في تسعينيات القرن الماضي، تمكَّن البروفيسور الأمريكي عربي الأصل "عمر ياغي" من ابتكار مواد بللورية ذات مسامية عالية، تحتوي في داخلها على قنوات تستطيع تكييف مكوناتها وفقًا للوظيفة المطلوبة لها. ما يميز هذه المسام أنها ذات أبعاد كافية لاستضافة جزيئات وجسيمات لمواد أخرى وانتشارها عبرها. وسرعان ما ذاع صيت هذه المواد التي أُطلقَ عليها "مواد الأطر المعدنية العضوية البلورية" وعُرفت اختصارًا بـ(MOF)، إذ أدرك العالم أهميتها نظرًا لقابليتها للاستخدام على نطاق واسع في العديد من التطبيقات في مجالات مختلفة.

ولكن واحدة من العقبات التي ارتبطت بنوعية هذه المواد شديدة الأهمية، قدرتها المحدودة على التوصيل الكهربائي، ما حد من استخدامها في تطبيقات المستشعرات الكيميائية ومن دخولها في التفاعلات الكهروكيميائية التي تعتمد عليها العديد من التطبيقات، كالطلاء وسبك المعادن.

مؤخرًا، تمكَّن فريق بحثي مشترك من مركز علوم المواد بمدينة زويل ومعهد كارلسروه للتكنولوجيا في ألمانيا، من خلال بحثهم المنشور بدورية أمريكان كميكال سوسيتي، من تطوير أحد أشكال مواد (MOF) لمعالجة هذا القصور، وذلك عبر تحميلها على رقائق متناهية الصغر من الجرافين للاستفادة من خواصه كمادة ذات توصيلية كهربائية عالية.

محاولات سابقة

تعتمد "مواد الأطر المعدنية العضوية البلورية" على ربط اللبنات العضوية وغير العضوية لتشكيل بنى هيكلية مسامية أشبه بالشبكة، ويمكن للمسام في هذه الشباك أن تكون مستقرةً بما يكفي لتخزين جزيئات مادة ما، مما يجعلها ذات تطبيقات عديدة، كتخزين الغازات أو استخلاص الملوثات، أو كمواد لتحفيز التفاعلات الكيميائية، أو إيصال الأدوية داخل الجسم.

وفي أغلب الأحوال، لا تحتاج هذه التطبيقات إلى توصيلية كهربائية عالية، ولكن عند الحاجة إلى توظيف هذه التطبيقات في مجال الاستشعار الكيميائي أو التفاعلات الكهروكميائية، يصطدم الباحثون بقصورها في هذا الاتجاه، وهي المشكلة التي نجح الفريق البحثي في تلافيها، محققًا بذلك نقطة تميُّز تجاوز بها محاولات سابقة لعدة فرق بحثية أخرى.

كانت بعض الفرق البحثية قد اختارت وضع بوليمرات موصلة للكهرباء داخل مسام تلك المواد، فعالجوا مشكلة التوصيلية الكهربائية، لكن سرعان ما نتج عن ذلك عيب آخر، هو تقليل مساحة السطح، ما ينعكس سلبيًّا على جودة هذه المواد وكفاءتها.

هبت فرق بحثية أخرى في اتجاه مختلف، هو بناء "شريحة رقيقة" من تلك المواد، فوق مادة موصلة للكهرباء، وكانت مشكلة هذه الطريقة أنها لا تسمح باستخدام كمية كبيرة من تلك المواد.

 ومع كلا الحلين فقدت المادة الكثير من إمكانياتها، إذ لم تعد قادرةً على استشعار كميات كبيرة من المادة المراد استشعارها، وعليه حد ذلك من تطبيقاتها.

ويقول "محمد الكردي" -المدير المشارك لمركز علوم المواد بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، والباحث الرئيسي بالدراسة- في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "الجديد الذي قدمه الفريق البحثي هو تحميل تلك المواد على رقائق متناهية الصغر من الجرافين (بودر)، في حين استطعنا استخدام كميةً كبيرةً من مواد الـMOF دون إحداث تغيير في تركيبها الكيميائي، كما عالجنا مشكلة التوصيل الكهربائي دون التأثير على مساحة سطح المادة".

 ووفق ما جاء في البحث، فقد قارن الفريق البحثي التوصيلية الكهربائية بين مواد الـ (MOF) التقليدية، والمواد الجديدة التي استُخدم معها الجرافين، فكانت النتيجة أن قيمة التوصيلية الكهربائية ارتفعت في المواد الجديدة إلى حوالي 100 ألف ضعف عند مقارنتها مع النماذج التقليدية، وأظهرت المواد الجديدة أيضًا مساحات سطحية عالية (1156-1078 م 2 / جم).

الاستشعار الكيميائي

وتؤهل هذه الأرقام مواد الـ(MOF) للدخول في تطبيقات جديدة لم تكن متاحةً في السابق لضعف التوصيلية الكهربائية لها، ومن أهمها مجالان هما الاستشعار الكيميائي وتطبيقات التفاعلات الكهروكميائية.

ويضيف "الكردي": "مثلًا يمكن استخدامها في الاستشعار الكيميائي لبعض الغازات في مجال الصناعة، وستتميز عن المتوافر في الأسواق حاليًّا، بأن خصائصها تسمح باستشعار الغازات ذات السُّمِّيَّة العالية حتى لو كانت تركيزاتها قليلة، مثل غازات الأمونيا وكبريتيد الهيدروجين، أما المتاح حاليًّا فأغلبه لا يستشعر إلا التركيزات الكبيرة"، ويتابع: "كما يمكن استخدامها في التطبيقات الصحية للكشف عن الغازات الناتجة عن عملية التمثيل الغذائي، مثل أكسيد النيتريك والأسيتون، وهو ما يفيد في تشخيص بعض أمراض التمثيل الغذائي.

وفي مجال التفاعلات الكهروكيميائية، يوضح "الكردي" أنها يمكن أن تساعد في مجال تخزين الطاقة الشمسية، كبديل عن البطاريات التقليدية ذات الأسعار المرتفعة والعمر الافتراضي القصير.

أين التطبيقات؟

هذه التطبيقات التي أشار إليها الكردي كان "بدوي أنيس" -الباحث في قسم الطيف بالمركز القومي للبحوث في مصر- يتمنى أن تتضمن الورقة البحثية أحدها.

ويقول في تصريحات خاصة لـ"للعلم": "ما قرأته هو أن تحسين خواص التوصيلية الكهربائية يمكن أن يكون مفيدًا في مجال الاستشعار والتفاعلات الكهروكميائية، ولكن لا يوجد تطبيق تم نقل نتائجه إلى الورقة البحثية، وهذه هي النقطة السلبية الوحيدة التي استوقفتني عند قراءة البحث".

ويضيف: "ليس كافيًا أن أقول إن المادة ستكون مفيدةً في بعض التطبيقات بعد تحسين خواصها الكهربائية، بل يجب تنفيذ ذلك ونقل النتائج إلى الورقة البحثية؛ لأنه قد تظهر مشكلات عند التطبيق تجعل الباحث يعيد النظر في بعض الأمور".

بعض أفراد الفريق البحثي credit: Akordi

ويستشهد "أنيس" على ذلك بأن العالمين الروسيين "أندريه غييم" و"كونستانتين نوفوسيلوف" عندما أعلنا عن ابتكار مادة الجرافين عام 2004، كان مصاحبًا لذلك تطبيقٌ لهذه المادة، وهو تصنيع (ترانزيستور) من الجرافين، وبعد أن وضع بحثهم اللبنة الأولى في هذا المجال عملت الكثير من الفرق البحثية على تطبيقات خاصة بتلك المادة، وهو ما أهَّل مبتكريها للحصول على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2010، أي بعد 6 سنوات من الوصول إليها.

ملحوظة معتبرة ولكن

لا ينكر "الكردي" أنه كان من الأفضل أن تتضمن الورقة البحثية نتائج أحد التطبيقات، ولكن غياب ذلك أيضًا لا يعيبها.

ويقول: "حتى أستطيع الانتقال بالنتيجة التي توصلنا إليها لتنفيذ تطبيق عملي في مجال الاستشعار، فهذا يحتاج إلى فريق بحثي آخر يشارك فيه مهندسون متخصصون في الدوائر الكهربائية الخاصة بالمستشعرات لتصميم جهاز يسمح باستخدام مواد الـ(MOF)بعد تطويرها في هذا الإطار، وهذا ما يتم الآن بالفعل".

ويضيف: "عند تنفيذ التطبيق بشكل عملي باستخدام مواد الـ(MOF) بعد تطويرها، لا يوجد ما يمنع من نشر بحث مفصل يتضمن نتائج هذا التطبيق ومقارنة ما أتاحته المواد التي جرى تطويرها من نتائج مقارنة مع الطرق التقليدية، وهذا ما تم بالفعل مع تطبيق سمح باستخدام تلك المواد المطورة في مجال تخزين الطاقة الشمسية".