علوم الأعصاب كان ضيئلًا جدًّا ويكاد يكون معدودًا على الأصابع على مدار 20 عامًا، مقارنةً بانتشار هذه النماذج على نطاق واسع في البلدان المتقدمة، ناهيك بمشكلات أخرى مثل ضعف التمويل، وبالتالي لا ينتج عنها مخرجات قوية كمثيلاتها في البلدان المتقدمة، وهذا يجعلها تنشر في مجلات ضعيفة وأقل تأثيرًا ولا تصل إلى دوريات ذات معامل تأثير قوي، ومن ثم ينخفض عدد الاستشهادات التي تنقل عن نتائجها، مقارنةً بمثيلاتها في البلدان المتقدمة.

ونوه بأن الدراسة تحيلنا إلى مشكلة كبيرة، هي أن بعض الباحثين الأفارقة ليس لديهم وعي كافٍ بأهمية النشر الدولي، ويلجؤون إلى مجلات محلية بعضها يكون "مطبوعًا" فقط، وبالتالي لا يظهر على شبكة الإنترنت، ولا تصل نتائجه إلى المجتمع العلمي ليتم الاستشهاد بها، كما أن بعضهم ينشر في مجلات ضعيفة و"مزيفة"، وهذا يجعل معظم الأبحاث لا ترقى إلى النشر الدولي ولا تلقى الاهتمام الكبير الذي تحظى به البحوث المنشورة في الدوريات القويّة.

ووفقًا لنتائج البحث، فإن جنوب أفريقيا هي الدولة الأولى في القارة من حيث تمويل أبحاث العلوم محليًّا، فهي الدولة الوحيدة بالقارة التي تستثمر ما يقرب من 1٪ من ناتجها المحلي الإجمالي في البحوث والتنمية، في حين كان تمويل معظم الأبحاث التي ناقشتها الدراسة في البلدان الأفريقية الأخرى من الخارج.

ونوه "أبو شوك" بأن نتائج الدراسة تحيلنا إلى عدة توصيات مهمة، أبرزها ضرورة اهتمام الحكومات الأفريقية بتمويل أبحاث علوم الأعصاب للوقوف على احتياجات القارة فيما يتعلق بدراسة الأمراض المتوطنة، كما أن النتائج كشفت أن الباحثين الأفارقة يتمتعون بعلاقات قوية مع زملائهم من البلدان المتقدمة، في حين أن هذا التعاون ضعيفٌ للغاية بين زملائهم على المستوى المحلي أو الأفريقي، ومن هنا نؤكد أهمية تعاون الباحثين على المستوى الأفريقي لرفع مستوى أبحاث علوم الأعصاب في القارة السمراء، وثالثًا زيادة تعليم الباحثين ووعيهم بعلم الوراثة الجزيئي المتقدم؛ لأهميته الكبيرة في دراسة الأصول الوراثية للأمراض العصبية، وأخيرًا أن يتم تركيز أبحاث أفريقيا وفقًا لطبيعة الأمراض المتوطنة في أفريقيا وهذا ما يتيحه التمويل المحلي، بدلًا من التركيز على أمراض قد لا تهم القارة، مثلما يحدث في الأبحاث الممولة من الخارج.

فكرة وطنية

من جانبه، رأى أبيل أغبون -الباحث في مختبر أبحاث علم الأعصاب، بكلية العلوم الطبية بجامعة أحمدو بيلو في نيجيريا- أن هذه الورقة تعطي مؤشرًا على شغف علماء الأعصاب الأفارقة الذين يتوقون إلى مدخلات ومخرجات أفضل، والإسهام في اكتشافات علمية عالمية لتحسين الأساليب والعلاجات وتطويرها، نحو إدارةٍ أفضل للصحة والقضايا ذات الصلة.

وأضاف لـ"للعلم"، أن علماء الأعصاب الأفارقة المقيمين بالخارج يسعون للتركيز على التعاون البحثي متعدد الجنسيات؛ بحثًا عن إجابات وحلول للمشكلات الصحية، عبر إجراء بحوث ذات معايير عالية، مستعينين بالتقنيات المتقدمة المتاحة في الخارج، من أجل الإسهام بحصتهم الخاصة في النهوض بهذا المجال محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.

"أغبون" تابع أن "مثل هذه الحركات تُنبئ بولادة مستقبل أفضل بما يكفي لتحفيز الانفتاح واستغلال الفرص للتعاون مع الأقران، سواء على المستوى المحلي (داخل حدود الدولة الواحدة) أو الإقليمي (داخل أفريقيا)، من خلال الأبحاث التعاونية ومشاركة المرافق والتقنيات المتقدمة والمنشورات".

وأشار إلى أن النتائج تشير إلى الشغف الذي يتمتع به علماء الأعصاب الأفارقة، فهم لديهم دوافع عالية ويرغبون في الذهاب بعيدًا لتقديم إجابات حول أسئلة العلوم العصبية الأساسية محليًّا وعالميًّا.

يأتي ذلك التوجه على الرغم من العراقيل الواضحة التي يواجهونها، بما في ذلك ضعف التمويل وانعدام المرافق البحثية الحديثة، وبالتالي فإنهم متحمسون بما يكفي لإبلاغ المجتمع العلمي في جميع أنحاء العالم بالتقدم المُحرَز حتى الآن، والحاجة المُلحَّة إلى الدعم على جميع المستويات، وسَن سياسات حكومية لتعزيز التقدم في هذا المجال العلمي الرائج.

أما عن الدوافع الوطنية، فإن البحث يُعد بمنزلة صرخة لإنقاذ المجتمع العلمي على الصعيدين الإقليمي والعالمي، بشأن التحديات الواضحة التي يواجهها علماء الأعصاب الأفارقة، والتي يمكن أن تقف حائلًا أمام تقدُّم الأبحاث ذات الصلة في المستقبل، مقارنةً بالنمو والتقدم المطَّرد في مناطق مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأستراليا.

وقال "أغبون": إن من نتائج الدراسة الأكثر إثارةً للدهشة، الاستخدام النادر لنماذج حيوانات التجارب المعدلة وراثيًّا في بحوث علم الأعصاب الأفريقية، وكنت آمل لمناطق مثل شمال أفريقيا، وخاصةً مصر والمغرب وجنوب أفريقيا أن تشارك بنشاط في استخدام هذه النماذج في الأبحاث، لما تتمتع به من إمكانيات غير متاحة لبلدان أخرى في القارة، وهذه دعوة للاستيقاظ، من أجل استكشاف إمكانيات النماذج الأخرى في تقدم البحث.

محددات لتعزيز أبحاث الأعصاب

وحول الآثار المترتبة على نتائج الدراسة، أشار "أغبون" إلى أن النتائج تؤكد بوضوح أن انتشار علم الأعصاب في القارة الأفريقية يعتمد بشكل أساسي على محددات، أبرزها نشر أبحاث في مجلات ذات تأثيرٍ عالٍ، وزيادة الاستثمار في معدات البحث الحديثة، والتدريب على استخدام هذه المعدَّات واعتماد نماذج حيوانات التجارب المعدلة وراثيًّا، بالإضافة إلى الحاجة الماسَّة إلى تعزيز تدفقات دعم البحوث المحلية، من الحكومات والممولين من القطاع الخاص، ناهيك بالحاجة الملحّة إلى التعاون البحثي بين البلدان الأفريقية لتعزيز واستدامة نمو علوم الأعصاب في المنطقة.

وواصل حديثه: إن تعزيز مُخرَجات علوم الأعصاب في أفريقيا، يتطلب وضع السياسات والقوانين الحكومية لتوفير هيئات تمويل داخلية محلية موثوقة من خلال الشراكات التعاونية مع المنظمات الخاصة والدولية، وإنشاء المعاهد البحثية والاستثمار في المعدات الحديثة، بالإضافة إلى تعزيز الدعم والاستثمار في تنمية علوم الأعصاب وضمان استمراره من خلال توفير مؤسسات تمويل خارجية (أفريقية ودولية)، وتعزيز فرص التواصل والتعاون بين البلدان الأفريقية وخارجها بهدف جذب التمويل متعدد الجنسيات.

وعن مستقبل علوم الأعصاب في أفريقيا، رأى "أغبون" أنه "مع تصميم علماء الأعصاب الأفارقة وشغفهم بإحداث تأثير كبير في المجتمع العلمي، فإن مستقبل علوم الأعصاب والبحوث ذات الصلة في أفريقيا لا بد أن يرى النور في نهاية النفق".

ووافقه الرأي جيمس أولوبادي، أستاذ علم الأعصاب والتشريح المقارن بكلية الطب البيطري جامعة إبادان في نيجيريا، الذي أثنى بشدة على العمل المُنجَز وعمق البحث، مؤكدًا أنه سيساعد في صُنع القرار السياسي، ويعطي مقياسًا لكبار العلماء في القارة الأفريقية بشأن العمل المطلوب لبناء القدرات البحثية في القارة.

لكنه رأى -في تصريحات لـ"للعلم"- أن اعتماد فريق البحث في نتائج الدراسة على الأبحاث التي أُجريت بقيادة أفريقية، ربما يكون مجحفًا، فهناك مشاريع بحثية صُممت وأحيانًا أُجريت التجارب على الحيوانات في أفريقيا، وهذه المشاريع جيدة بما يكفي للفوز بمِنح لاستكمالها في الخارج، حيث توجد تقنيات زراعة الخلايا والدراسات الجزيئية.

"أولوبادي" نوه بأنه إذا استندت الحكومات الأفريقية والجامعات وكبار العلماء إلى التقدم المحرَز في مجال علوم الأعصاب حتى الآن، فقد تكون هناك مؤشرات جيدة في أفريقيا، إذ كانت الصين قبل 40 عامًا أسوأ حالًا مقارنةً بالدول المتقدمة في أبحاث علم الأعصاب، لكن الصين بسبب التعاون والاستثمار كسرت هذه الفجوة حاليًّا.

وأشار إلى أن التعاون عاملٌ مهم في بناء قدرات الباحثين، لكن يجب أن يصحبه تقدم ملحوظ نحو الاستثمار في بناء مختبرات أقوى في أفريقيا، وكذلك زيادة التعاون بين بلدان القارة في المجالات البحثية.